![]() |
حرمة الدماء والأموال والأعراض
حرمة الدماء والأموال والأعراض عبد الرزاق البدر إن من أعظم ما أكَّد عليه النبي - عليه الصلاة والسلام - في خطبه المباركات في حجة الوداع بعد تأكيده على توحيد الله، وإخلاص الدين له - جلَّ في علاه -؛ مراعاة حقوق العباد، والحذر من انتهاك حرماتهم سواءً في دمائهم، أو أموالهم، أو أعراضهم. ومن يتأمل خطب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومواعظه العظيمة في حجة الوداع؛ يجد تأكيد النبي - صلى الله عليه وسلم - البالغ على هذه القضية العظيمة، وشدة اهتمامه - صلى الله عليه وسلم - بها، ولنتأمل شيئاً من تلك الخطَب عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - مما قاله في يوم عرفة، وفي يوم النحر، وفي أوسط أيام التشريق الثلاثة: فعن جابر - رضي الله عنه - في سياق حجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، وَقَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا...))» الحديث رواه مسلم. وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)) قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: ((فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟)) قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: ((فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟))، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَاراً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ، فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) رواه البخاري. وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: ((أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: ((أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الحَرَامِ؟)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) متفق عليه. وعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قَالَ: قال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِمِنًى: ((أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: ((فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟)) قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهْرٌ حَرَامٌ))، قَالَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا)) رواه البخاري. وعن جرير بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في حجة الوداع: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) فَقَالَ: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) متفق عليه. وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ: مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ: مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ: مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ)) رواه أحمد. وعن سلمة بن قيس الأشجعي - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: ((أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا)) رواه أحمد. وفي نهيه - عليه الصلاة والسلام - عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق بيانٌ لعظيم حرمة الدماء، وفي نهيه عن الزنا بيانٌ لحرمة الأعراض، وفي نهيه عن السرقة بيانٌ لحرمة الأموال. ومن يتأمل هذه الأحاديث العظيمة، والتأكيدات المتكررة من نبينا - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع على هذا الأمر العظيم، والمطلب الجسيم؛ يدرك عِظم الخطْب وجسامته، وأن دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم محرمةٌ محترمة، لا يجوز انتهاكها، ولا التعدي عليها؛ بأي نوعٍ من التعدي. ومن ينظر إلى واقع المسلمين - ولاسيما في هذا الزمان - يجد في كثير من الناس استخفافاً عظيماً، واستهانة بالغة بأمر الدماء والأموال والأعراض، من غير مخافة من الله، ولا مراقبةٍ له - جل في علاه -، ومن غير استشعار للمنقلب والوقوف بين يدي الله (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)[الشعراء:227]. ومن فَقُهَ هذه القضية، وأدرك جسامتها؛ فقد حصَّل علماً غزيراً، وفقهاً كبيراً، ولنتأمل في ذلك هذه القصة المفيدة؛ كتب رجلٌ إلى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - «أن اكتب لي بالعلم كله»، فكتب إليه - رضي الله عنه -: «إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله يوم القيامة خفيف الظهر من دماء المسلمين، خميص البطن من أموالهم، كافَّ اللسان عن أعراضهم، لازماً لجماعتهم؛ فافعل»؛ فبيَّن - رضوان الله عليه - أن هذه الأمور الثلاثة: رعاية حرمة الدماء، وحرمة الأعراض، وحرمة الأموال تُعَدُّ فقهاً عظيماً من وُفِّق له فقد أدرك خيراً عظيماً، فعلينا أن نُعنى بهذا الأمر العظيم، وأن نرعاه حق الرعاية، وأن نحذر أن نلقى الله - جل وعلا - يوم القيامة وقد تلوثنا بشيء مما يتعلق بحرمة الدماء، أو حرمة الأعراض، أو حرمة الأموال؛ فإن الأمر ليس بالهيِّن. نسأل الله - جل وعلا - أن يسلِّمنا، وأن يسلِّم منَّا، وأن يصلح لنا شأننا كله، إنه سميع مجيب. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 08:55 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة