منتدى روضة القرآن

منتدى روضة القرآن (http://rawdatelquran.com/vb/index.php)
-   عامة________مواضيع عامة في كل المجالات __________ عامة (http://rawdatelquran.com/vb/forumdisplay.php?f=372)
-   -   إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية (http://rawdatelquran.com/vb/showthread.php?t=183743)

ربيع الفردوس الاعلى و روضة القران 14th February 2016 10:31 AM

إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية
 
إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية

أ. د. محمد جبر الألفي





مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وبه نستعين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد:
فمن المبادئ المقررة في الشريعة الإسلامية، التي سمت إلى مرتبة الضروريات، الحفاظ على النسل والتشوف إلى اتصال الأنساب، والستر على المسلمين وإشاعة الفضيلة بينهم، والعمل على تماسك الأسر وترابطها.

وكم أسعدني أن يهتم كرسي الشيخ عبدالله بن إبراهيم التويجري لدراسات الأحوال الشخصية في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بهذا الموضوع الحيوي، وأن يوافق على أن أكتب بحثاً عن: إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية.

فالموضوع غير بعيد عني، حيث عايشته عندما شاركت في ندوة الوراثة والهندسة الوراثية والجينوم البشري والعلاج الجيني - رؤية إسلامية-: الكويت 1419هـ - 1998م، ثم تابعت مناقشة الموضوع في دورة مجمع الفقه الإسلامي الدولي بالمنامة: رجب 1419، وفي وهران: 1433هـ. وشاركت في مؤتمر القرائن الطبية المعاصرة وآثارها الفقهية الذي عقد في الرياض: 1435هـ. وكنت على صلة وثيقة بالموضوع عندما طُرح في الدورة السادسة عشرة لمجمع الفقه الإسلامي – رابطة العالم الإسلامي – مكة المكرمة: 1422هـ، وفي مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية المتحدة: 1423هـ.

ويأتي بحث هذا الموضوع – الآن – بعد ظهور مستجدات طبية وعلمية تناولها أهل الاختصاص وقدموا إيضاحات وتفصيلات بشأنها، وكتب عن أحكامها الشرعية عدد من كبار علماء العصر، وتصدى لها القضاء بمختلف درجاته.

الخطة المنهجية للموضوع
أ-أهمية الموضوع:
1- تطور البحث العلمي وكشفه عن قرائن طبية قاطعة يمكن أن تغير الأحكام الفقهية الاجتهادية.
2-تحليل الآراء التي نتجت عن اكتشاف البصمة الوراثية والترجيح بينها.
3-بيان الحكم الشرعي لطلاب العلم والمشتغلين بالقضاء والخاص بأثر البصمة الوراثية في إثبات النسب أو نفيه.


ب-المشكلة:
1-أدى اكتشاف البصمة الوراثية وقطعية نتائجها إلى اعتمادها لدى أكثر المحاكم في العالم كقرينة قاطعة في ثبوت النسب ونفيه.
2-وترتب على ذلك أن عدداً كبيراً من الأشخاص لجأ إلى هذه الوسيلة للتأكد من نسبه الحقيقي.
3-وفي البلاد الإسلامية نادى البعض باعتمادها كقرينة على إثبات النسب ونفيه، وعلى الاكتفاء بها بدلاً عن إجراء اللعان وطلب نفي نسب الولد.
4-ومن هنا يمكن تحديد مشكلة الدراسة في بيان موقف الشرع الإسلامي من اعتماد البصمة الوراثية قرينة على إثبات النسب أو نفيه، ومجالات استخدامها بما لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية.


ج-الأهداف:
يهدف الباحث من خلال هذه الدراسة إلى ما يأتي:
1-تحديد المفهوم العلمي والشرعي للمصطلحات الدالة على البحث وبيان أهميتها في الموضوع.
2-بيان وسائل إثبات النسب ونفيه التي أقرتها الشريعة الإسلامية، ومدى إمكان تغيرها بتغير الزمان والمكان والمكتشفات العلمية.
3-عرض الآراء الجديدة التي ظهرت مع اكتشاف نتائج تحليل الحمض النووي، ومناقشتها، واختيار الحل الذي لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية.


د-التساؤلات:
1-ما المقصود بمصطلح البصمة الوراثية وكيف نشأت وتطورت؟
2-ما حقيقة النسب في اللغة، وفي علم الوراثة، وفي اصطلاح فقهاء المذاهب المختلفة؟
3-ما الوسائل التي اعتمدتها الشريعة الإسلامية لإثبات النسب ونفيه؟
4-هل يمكن اعتماد قاعدة «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان» للأخذ بنتائج البصمة الوراثية؟
5-ما المجالات التي يمكن فيها الأخذ بنتائج البصمة الوراثية من غير تعارض مع الثوابت الإسلامية؟


هـ-المصطلحات والمفاهيم:
إثبات = Establishment
اشتباه = Mixed
البصمة الوراثية = (D.N.A)Deoxy Ribo Nuclec Acid
الفراش = Marriage
القرينة = Presumption
القيافة = Physiognomy
نسب = Kinship
نفي = Denying


و-المنهج:
تقوم هذه الدراسة على المنهج الاستقرائي التحليلي المقارن، وذلك من خلال الرجوع إلى المصادر والمراجع الفقهية والدراسات الحديثة وأحكام القضاء المعاصر، للوصول إلى تأصيل علمي بإرجاع الأحكام المختلفة إلى أصولها الشرعية.

ز-تقسيمات البحث:
يتضمن البحث مقدمة وتمهيداً ومبحثين وخاتمة.

1- المقدمة:
تشتمل على تحديد فكرة الموضوع، وأهميته، ومشكلة الدراسة وأهدافها، وتساؤلات الدراسة، والمصطلحات والمفاهيم، ومنهج البحث، وتقسيماته.

2- التمهيد:
يتناول الباحث في التمهيد تحديد المفاهيم والمصطلحات التي تشكل عنوان البحث والألفاظ ذات الصلة، والكلمات الدالة على البحث.


3- ويخصص المبحث الأول لوسائل إثبات النسب ونفيه في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة.

4- وفي المبحث الثاني عرض لكيفية إثبات النسب ونفيه بالبصمة الوراثية، والمجالات التي يمكن أن تستخدم فيها من غير أن تتعارض مع الثوابت الإسلامية.

5-وفي الخاتمة إبراز لأهم نتائج البحث وتوصيات الباحث.

التمهيد
تحديد المفاهيم
(الكلمات الدالة على البحث)
1-إثبات = Establishment
يقصد بالإثبات – في اللغة – إقامة الحجة وتقديم الدليل على الأمر المدعى(1).
وعند الفقهاء: إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها الشرع الإسلامي على حق أو واقعة تترتب عليها آثار شرعية(2).
وقد اتفق الفقهاء(3) على أن الحجج الشرعية التي يعتمد عليها القاضي ويبني حكمه عليها: الإقرار، والشهادة، واليمين، والقسامة، ثم اختلفوا فيما وراء ذلك، فذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يقضى بالشاهد مع اليمين في الأموال أو ما يؤول إليها، وأنكر ذلك أبو حنيفة والأوزاعي(4)، وزاد ابن الغرس – من الحنفية – القرينة الواضحة(5)، ومن الفقهاء – كابن فرحون(6) وابن القيم(7)- من لم يحصر طرق الإثبات في أنواع معينة، واعتبر أن كل ما يبين الحق ويظهره يكون دليلاً للقاضي يبني عليه حكمه لقوله صلى الله عليه وسلم: «البيّنة على المدعي» (8).


2- اشتباه = Mixed
الاشتباه مصدر: اشتبه، يقال: اشتبه الشيئان وتشابها: أشبه كل واحد منهما الآخر، والشبهة: اسم من الاشتباه، وهو الالتباس، يقال: شبه عليه، أي: خلط عليه الأمر حتى اشتبه بغيره(9).
والاشتباه - اصطلاحاً -: الالتباس والاختلاط، جاء في التعريفات(10): الشبهة: ما لم يتيقن كونه حراماً أو حلالاً.
وفي فتح القدير(11): الشبهة: ما يشبه الثابت، وليس بثابت، ولابد من الظن لتحقيق الاشتباه.
والاشتباه قد ينشأ نتيجة خفاء الدليل، أو نتيجة تعارض الأدلة دون مرجح، أو نتيجة الاختلاف في دلالة النصوص على الأحكام(12).
والاشتباه الناشئ عن خفاء الدليل يعذر المجتهد فيه، ويكون قد اتبع الدليل فيما انتهى إليه اجتهاده؛ لأنه سعى باجتهاده إلى التعرف على قصد الشرع(13).
وإزالة الاشتباه تكون عن طريق التحري، أو استصحاب الحال، أو الأخذ بالقرائن، أو الاحتياط، أو بإجراء القرعة .. ونحو ذلك.


3-البصمة الوراثية = (D.N.A)Deoxy Ribo Nuclec Acid
أ-البصمة الوراثية، أو بصمة الحمض النووي، أو D.N.A ، هي: البنية الجينية التي تدل على هوية كل إنسان بعينه(14).
وبعبارة أوضح: "هي المادة المورثة الموجودة في خلايا جميع الكائنات الحية، وهي مثل تحليل الدم أو بصمات الأصابع أو المادة المنوية أو الشعر أو الأنسجة، تبين مدى التشابه والتماثل بين الشيئين أو الاختلاف بينهما، فهي – بالاعتماد على مكونات الجينوم البشري – الشفرة التي تحدد مدى الصلة بين المتماثلات، وتجزم بوجود الفرق أو التغاير بين المختلطات عن طريق معرفة التركيب الوراثي للإنسان في ظل علم الوراثة أحد علوم الحياة»(15).


فهي – إذن – اختلافات في التركيب الوراثي لمنطقة الإنترون، ينفرد بها كل شخص، وتنتقل بالوراثة بحيث يحصل كل إنسان على نصف هذه الاختلافات من الأب والنصف الآخر من الأم، فيتكون لديه مزيج وراثي يجمع بين خصائص الوالدين وبين الخصائص الوراثية لأسلافه، ويكتسب بهذا المزيج الوراثي صفة الاستقلال عن كروموسومات أي من والديه – مع بقاء التشابه معهما في بعض الصفات – وبالتالي: لا يمكن تطابق الصفات الجينية بين شخص وآخر، حتى وإن كانا توأمين.

ب- هذه البصمة تحمل كل الصفات والخصائص والأمراض والتغيرات التي سوف تطرأ على الشخص منذ التقاء الحيوان المنوي بالبويضة حتى نهاية عمره. وقد روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: «حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيقال: اكتب رزقه، وعمله، واجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح. قال: فو الذي نفسي بيده – أو قال: فوالذي لا إله غيره – إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار، فيدخل النار» متفق عليه(16).

ج- نسبة النجاح في نتائج بصمة الجينات الوراثية عالية جداً حددها بعض الخبراء بنسبة: 99.9999% نظراً لعدم تطابق اثنين من البشر في جميع الصفات الوراثية، ولهذا يمكن اعتبارها قرينة قطعية لا تقبل الطعن أو الشك، لابتنائها على دليل علمي محسوس إذا تعدد أخذ العينات وتحليلها في مواقع مختلفة، وتوثيق كل خطوة من خطوات تحليل البصمة الوراثية، بدءً من نقل العينات وانتهاءً بظهور النتائج، والتأكد من أن العينة ليست لتوائم متطابقة. وقد اعترف بها معظم المحاكم في أمريكا وأوروبا وكثير من دول العالم، وتم الاعتماد عليها للفصل في كثير من القضايا.

4-الفراش = Marriage
يطلق الفراش – في اللغة – على ما يفترش، كما يطلق على الزوج والمولى، والمرأة تسمى فراشاً لأن الرجل يفترشها(17)، والعرب تكني عن المرأة بالفراش والمبيت والإزار، وفراش الرجل: امرأته أو جاريته التي يغشاها، وفي الحديث: «الولد للفراش» (18)، معناها: الولد لصاحب الفراش، كما في قوله تعالى: ((وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا))(19)، أي: سل أهل القرية(20).
وفي الاصطلاح: يستعمل الفقهاء كلمة الفراش بمعنى الوطاء(21)، كما يستعملونها بمعنى أن تتعين المرأة للولادة لشخص واحد(22)، وفسر الكرخي الفراش – في الحديث – بأنه العقد(23).
وقد نص الحنفية على أن للفراش أربع مراتب(24):
أ-فراش ضعيف: وهو فراش الأمة، ولا يثبت النسب فيه إلا بالدعوة (بكسر الدال)(25)، أي: بادعاء الولد.
ب-فراش متوسط: وهو فراش أم الولد، ويثبت النسب فيه بلا دعوة، ولكنه ينتفي بالنفي.
ج-فراش قوي: وهو فراش المنكوحة ومعتدة الرجعي، والنسب فيه لا ينتفي إلا باللعان.
د-فراش أقوى: كفراش معتدة البائن، فإن الولد لا ينتفي فيه أصلاً؛ لأن نفيه متوقف على اللعان، وشرط اللعان: الزوجية القائمة.


5-القرينة = Presumption
أ-القرينة في اللغة العربية مأخوذة من قرن الشيء بالشيء، أي: شده إليه ووصله به، كالجمع بين الحج والعمرة(26). وفي اصطلاح الفقهاء: ما يدل على المراد من غير كونه صريحاً(27). أو: «كل أمر ظاهر يصاحب شيئاً خفياً، فيدل عليه» (28). والقرائن الطبية المعاصرة: «هي العلامات والأمارات الحيوية الطبية التي يستفاد منها في الطب الشرعي والضبط الجنائي وغيرهما، ومن هذه العلامات: فحص البصمة الوراثية لبعض العينات الحيوية كالشعر والدم والمني واللعاب وغيرها ..» (29).
ب- والعمل بالقرائن مشروع – في الجملة – لقوله صلى الله عليه وسلم: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها» (30)، فجعل سكوتها قرينة دالة على الرضا، وهذا من أقوى الأدلة على الحكم بالقرائن، وكإقرار النبي صلى الله عليه وسلم للقيافة في إثبات النسب(31).
ج- وتنقسم القرائن إلى: قرائن قوية، وقرائن ضعيفة، وقرائن كاذبة(32).
- فالقرينة القوية: هي الأمارة البالغة حد اليقين، أو المفيدة للظن الغالب، ويمكن الاعتماد عليها بمفردها.
- والقرينة الضعيفة: هي الأمارة التي تقبل إثبات العكس، ولا يجوز الاعتماد عليها بمفردها، بل لابد من دليل آخر يقويها، لتكتسب حجية الدليل.
- والقرينة الكاذبة: هي التي لا تفيد اليقين ولا الظن الغالب، ولا تخرج عن مجرد الشك والاحتمال، فلا يلتفت إليها.
د- ولا ينبغي الالتجاء إلى القرائن – قوية كانت أو ظنية – إلا عند انعدام النص الصريح، ومن باب أولى: لا يلجأ إلى القرينة إذا تعارضت مع دليل شرعي مجمع عليه. وفي هذا يقول ابن القيم: "فهذه مسألة كبيرة، عظيمة النفع، جليلة القدر، إن أهملها الحاكم أو الوالي أضاع حقاً كثيراً، وأقام باطلاً كبيراً، وإن توسع وجعل معوله عليها – دون الأوضاع الشرعية – وقع في أنواع من الظلم والفساد"(33).


6-القيافة = Physiognomy
القيافة – في اللغة – مصدر قاف بمعنى تتبع أثره ليعرفه، يقال: فلان يقوف الأثر، ويقتافه قيافة، والقائف: هو الذي يتتبع الآثار ويعرفها، وهو الذي يعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه(34).
وعند الفقهاء: القائف هو الذي يعرف النسب بفراسته ونظره إلى أعضاء المولود(35)، فالقيافة نوع من القرائن، جاء في كشف الظنون(36) أن قيافة البشر: علم باحث عن كيفية الاستدلال بهيئات أعضاء الشخصين على المشاركة والاتحاد في النسب والولادة وسائر أحوالهما.
وقد اشترط الفقهاء – الذين ذهبوا إلى إثبات النسب بالقيافة – عدة شروط ينبغي مراعاتها في القائف، مع اختلافهم في بعضها(37).
أ-الخبرة والتجربة التي تولد الثقة في قوله.
ب-العدالة؛ لأنه يحكم بإثبات النسب أو نفيه، والحكم يشترط له العدالة.
ج-العدد: الأصح – عند الجمهور – عدم اشتراط التعدد لإثبات النسب بقول القائف ويكتفى بقول واحد كالقاضي، ولكن وجدت أقوال تشترط تعدد القافة كما في الشهادة.
د-الإسلام: نص على اشتراطه الشافعية والحنابلة، وهو الراجح عند المالكية.
هـ-الذكورة: وهذا الشرط في الأصح عند الشافعية، والراجح عند الحنابلة.
و-البصر والسمع، وانتفاء مظنة التهمة، نص على ذلك الشافعية، وهو لازم قول من ألحق القائف بالشاهد أو بالقاضي.
وكذلك: اشترط الفقهاء الذين أثبتوا النسب بقول القائف عدة شروط في القيافة التي يثبت بها إلحاق النسب(38):
أ-عدم قيام مانع شرعي لإلحاق النسب، كما لو ولد طفل على فراش الزوجية وادعاه آخر؛ لحديث: «الولد للفراش».
ب-وقوع التنازع في الولد، نفياً أو إثباتاً، مع عدم البينة، كما إذا ادعاه رجلان أو امرأتان فإن الترجيح يكون بقول القافة.
ج-إمضاء القاضي قول القائف عند التنازع، فيما نص عليه الشافعية.
د-حياة كل من الولد المراد إثبات نسبه بالقيافة، والشخص الذي يراد إلحاق النسب به، وهذا الشرط وضعه المالكية، ولم يشترطه الشافعية ولا الحنابلة.


7- نسب = Kinship
النسب – في اللغة -: مصدر نسب، يقال: نسبته إلى أبيه نسباً: عزوته إليه، وانتسب إليه: اعتزى، والاسم: النسبة. والنسب يكون من قبل الأب ومن قبل الأم، وقيل: هو في الآباء خاصة. والعالم بالأنساب يسمى: نسابة، ونساب، والجمع: نسابون(39).
وفي اصطلاح الفقهاء: القرابة، وهي الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة
قريبة أو بعيدة(40)، وقال المالكية: هو الانتساب لأب معين(41). وعرفه بعض
المعاصرين(42) بأنه: رباط سلالة الدم الذي يربط الإنسان بأصوله وفروعه وحواشيه.
وشريعة الإسلام متشوفة إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها، ومتشوفة كذلك إلى الستر على المسلمين، وإشاعة الفضيلة بينهم، والحفاظ على تماسك الأسر وترابطها(43)، فقررت في النسب حقوقاً تتعلق بالولد، وأخرى تتعلق بالأم، وحقوقاً تتعلق بالأب، وفوق ذلك: فإن في وصله حقاً لله عز وجل(44).
أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين يوم القيامة»(45). وأخرج البخاري عن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» (46). وأخرج عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه – وهو يعلمه – إلا كفر، ومن ادعى قوماً ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده في النار» (47).
من أجل ذلك أحاطت الشريعة الإسلامية النسب بقيود صارمة، فأهدرت النسب في واقعة الزنى ولو ثبت أن الولد تخلق من ماء الزاني(48)، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش، وللعاهر الحجر» (49). أي أن النسب يثبت من صاحب الفراش، وهو الزوج، وللعاهر الزاني الخيبة ولا حقَّ له في الولد(50).
والنسب من حقوق الله تعالى، فإذا ثبت لا يكون محلاً للبيع أو الهبة أو الصدقة أو الوصية .. أو نحو ذلك(51)، ولا يحق لمن لحق به إسقاط حق الصغير، فمن أقر بابن أو هنئ به فسكت، أو أخر نفيه مع إمكان النفي، لا يجوز له إسقاط نسبه بعد ذلك(52).


8- نفي = Denying
يقال – في اللغة – نفيت الحصى نفياً، أي: دفعته عن وجه الأرض فانتفى، ثم قيل لكل شيء تدفعه ولا تثبته: نفيته فانتفى. ونفيت النسب: إذا لم تثبته، والرجل منفي النسب، وقول القائل لولده: لست بولدي، لا يراد به نفي النسب، بل المراد نفي خلقه وطبعه الذي تخلق به أبوه، وهذا نقيض قولهم: فلان ابن أبيه، والمعنى: هو على خلقه وطبعه(53).
وفي الاصطلاح: إذا أضيف النفي إلى النسب كان المقصود به: إنكار نسب المولود إلى والده، فإذا ثبت النفي لم يلحق الشخص بمن نسب إليه، وإلا فيجب حد القذف إلا إذا وجد ما يدرأه.
وإثبات النفي غير مستحيل إلا إذا كانت الواقعة المراد إثباتها مطلقة غير محصورة، أما إذا كان النفي مما يحيط به علم الشاهد فإنه يكون جائزاً. وفي بعض الأحوال تقضي الضرورة بقبول إثبات النفي المطلق، وتكون الشهادة منصبة على مجرد العلم، كما إذا حصر الشهود الورثة في شخص معين.
والواقعة السلبية المحصورة يمكن إثباتها عن طريق إثبات واقعة إيجابية، وقد تكون بطبيعتها ممكنة الإثبات بغير إثبات واقعة إيجابية(54).


المبحث الأول: إثبات النسب ونفيه في الشريعة الإسلامية
يفرق الفقهاء بين أسباب النسب، وبين أدلة ثبوته، ويجعلون للنسب سببين هما: النكاح والاستيلاء. أما أدلة ثبوت النسب فهي: الفراش، والقيافة، والإقرار، والبينة، وحكم القاضي. وسوف نخصص للنكاح مطلباً، ولأدلة ثبوت النسب مطلباً آخر، أما السبب الثاني من أسباب النسب فلن نتعرض له في هذا البحث؛ لأنه خاص بالإماء، فهو تصيير الأمة أم ولد، يقال: استولد فلان جاريته: إن صيرها أم ولده، ولا يثبت نسب الولد إلا إذا أقر السيد بالوطء – عند الجمهور – خلافاً للحنفية الذين اشترطوا إقرار السيد بأن الولد منه. ثم نفرد مطلباً ثالثاً لنفي النسب.
يتبع





عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


الساعة الآن 09:39 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd استضافة وبرمجة