منتدى روضة القرآن

منتدى روضة القرآن (http://rawdatelquran.com/vb/index.php)
-   أحاديث االرسول عليه الصلاة والسلام وشروحاتها والفوائد المستقاة منها (http://rawdatelquran.com/vb/forumdisplay.php?f=7)
-   -   البحث الرابع بعض القواعد المهمة من والجرح والتعديل (http://rawdatelquran.com/vb/showthread.php?t=517296)

ربيع الفردوس الاعلى و روضة القران 11th November 2016 06:25 AM

البحث الرابع بعض القواعد المهمة من والجرح والتعديل
 
المقدمة
ألحمد لله الذي شهدت له بالربوبية جميع مخلوقاته ، وأقرت له بالألهية جميع مصنوعاته.سبحانه: لافوز إلاّ بطاعته،ولا عز إلاّ في التذلل لعظمته ، ولا نعيم إلاّ في القرب منه.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كلمة قامت بها الأرض والسموت ، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل الله رسله ، وأنزل كتبه و شرع شرائعه .
وأشهد أن سيدنا محمداً عبد الله ورسوله ، المبعوث بالدين القيم ، والمنهج المستقيم ، أرسله على حين فترة من الرسل ، فهدى به إلى أقوم الطرق و وأوضح السبل ، وافترض على العباد طاعته ، والقيام بحقوقه ، فشرح له صدره ، ورفع له ذكره و ووضع عنه وزره ، وجعل الذي يخالف أمره عليه الذل والهوان.
أما بعد !
كما نعرف أن العلماء قد بذلوا جهودهم في وضع القواعد لحفظ الروايات وأسانيدها ، ففي هذا البحث نبحث عن بعض القواعد المهمة من والجرح والتعديل ونتكلم عنها حسب الخطة التالية:

المبحث الأول : ورود التوثيق عند الإمام أحيانا في كتابه في التضعيف وورود التضعيف أحيانا في كتابه في التوثيق وورودهما في غير مظانهما.
المطلب الأول : ومن أمثلته الإمام ابن حبان
المطلب الثاني : الخلاصة {أسباب الوقوع في هذا التناقض وأقسام الرواة }
الفرع الأول : أسباب
الفرع الثاني : أقسام الرواة الذين تناقض فيهم ابن حبان رحمه الله تعالى
المبحث الثاني : إيراد الإمام ألفاظا متنوعة المراتب في سياق واحد عند حكمه على الراوي .

المبحث الثالث : منهج الجوزجاني في الجرح بالبدعة .
المطلب الأول : نبذة عن الإمام الجوزجاني
المطلب الثاني : منهجه فيه
المبحث الرابع : منهج الإمام البخاري في تاريخه الكبيروالأوسط والصغير .
المطلب الأول : نبذة عن الإمام البخاري
المطلب الثاني : منهجه في التاريخ الكبير
المطلب الثالث : منهجه في التاريخ الأوسط
المطلب الرابع : منهجه في الضعفاء الصغير
وأسأل الله أن يسهل لي الأمر ، والله المستعان ، إليه المرجع والمآب .
المبحث الأول : ورود التوثيق عند الإمام أحيانا في كتابه في التضعيف وورود التضعيف أحيانا في كتابه في التوثيق وورودهما في غير مظانهما.
اعلم أن ابن حبان ، رحمه الله ، ألزم نفسه بتقسيم النقلة إلى ( ثقات ) و ( مجروحين ) ، وصنف كتابيه المعروفين في ذلك : " الثقات " و " المجروحين " ، فكان يجعل كل من وقف على اسمه منهم في واحد من القسمين .
فإذا كان الراوي ظاهر الأمر عنده في الثقة ، أو يقرب من ذلك ، أو يرجح إلى جهته ، يدخله في ( الثقات ).
وإذا كان ظاهر الأمر في المجروحين ، أو يقرب منهم ، أو يرجح عنده جرحه ، فهو في ( المجروحين ) .
وهذان ظاهران ( ).
وطائفة هي محل تردده ، فربما مال إلى إدخالهم في ( الثقات ) ونبه على ما يؤخذ عليهم كالخطأ ، فيقول : " يخطئ " ، وربما قال : " يخطئ كثيراً " ، وربما عدهم فيهم وهو يستخير الله في قبول حديثهم ، وقد يدخل الرجل ممن تردد فيه في ( المجروحين ) ، فيصفه أيضاً بكونه " يخطئ " أو " يخطئ كثيراً " ، وربما علق أمره على الاستخارة .
فمثاله في ( الثقات ) : ( إبراهيم بن سليمان الزيات ) ، قال : " مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات " ، ثم قال : " وهو أقرب من الضعفاء ، ممن أستخير الله فيه "( ).
بينما أورد جماعة في ( المجروحين ) ، وهم عنده من هذا النحو ، منهم :
بهز بن حكيم ، قال : " لولا حديث : إنا آخذوه وشطره إبله ، عزمة من عزمات ربنا ، لأدخلناه في الثقات ، وهو ممن أستخير الله عز وجل فيه " ( ).
جعفر بن الحارث أبو الأشهب ، قال : " كان يخطئ في الشيء بعد الشيء ، ولم يكثر خطؤه حتى يصير من المجروحين في الحقيقة ، ولكنه ممن لا يحتج به إذا نفرد ، وهو من الثقات يقرب ، وهو من أستخير الله فيه " ( ).
وقال نحواً من ذلك في ( خالد بن يزيد بن أبي مالك الدمشقي )( ) ، و ( خصيف بن عبد الرحمن الجزري )( )، و ( سويد بن عبد العزيز )( ) ، و ( يحيى بن أبي سليم أبي بلج الفزاري )( ).
ومن كانوا على هذه الصفة فهم موضع تردد ابن حبان يجعلهم في ( الثقات ) أو في ( الضعفاء ) ، وهؤلاء لا يجعل قوله حكماً فيهم ، إنما يدفع تردده بقول غيره من النقاد ، فيصار بالراوي إلى ( الثقات ) أو ( الضعفاء).
ومما يؤخذ عليه :
أنه أورد جماعة من الرواة في الكتابين جميعاً ( الثقات ) و ( المجروحين ) ، مما يعد من تناقضه ، منهم : إسماعيل بن محمد بن جحادة اليامي( )، رزيق أبو عبد الله الألهاني الشامي ( )، وزياد بن عبد الله النميري( )، وسعيد بن مسلمة بن هشام بن عبد الملك الأموي( )، وسهل بن معاذ بن أنس الجهني( )، وعمر بن إبراهيم العبدي( )، وعمران بن ظبيان الأسلمي( )، وكنانة بن العباس بن مرداس السلمي( ).
وما وقع فيه ابن حبان من ذلك فليس تردداً ، بل هو خطأ ، وصواب قوليه يتميز بحكم غيره ، أما قولاه هو فحيث تناقضا فقد تساقطا ، إذ أبطل أحدهما الآخر .
نعم ، ربما وقع في ذلك لظنه الفرق بن شخصين ، كالذي وقع منه في شأن ( عباد بن مسلم الفزاري ) فإنه أورده في ( الثقات )( ) ، وأورده في ( المجروحين ) فقال : " منكر الحديث على قلته ، ساقط الاحتجاج بما يرويه ، لتنكبه عن مسلك المتقنين في الأخبار ، واحسبه الذي يروي عن الحسن ، الذي يروي عنه الثوري وأبو نعيم ، فإن كان كذلك فهو مولى بني حصن ، كوفي يخطئ "( ).
لكن يبقى صنف من الرواة ليسوا بواحد من الأقسام المتقدمة : وهم من أوردهم في " الثقات " ممن لا يعرف ، ويبين هو نفسه في بعضهم أنه لا يدري من يكونون ، وهؤلاء سبب وصفه بالتساهل .
والتحقيق : أن ابن حبان لمن تأمل كتابيه يجده إماماً بصيراً بالنقلة ، يعرضهم على موازين النقد ، ويحرر أحوالهم في الرواية من خلال مروياتهم ، وهو ذاته منهج متقدمي الأئمة .
وهو في إيراد هذا الصنف من الرواة في ( الثقات ) فمن أجل أنه جعل الأصل في كل راو لم يقف في روايته على ما يطعن فيه لأجله اللحاق بالثقات ، وإن كان لا يدري من يكون ذلك الرواي .
وحيث علمنا أن ابن حبان إذا لم يثبت عنده كون الراوي مجروحاً فإنه يدخله في ( الثقات ) ، وأنه أدخل فيهم من لا يعرفه ، فهذا المنهج لا يعني أن من في كتابه من هؤلاء فهم ممن يحتج بهم ، بل فيهم من هو حجة ، وفيهم من دون ذلك ممن هو صالح للاعتبار ، والمستورون والمجهولون الذين لم يثبت عليهم فيما رووا حديث منكر يحتملون هم وزره، فهؤلاء يعتبر بهم ، ويحتج بحديثهم لغيره ، وربما خرج حديثهم في " الصحاح " متابعة.
وهذا منهج لا يعرف فيه اختلاف من حيث الجملة .
ولم أر وجهاً لعيب ابن حبان بهذا خلافاً لما جرى عليه طائفة من المتأخرين ، لأننا قد تبينا منهجه ، فغاية الأمر أن لا نجعل من مجرد إيراد الراوي في ( الثقات ) صحة الاحتجاج به ، حتى ينضم إلى ذلك سائر شروط الاحتجاج .
والروي يلحق بالثقات ولا يحتج به منهج قديم ، فهذا أبو حاتم الرازي مثلاً على تشدده يقول في ( محل بن محرز ) : " كان آخر من بقي من ثقات أصحاب إبراهيم ، ما بحديثه بأس ، ولا يحتج بحديثه ، كان شيخاً مستوراً ، أدخله البخاري في كتاب الضعفاء ، يحول من هناك "( ).
وهذا يدل على أمور :
أولها : يكون الرجل ثقة ، ولا يحتج به .
وثانيها : المستور ثقة ، ولا يحتج به .
وثالثها : من هذا وصفه لا يلحق بالضعفاء .
وهذا في الأمرين الأول والثالث منهج ابن حبان في " ثقاته " في الرواة غير المشهورين بالثقة والعدالة .
يتأيد هذا بتفسير ابن حبان نفسه للعدالة ، فإنه قال : " العدالة في الإنسان : هو أن يكون أكثر أحواله طاعة الله ، لأنا متى ما لم نجعل العدل إلا من لم يوجد منه معصية بحال ، أدانا ذلك إلى أن ليس في الدنيا عدل ، إذ الناس لا تخلو أحوالهم من ورود خلل الشيطان فيها ، بل العدل من كان ظاهر أحواله طاعة الله ، والذي يخالف العدل من كان أكثر أحواله معصية الله "( ).
قلت( ): وهذا لا يخالف في شيء تفسير ( العدالة ) عند من تقدمه من أهل العلم ، وهي العدالة الدينية.
فأما العدالة الموجبة لصحة الاحتجاج بحديث الراوي ، وهي اقتران الضبط إلى العدالة في الدين ، فيبينها ابن حبان في " صحيحه " بقوله : " وقد اعتبرنا حديث شيخ شيخ على ما وصفنا من الاعتبار على سبيل الدين ، فمن صح عندنا منهم أنه عدل احتججنا به ، وقبلنا ما رواهُ ، وأدْخلناه في كتابنا هذا ومن صحَّ عندنا أنه غيرُ عدلٍ بالاعتبار الذي وصفناه لم نحتج به ، وأدخلناه في كتاب المجروحين من المحدثين بأحد أسباب الجرح " ( ).

المطلب الثاني : الخلاصة {أسباب الوقوع في هذا التناقض وأقسام الرواة }
الفرع الأول : أسباب
بعد دراسة في المسألة تبين لي ما يلي من الأسباب لما وقع فيه ابن حبان رحمه الله تعالى :
أولاً :أن ابن حبان رحمه الله تعالى ألف كتاب " الثقات " قبل كتابه المجروحين فلعله ذكر راويا في الثقات ثم تبين له فيه جرحا فذكره في المجروحين أو أدخله في الثقات ثم فحص روايته فوجد منها مناكير فذكره في الثقات .
ثانياً : أن يكون قد تغير اجتهاده في الرجل احسانا للظن بالمسلمين أو بالعكس ، فيوثق في المجروحين ويجرح في الثقات وهكذا.
ثالثا ً : أن يكون الإمام ابن حبان نفسه قد وهمم في الراوي فذكره في الثقات ثم جرحه في الخطأ أو الغلط .
رابعا : السبب الأهم والرئيسي : وهو أنه خالف جمهور المحدثين في تعريف الراوي العدل حيث اقل : إن العدل من لم يعرف فيه الجرح إذ التجريح ضد التعديل فمن لم يجرح فهو عدل حتى يتبين جرحه .
الفرع الثاني : أقسام الرواة الذين تناقض فيهم ابن حبان رحمه الله تعالى :
القسم الأول : الرواة الذين ذكرهم في الثقات ثم جرحهم فيه أيضاً وذكرهم في المجروحين أيضاً ، مثل
حبة العرني ذكره ابن حبان في الثقات لكن جرحه أيضاً بقوله في الثقات حبة بن جوين العرني ضعيف .
وذكره في المجروحين وقال فيه : كان غاليا في التشييع .
القسم الثاني : الرواة الذين أخطأ فيهم ابن حبان بذكرهم في الثقات ،
ومثاله : جميع بن عمير التيمي :
قال في المجروحين : كان رافضيا يضع الحديث( ).
وهو من رواة السنن الأربعة .
القسم الثالث : الرواة الذين أخطأ فيهم ابن حبان لإدخالهم في كتابه المجروحين ويندرج تحت هذاالقسم الرواة الذين صرح فيهم ابن حبان بنفسه أنه أخطأ فيه لإدخاله في المجروحين ،
ومثاله : فضيل بن مرزوق ، كان من أهل الكوفة يروى عن عطية روى عنه العراقيون ، وفيما وافق الثقات من الروايات عن الإثبات يكون محتجا به ، وفيما انفرد عن الثقات مما لن يتابع عليه يتنكب عنها في الإحتجاج بها( ) .
ثم ذكره في الثقات وجرحه بقوله كان ممن يخطئ ( ).
ومن الرواة الذين اعترف ابن حبان بنفسه بأنه أخطأ بذكرهم في المجروحين "سفيان بن حسين الأسلمي " قال في المجروحين يروى عن الزهري المقلوبات ، إذ روي عن غيره أشبه حديثه حديث الأثبات وذلك أن صحيفة الزهري اختلفت عليه فكان يأتي بها على التوهم فالإنصاف في أمره تنكب ما روي عن الزهري والإحتجاج ما روي عن غيره( ). وقال في الثقات يروى عن عطاء وطاؤس والزهري ، أما رواياته عن الزهري فإن فيها تخاليط يجب أن يجانب وهو ثقة في غير حديث الزهري ، يجب أن يمحى إسمه من المجروحين ( ).
والله أعلم بالصواب .



المبحث الثاني : أيراد الإمام ألفاظا متنوعة المراتب في سياق واحد عند حكمه على الراوي .
إن كثيرا من الرواة موصوفون بالصلاح والفضل والعبادة والخشوع ، لكنهم من جهة الضبط والحفظ تكلم فيهم ، فلا بعد حينئذ أن يصدر عن الناقد عبارة توثيق مطلق مرتفع أو دونه ، وقد يصدر عن هذاالناقد أو عن ناقد آخر في الراوي نفسه عبارة تضعيف مطلق ، ولا تعارض بينهما ، ويكون المراد بالتوثيق حينئذ أنه صادق في نفسه لا يتعمد الكذب( ).
يدل على هذا أن الناقد ربما جمع بين التوثيق والتضعيف في نص واحد ، وقد يشير غلى جهة التوثيق أو التضعيف ، كقول أحمد في في الحسن بن أبي جعفر : " كان شيخا صالحاً ، ولكن كانت عنده أحاديث مناكير وليس هو بشيئ . وقال عمرو بن علي في يحيى بن أبي أنيسة : " صدوق ، وكان يهم في الحديث ، وقد اجتمع أصحاب الحديث على ترك حديثه إلا من لا يعلم .
وقال في الحسن بن عمارة : " رجل صالح صدوق ، كثير الخطإ والوهم ، متروك الحديث .
وقال ابن معين في أبي بكر بن عياش : أبو بكر بن عياش رجل صدوق ، ولكنه ليس بمستقيم الحديث.
وقال البخاري في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : " صدوق ، إلا أنه لا يدري صحيح حديثه من سقيمه وضعف حديثه جداً .
ونقل الترمذي عن البخاري قوله في صالح المري : هو ضعيف الحديث ، ذاهب الحديث ، ثم قال الترمذي : " صالح المري رجل صالح ثقة ، تفرد بأحاديث عن الثقات ، يخاف عليه الغلط .
وقال يعقوب بن شيبة في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم : " ضعيف الحديث ، وهو ثقة صدوق رجل صالح ، وفي الربيع بن صبيح : " صالح صدوق ثقة ، ضعبف جداً ( ).
وقال يعقوب بن سفيان في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى : " ثق عدل ، في حديثه بعض المقال ، لين الحديث عندهم .
ومن الأمثلة التطبيقية على تنزيل كلام النقاد على هذا إذا كان ظاهره التعارض : كلام ابن معين في الربيع بن صبيح، والمبارك بن فضالة ، فقد سأله ابن محرز عن الربيع بن صبيح ، فقال ثقة ، ثم سأله عن المبارك بن

فضالة ، فقال : ليس به بأ س ، لم يكن بالكذوب، ليس منهما إلا قريب من صاحبه( ) .
وقال عثمان الدارمي : سألت يحيى بن معين عن الربيع بن صبيح ، فقال : ليس به بأ س ( كأنه لم يطره ) ، قلت هو أحب إليك أو المبارك ؟ قال : ما أقربهما .
ووثقهما في رواية الدوري .
وقال في رواية المفضل الغلابي : صالحان .
روى عنه ابن أبي خيثمة توثيقه للمبارك بن فضالة ، وروى عنه أيضاً تضعيفه له ، وكذا ضعف الربيع بن صبيح في روايته .
وسأله عبد الله بن أحمد عن المبارك بن فضالة ، فقال : ضعيف الحديث ، مثل الربيع بن صبيح في الضعف .
وأن ابن أبي حاتم جعل هذا اختلافا حقيقيا عن يحيى بن معين ، وطلب الترجيح بين أقواله من كلام النقاد الآخرين ، ولكن يمكن للناظر أن يجعل هذا الاختلاف غير حقيقي ، بحمل التوثيق على العدالة ، فإنهما مشهوران بالصلاح والعبادة ، والربيع أشهرهما ، وأما التضعيف فيحمل على الحفظ والضبط ، وقد قال الشافعي : كان الربيع بن صبيح رجلا غزاء ، وإذا مدح الرجل بغير صناعته فقد وهص ( يعني دق ).
ومثل هذا يقال في عبارات الجرح ، يتوسعون في استخدامها ، فكلمة ضعيف ، يطلقونها على من ضعفه محتمل، وعلى من هو شديد الضعف ، بل ربما أطلقها الناقد على من هو متهم بالكذب عنده ، وكذلك ليس بقوي.
ومن أمثلة ذلك قول أحمد في أبي حمزة ميمون القصاب ضعيف الحديث وقال مرة : متروك الحديث وقال في رواية ليس هو بشيئ وقال مرة ليس هو بالقوي، هو ضعيف( ).
ولا شك أن التوسع في عبارات التعديل ، أو في عبارات الجرح أمره سهل للتوسع في عبارات الجرح والتعديل معاً ، فإن هذا موجود أيضاً في كلام النقاد ، وخاصة بين أدنى عبارات التوثيق ، وأعلى عبارات الجرح ، وقد يقع بين عبارات التوثيق العالية ،وبين عبارات الرجح ، وهذا يحتاج إلى مزيد إنتباه وتأمل ، فكلمة ثقة ، وصدوق ، ولا بأ س به ، قد يطلقها الناقد على راو ضعيف ، ولا يعني بذلك ارتفاعه عن الضعف ، وأنما يعني أن له حظا من وصف الثقة رفعه عن أن يكون متروك الحديبث ، وهكذا يقال في عبارات الجرح، مثل ضعيف ، أو ليس بقوي قد يطلقها الناقد على راو ثقة عنده ، ويقصد أن فيه شيئا من الضعف ، فليس هو في المرتبة العليا من الثقة ( ).

ومن أمثلة ذلك يزيد بن عطاء الواسطي فقال فيه أحمد : كان ثقة ، مقارب الحديث ، وقال في رواية ، ليس به بأس، ثم قال حديثه مقارب، وفي روابة ليس بحديثه بأ س ، وفي رواية : ليس بالقوي في الحديث.
وأسماعيل بن زكريا الخالقاني ، وثقه أحمد في روابة الفضل بن زياد ، وقال في روابة أبي داؤد ما كان به بأس، وفي روابة عبد الله : حديثه حديث مقارب ، وفي روابة الميموني : أما الأحاديث المشهورة التي يرويها فهو مقارب الحديث صالح، ولكن ليس ينشرح الصدر له ، ليس يعرف هكذا يريد بالطلب ، وفي روابة أحمد بن ثابت : ضعيف الحديث( ).
فالخلاصة لو نجد قولا مركبا من الجرح والتعديل في سياق واحد عن الراوي ، فنثل هذه الألفاظ لا يخرجه عن الثقات بل لا بد من معرفة مصطلح العالم .
وكذلك لو وافق الثقات فروايته مقبولة وإلا فلا .
المبحث الثالث : منهج الجوزجاني في الجرح بالبدعة .
المطلب الأول : ترجمة الإمام الجوزجاني
اسمه الكامل: هو الإمام الحافظ أبو اسحاق ابراهيم بن يعقوب بن اسحاق السعدي الجوزجاني، أحد أئمة الجرح والتعديل. نسبته ألى جوزجان وجوزجان مدينة بخراسان مما يلي بلخ.
ولد الجوزجاني بجوزجان ورحل الى مكة والبصرة و رحل ألى مصر ثم دمشق واستقر بها الى أن توفي بها سنة 259هـ.
عقيدته: قال السيد الصبيحي السامرائي( )في مقدمة كتاب "أحوال الرجال": كان الجوزجاني رحمه الله على عقيدة السلف الصالح‘ شديدا في اتباع كتاب الله وسنة رسوله متمسكا بهما‘ وعلى مذهب الجمهور من أهل السنة في حب أصحاب رسول الله حبا شديدا‘ وسيفا مصلتا على رقاب المبتدعة المنحرفين عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
مرتبته: وأما مرتبته في أئمة الجرح والتعديل فهو يعد معروفا من المتشددين من مراتب الثلاثة الآتية: المتشددين‘ المعتدلين والمتساهلين. وهذا معروف عند العلماء فلا يحتاج لدليل.
كما عدّه الإمام الذهبي فيمن قَبل الناس قولهم في الجرح والتعديل. وقسّم الذهبي هؤلاء العلماء إلى ثلاثة أقسام وجعله في القسم الأول وهو قسم متعنت في الجرح مثبت في التعديل( ).
ثناء العلماء عليه: وقد طالعت ترجمته في كتب عديدة فلم أر إلا ثناءً عليه. ولم يذكر الحافظ المزي فيه أي جرح.
قال الحافظ المزي( )في ترجمة الجوزجاني: قال أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال: «إبراهيم بن يعقوب (الجوزجاني): جليلٌ جداً. ‏كان أحمد بن حنبل يُكاتبه ويُكرمه إكراماً شديداً...»( ).

وقال الدارقطني: «أقام بمكة مدة، وبالبصرة مدة، وبالرملة مدة. وكان من الحفاظ المصنفين، والمخرجين الثقات»( ).
وقال أبو أحمد ‏بن عدي: «كان يسكن دمشق يحدث على المنبر. ومكاتبه أحمد بن حنبل، فيتقوى بكتابه، ويقرأه على المنبر»( ).
وقال النسائي ‏‏(متشدد يقال فيه تشيّع): «ثقة»( ).
ثم نرى ابن العماد الحنبلي يقول: «الإمام إبراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني صاحب التصانيف. كان من كبار العلماء، وجرّح وعدّل، وهو من الثقات»( ).
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": الجوزجاني: «خطيب دمشق وإمامها وعالمها. وله المصنفات المشهور المفيدة، منها المترجم فيه علوم غزيرة وفوائده كثيرة»( ).

المطلب الثاني : كتاب"أحوال الرجال"
موضوع الكتاب: الكتاب "أحوال الرجال" كتبها الجوزجاني في الضعفاء. وتكلم الجوزجاني فيه على الرواة الضعفاء خاصة من الخوارج والشيعة وأهل الكوفة وأهل البدعة .
فأورد المؤلف الرواة الذي تكلم فيهم بالنسبة لمدن الرواة التي وجدوا فيها فابتدأ بمدينة الكوفة التي ابتُليت بالخوارج والرافضة والمرجئة، ثم البصرة التي ابتُليت بالقدرية، ثم المدينة والشام والجزيرة وأهل الكوفة. وفي خلال الكتاب ذكر الفِرق الضالة، والنِحل الفاسدة من خوارج وسبأية وغيرها.
مراتب المجروحين في "أحوال الرجال". الرجال المجروحين عند الجوزجاني على أربعة مراتب الآتية كما نص عليها الجوزجاني بنفسه:( )
المرتبة الأولى: "منهم الزائغ عن الحق‘ كذاب في حديثه."
المرتبة الثانية: "ومنهم الكذاب في حديثه، لم أسمع عنه ببدعة وكفى بالكذب بدعة".
المرتبة الثالثة: "ومنهم زائِغٌ عن الحقّ، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه: إذ كان مخذولاً في بدعته، مأموناً في روايته، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف، إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُتَّهم عند ذلك".
المرتبة الرابعة: "ومنهم الضعيف في حديثه غير سائغ لذي دين أن يحتج بحديثه وحده إلا أن يقويه حديث من هو أقوى منه فحينئذ يعتبر به."
فالمهم : كل من خالف الحق فهو مبتدع عند الجوزجاني ، فالإمام لا يرد رواية المبتدع بل عنده درجات الرواة وأقسامهم فهو يعامل تحت هؤلاء في ضوء هذاالتقسيم ، والله أعلم .
منهجه: أما المذهب الإمام الجوزجاني فهو مذهب جمهور المحدثين من أهل السنة والجماعة.( )
فعنده أربعة مراتب للرواة المنتقدة حسب المذهب –كما ذكرت- فذهب الإمام الجوزجاني أن الرواية لا تؤخذ من أصحاب المرتبة الأولى والثانية وأما المرتبة الثالثة فيوخذ من حديثهم ما يعرف، وأما المرتبة الرابعة فيوخذ حديثهم اذا يقوي حديث من هو أقوى منه.
وقد نص الإمام الجوزجاني على هذا المنهج بنفسه، فقال في كتابه "أحوال الرجال":( ) «ومنهم زائِغٌ عن الحقّ، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه: إذ كان مخذولاً في بدعته، مأموناً في روايته، فهؤلاء عندي ليس فيهم حيلة إلا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرف، إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُتَّهم عند ذلك». وقد نقل ابن حجر هذه العبارة مُقِراً لمذهب جمهور العلماء من أهل السنة والجماعة.( )
فمثلاً عندما يجرح الشيعيَّ الثقة، يقول عنه زائغ أو مخذول أو مذموم أو مائل عن الحق، ولا يتهمه بضعف الحفظ. بل هو يحتج بحديثه في غير بدعته.
كما قال في اسماعيل بن الحكم:"...كان مائلا، صدوقا في حديثه".( ) فإن الجوزجاني وثّق "اسماعيل بن الحكم" الشيعي مطلَقاً، فلم يمنع مذهب "إسماعيل بن الحكم" في التشيع، من توثيق الجوزجاني له. وهذا من إنصافه رحمه الله.
وإذا أراد الجوزجاني أن يبين انحراف الراوية بيّن ذلك دون أن يرد حديثه كله.
كما قال في إسماعيل بن أبان الوراق: «كان مائلاً عن الحق، ولم يكن يكذب».( )
نصب الجوزجاني وتشدده على الشيعة وأهل الكوفة‘حقيقة أم اتهام؟
لقد اتهم ابن حجر رحمه الله الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (شيخ النَّسائي) بأنه غالٍ في النصب ومتشدد في جرح الشيعة وأهل الكوفة.( )
وأنا أقول: ليس كل من اتهموه بتهمة تثبت عليه. فالجرح لا يُقبل ‏–‏مع التعديل‏–‏ إلا إذا كان مُفَسَّراً.
الأدلة على نصَب الجوزجاني والرد عليه:
قد ذكر ابن حجر في ترجمة الجوزجاني ثلاثة أدلة تدل على نصب الجوزجاني وهي:( )
1. "قلت: (ابن حجر) وقال ابن حبان في الثقات كان حروري المذهب ولم يكن بداعية وكان صلبا في السنة حافظا للحديث إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره.
2. وقال ابن عدي كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي.
3. وقال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه لكن فيه انحراف عن علي. اجتمع على بابه اصحاب الحديث فأخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال سبحان الله فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين الف مسلم."
الرد عليه:
فأرد على الأدلة المذكورة حسب الترتيب:
أما الدليل الأول فيمكن رده بنقاط التالية:
1- إن الإمام ابن حجر ذكر قول ابن حبان: فقد نقل ابن حجر أن الجوزجاني "حروري المذهب" ولكن كتاب ابن حبان الذي وفقت عليه يخالف هذا، حيث يقول: انه "حريزي المذهب" فقد كتب ابن حجر كلمة "حروري" على مكان "حريزي". وهذا هو الصحيح كما قال ابن حجر في آخر ترجمة الجوزجاني: "رأيت في نسخة من كتاب بن حبان حريزي المذهب وهو بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وبعد الياء زاي نسبة إلى حريز بن عثمان.( ) فأشتهر بين الناس حروري المذهب وهم الخوارج-الذين خرجوا على علي-.
2- أما النسبة "حريزي المذهب" هي إلى حريز بن عثمان، وهو كان ثقة ثبتا يترحم على عليّ وينكر على من شتمه إلا أنه كان يقول: "لا أحبه، قتلت آبائي".
3- أن الإمام ابن حبان أشار الى مذهب الجوزجاني أنه "حريزي المذهب" ثم قال "ولم يكن بداعية" فهذا وصف لا يلزم منه أن يترك قول الجوزجاني سواء كان حريزي المذهب أو لا؟ فيقبل قوله اذا لم يكن بداعية حسب القائدة عند الآئمة الجرح والتعديل، وهذا الوصف في تأييد الجوزجاني رحمه الله لأجل هذا ذكره الإمام ابن حبان في "الثقات".
وأما الدليل الثاني وهو قول ابن عدي: " كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على علي" فيمكن رده بنقاط التالية:
1- أن الإمام ابن عدي ما يبين درجته في الميل الى مذهب أهل دمشق.
2- أن هناك فرق كبير بين الميل والنصب، النصب شيء والميل شيء. و مع الميل إلى مذهب لا يلزم منه أنه ناصبي.

وأما دليلهم الثالث هو قصة الفروجة:
فيمكن رده بناحيتن:
بناحية السند: أن هذه قصة الفروجة ذكره ابن حجر في تهذيب التهذيب عن السلمي عن الدارقطني وهو يذكر القصة.
السلمي: هو محمد بن الحسين النيسابوري. فقال ابن حجر فيه: "تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث"( )
والدارقطني إنما وُلِدَ بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة.
وإنما سمع الحكاية من عبد الله بن أحمد بن عدبس. كما ذكره ابن عساكر في تاريخه.( )
وابن عدبس ليس في ترجمته ما يبيّن حاله. فهو مجهول الحال، فلا تقوم بخبره حجة.( )
وأما من ناحية المتن: أن الكلمات القصة ليست بالصراحة في البغض. فقد يقولها من يرى أن فعل على عليه السلام خلاف الأولى، أو أنه اجتهد فأخطأ.
ويؤيد ذلك ما رواه ابن حجر في التهذيب( ): عن ميمون بن مهران قال: "كنت أفضّل علياً على عثمان. فقال عمر بن عبد العزيز (الخليفة الراشد): أيهما أحب إليك، رجل أسرع في المال، أو رجل أسرع في كذا –يعني الدماء–. قال: فرجعت وقلت: لا أعود".
وهذا بَيِّنٌ في أن عمر بن عبد العزيز وميمون بن مهران، كانا يريان فعل علي خلاف الأَولى أو خطأ في الاجتهاد. ولا يعد مثل هذا نصباً، إذ لا يستلزم البغض، بل لا ينافي الحب. وقد كره كثير من أهل العلم معاملة أبي بكر الصديق لمانعي الزكاة معاملة المرتدين، ورأوا أنه أخطأ، وهم مع ذلك يحبونه ويفضلونه.
دليل غلو الجوزجاني في جرح الشيعة والرد عليه:
ولم يجد ابن حجر مثالاً على غلو الجوزجاني في جرح الشيعة إلا مقولته في الأعمش الكوفي، فقد قال الجوزجاني في "أحوال الرجال" «حدثني أحمد بن فضالة وإبراهيم بن خالد، عن مسلم بن إبراهيم، عن حماد بن زيد، قال: قال الأعمش حين حضرته الوفاة: أستغفر الله وأتوب إليه من أحاديث وضعناها في عثمان»( )

والرد عليه:
وهذا إسنادٌ رجاله ثِقات، ولكن حمّاد بصْري أرسل الخبر ولم يحضر احتضار الاعمش. فيكون حمّاد قد سمع الخبر من رجُلٍ لم يُسمّه. فلا يصلح هذا جرحاً في الأعمش، ولا يُطعَنُ به في الجُوزجاني.
دليل تعنت الجوزجاني على الكوفيين والرد عليه:
ما وجدت أي دليل على تعنت الجوزجاني على الكوفين، فيمكن أن يكون الدليل قول الجوزجاني في شأن أبي حنيفة وهو من الكوفيين مع أنه إمام في الفقه. حيث قال: "أبو حنيفة. لا يقنع بحديثه ولا برأيه".( )
والرد عليه:
ولمقولة الجوزجاني في شأن أبي حنيفة أسباب فيحتمل أن الجوزجاني قال المقولة فيه بهذه الأسباب. كما قال ابن عبدالبر: "أفرط اصحاب الحديث في ذم أبي حنيفة وتجاوزوا الحد في ذلك، والسبب الموجب لذلك عندهم إدخاله الرأي والقياس على الأثار، واعتبارهما، وأكهر أهل العلم يقولون: إذا صح الأثر، بطل القياس والنظر، وكان رده لما رده من أخبار الأحاد بتأويل محتمل، وكثير منه قد تقدمه إليه غيره، وتابعه عليه مثله ممن قال بالرأي...."( )
والأدلة التالية تنافي هذه التهمة عن الإمام ويؤيد النتيجة:
1- وقد نفى السيد الصبيحي السامرائي هذه التهمة بالأدلة الواضحة. وهو محقق الكتاب "أحوال الرجال". الناشر: موسسة الرسالة بيروت.
2- الإمام النسائي –تلميذ الجوزجاني– أعرف الناس به. وقد وثّقه بإطلاق رغم ما يقال عن تشيعه (أي تشيع النسائي)، ورغم ما قيل عن تشدده في التوثيق، ورغم عدائه الشديد للنواصب، لدرجة تسببت بقتله. ولو كان الجوزجاني ناصبياً لما وثقه النسائي بإطلاق،‏ أو على الأقل لنبّه الناس على نصبه.
3- وكيف يكون الجوزجاني ناصبياً مع إقرار العلماء أنه إمام من أئمة الحديث؟ ولماذا لا نجد أحداً نبذه بالنصب إلا بعض المتأخرين ممن لبعضهم ميولاً شيعية؟
4- أن الجوزجاني عاصر الأئمة مثل الإمام أحمد وابن معين وابن المديني وكان الأحمد يكاتبه، وأبو زرعة وأبو حاتم وأبوداؤد والنسائي والترمذي وبعضهم من شيوخه وبعضهم من تلاميذه فلم يجرحه منهم أحد لا بالنصب ولا بغيره وهذا من أوضح الأدلة على براءته وبعده عن البدعة .
5- ومنها: أن هناك روايتين تدينه بالانحراف عن علي رضي الله عنه إحداهما : فيها راو متهم بالوضع والانحراف في التصوف وهو أبو عبدالرحمن السلمي وفي الرواية الثانية: راو مجهول،
6- كان الجوزجاني إماماً من أئمة الحديث في السنة شديداً على أهل البدع محباً لأهل الحديث ناصحاً لهم محذراً لهم من أهل البدع كاشفاً عن أساليبهم الماكرة، فيستبعد جداً أن يكون مثل هذا الغيور على السنة المحارب للبدع مبتدعاً، وكيف يقبل ما قيل فيه من جهة راو متهم بالكذب مبتدع ضال في الوقت نفسه ومن قبل راو مجهو ل.
7- أن الجوزجاني تكلم في غير الشيعة وأهل الكوفة على أسلوبه خاص منهم البصريون وأهل المدينة أيضا. ( )
8- أن الجوزجاني يفسر الجرح ويبين سببه وعنده أربعة مراتب وهو يقبل رواية من اصحاب مراتب الثالثة والرابعة -كما ذكرت- رغما أنهم من أهل الكوفة أو من الشيعة أو من أهل البدعة.( )
• فمثلاً: قال: "أبو نعيم: كوفي المذهب، صدوق اللسان". وهو شيعي ومن كبار شيوخ البخاري( ).
• وقال: "ابن الأصبهاني: كان صدوقاً في حديثه، على سوء مذهبه."( ) وهو عبدالرحمن بن عبدالله الأصبهاني الكوفي.

المبحث الرابع : منهج الإمام البخاري في تاريخه الكبير .
المطلب الأول : ترجمة الإمام البخاري
اسمه ونسبه ومولده :
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي) (.
وأما الجعفي فلأن أبا جده - وكان مجوسيا- أسلم على يد الميمان الجعفي والي بخارى، فنسب إليه لأنه مولاه من فوق) (.
وقد طلب والد البخاري العلم، قال البخاري:" سمع أبي من مالك بن أنس، ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك بكلتا يديه ") (.
ولد الإمام البخاري يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة ) (.
طلبه للعلم :
طلب العلم وهو صبي، وكان يشتغل بحفظ الحديث وهو في الكتاب ولم تتجاوز سنه عشر سنين، وكان يختلف إلى محدثي بلده ويرد على بعضهم خطأه فلما بلغ ستة عشر سنة، كان قد حفظ كتب ابن المبارك ووكيع وعرف فقه أصحاب الرأي، ثم خرج مع أمه وأخيه أحمد إلى مكة، فلما حجّ رجع أخوه بأمه، وتخلف هو في طلب الحديث) (.
شيوخه :مكي بن إبراهيم، وهو من عوالي شيوخه، و عبدان بن عثمان، وعلي بن الحسن بن شقيق، وصدقة بن الفضل، ويحيى بن يحيى، وأبو نعيم، وخالد بن مخلد، وطلق بن غنام، وغيرهم) (.
تلاميذه :أبو عيسى الترمذي، وأبو حاتم، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وأبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، وصالح بن محمد جزرة، .. وروى عنه الإمام مسلم في غير " صحيحه ") (.
ثناء الأئمة عليه :
أثنى عليه أئمة الإسلام، وحفاظ الحديث ثناءً عاطراً واعترفوا بعلمه وفضله وخاصة في الرجال وعلل الحديث، وهذا شيء يسير من ثناء هؤلاء الأئمة عليه.
وكان إسحاق بن راهوية يقول: اكتبوا عن هذا الشاب - يعني البخاري - فلو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه لمعرفته بالحديث وفقهه.
وقال الإمام أحمد: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل) (.
وقد قال له الإمام مسلم عندما سأله عن حديث كفارة المجلس: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله.. وقال له: لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أنه ليس في الدنيا مثلك ) (.
بعض مؤلفاته:
الجامع الصحيح، الأدب المفرد، التاريخ الكبير، التاريخ الأوسط، التاريخ الصغير، خلق أفعال العباد، الرد على الجهمية، المسند الكبير، الأشربة، الهبة، أسامي الصحابة الوحدان، العلل، الكني، الفوائد، قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، رفع اليدين في الصلاة، القراءة خلف الإمام، بر الوالدين، الضعفاء. وغيرها كثير) (.
وفاته :
لما منع البخاري من العلم خرج إلى " خرتنك " وهي قرية على فرسخين من سمرقند، كان له بها أقرباء فبقي فيها أياماً قليلة، ثم توفي وكان ذلك ليلة السبت ليلة عيد الفطر عند صلاة العشاء، ودفن يوم الفطر بعد صلاة لظهر سنة ستة وخمسين ومائتين، وعاش اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً وكانت حياته كلها حافلة بالعلم معمورة بالعبادة، فجزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء) (.

المطلب الثاني : منهجه في التاريخ الكبير
من تأمل هذا الديوان وجد أن البخاري اجتهد في استقصاء أسماء من بلغه ممن روى العلم إلى زمانه ، وهو كتاب مليء بالعلم ، وما يتصل منه بموضوع الجرح والتعديل ، يجب أن يؤخذ بالاعتبار في شأنه ما يلي :
أولاً : لم ينص فيه على خطته ، إنما تركها للناظر فيه .
ثانياً : لم يلتزم فيه ذكر التعديل في الرواة ، وإنما يرد ذلك أحياناً قليلة جداً .
ثالثاً : التزم أن يذكر الجرح في المجروحين ، وذلك من جهة ما يحكيه من عبارات بعض الأئمة قبله ، وتارة بعبارة نفسه ، وتارة بنقد رواية ذلك الراوي فيستفاد من خلال ذلك النقد جرحه عند البخاري ، ولا يلزم بأنه جرح عدداً يسيراً جداً من الرواة سكت عنهم في ( التاريخ ) وقدح فيهم في محل آخر ، فالحكم للغالب الأعم .
رابعاً : لم يجر على الجرح بالجهالة ، إلا ما يمكن أن يدل عليه قوله في مواضع في الراوي : " فيه نظر " ، فإن التتبع يدل على أن طائفة ممن قال فيهم البخاري ذلك هم في جملة المجهولين .
وقد قال ابن عدي : " مراد البخاري أن يذكر كل راو ، وليس مراده أنه ضعيف أو غير ضعيف ، وإنما يريد كثرة الأسامي " ( ).
وهذا المعنى ذكره ابن عدي فيما يزيد على ثلاثين موضعاً من " الكامل " .
وهو نص من إمام عارف ناقد ، أن إدخال الراوي في " التاريخ الكبير " لا يعني بمجرده جرحاً ولا تعديلاً .
لكن لكون البخاري قلما ترك بيان الجرح لمن هو مجروح ، فلو قال قائل : من سكت عنهم البخاري فغير مجروحين عنده ، وإنما هم عدول ، واحتمل في القليل منهم أن لا يكونوا من المشهورين ، فيلحقون بالمستورين ، لكان هذا قولاً وجيهاً .
نعم ، لا يصح أن يطلق بتوثيق من سكت عنه البخاري بمجرد ذلك ( ).
منهج البخاري في تاريخه تتلخص في النقاط التالية:
1- لقد رتب الإمام البخاري تاريخه على حروف المعجم (أ، ب، ت، ث) كما رتب هؤلاء على أسماء آبائهم مرتبين على الترتيب الأبجدي -كما قال في مقدمة كتابه - إلا أنه قدم من اسمه (محمد) على سائر الأسماء لشرف هذا الاسم الكريم.
2- ابتدأ بذكر ترجمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ونسبه إلى آدم عليه السلام بعد أن قدم لذلك بمقدمة بين فيها فضل قريش على الناس. وذكر شيئا من صفاته صلى الله عليه وسلم، ومدة بعثته وذكر كيف بدأ التاريخ الهجري في عهد عمر بن الخطاب ثم ذكر تاريخ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
3- وخطته: أنه يذكر أسماء الصحابة ثم التابعين ثم من بعدهم في كل حرف من الحروف.
4- وتراجم البخاري لرجاله تتراوح بين الطول والقصر فبينا نجده يترجم لأحد الرجال بسطر واحد كما في ترجمته لمحمد بن عبد الله بن أسيد ومحمد بن عبد الرحمن بن فورة، ومحمد بن عمرو اليافعي وغيرهم، إذا به يترجم لعبد الرحمن بن عبد الله بن مالك الأنصاري بأكثر من عشر صفحات.
5- غالب تراجم البخاري يذكر فيها (اسم الراوي واسم أبيه وجده وكنيته ونسبته إلى القبيلة أو البلدة أو كليهما، وقلما يطيل في الأنساب، ويذكر بعض شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة، وقد يذكر جميع الشيوخ والتلاميذ إذا كان الراوي من المقلين وغير المعروفين بطلب العلم ليتميز حاله. كما يذكر نموذجا من رواياته أو أكثر . . .ولا يقدم البخاري معلومات وافية عن أحوال الراوي، وإن ذكر أحيانا الصفات الجسمية والخلقية والعقلية للرواة ( ).
6- ويستعمل البخاري ألفاظ الجرح والتعديل، ويلاحظ تورعه عن استعمال ألفاظ حادة في الجرح، فغالبا ما يقول: فيه نظر، يخالف في بعض حديثه، وأشد ما يقول: منكر الحديث. وكذلك لا يبالغ في ألفاظ التوثيق، بل يكتفي بقول: ثقة، أو حسن الحديث، أو يسكت عن الرجل ( ).
7- وقد يسكت البخاري عن الراوي وما أكثر ما يسكت .
• فقد يسكت عن أئمة الثقات حيث ترجم للإمام الشافعي بسطرين وسكت عليه كما سكت عن الإمام أحمد بن حنبل، وأحمد بن أشكاب وأحمد بن منيع وغيرهم .
• وقد يسكت عن أناس مشهورين بالضعف أو النكارة كسكوته عن محمد بن أشعث بن قيس الكندي ومحمد بن إبراهيم اليشكري وغيرهما.
• وقد يسكت عن أناس مجاهيل كسكوته عن: محمد بن إسماعيل الباهلي ومحمد بن إبراهيم بن عبد الله الهاشمي. وإبراهيم بن إسحاق عن الوليد بن أبي الوليد، وإبراهيم بن إسحاق عن طلحة بن كيسان وغيرهم.
• وقد يسكت البخاري عن أناس لم يعرفهم، حتى إنه لم يفرق بين أسمائهم، وإليك بعض الأمثلة على ذلك:
أ‌- ترجم البخاري لمحمد بن قيس الأسدي الكوفي، وذكر عنه عدة طرق ثم قال: وقال يحي بن آدم: حدثنا أبو بكر النهشلي عن محمد بن قيس عن حبيب عن أبي ثابت عن طاووس في العتق. ثم قال: فلا أدري هو الأسدي أم لا؟.
ب‌- وترجم لمحمد بن قيس عن أبي الحكم البجلي ثم ترجم لمحمد بن قيس المكي وختم ترجمته بقوله: "فلا أدري أهو الأول أم لا.
ت‌- وترجم لمحمد بن كليب بن جابر المديني يروي عن محمود ومحمد ابني جابر. ثم قال: "وعن موسى بن شيبة عن محمود بن كليب عن محمد بن جابر عن جابر....ثم قال: فلا أدري: هذا أخوه أم لا؟
ث‌- وترجم لإبراهيم بن حنظلة عن أبيه روى عنه ابن المبارك. ثم قال في نهاية ترجمته "إن لم يكن يعني إبراهيم بن حنظلة غبن أبي سفيان فلا أدري من هو؟ ( ).
وترجم لإسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي ثم ترجم لإسماعيل بن إبراهيم بن أبي ربيعة. وختم ترجمته بقوله: "إن لم يكن هذا الأول فلا أدري؟ .
فيتضح من الأمثلة وأمثالها أن في التاريخ الكبير رجالا لم يتيقن البخاري حالهم، بل هو أحيانا غير متأكد من أعيانهم. وهذا يفسر قوله الذي أوردناه في صدر هذا البحث "قلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة .
فهناك أسماء ليس لها قصص عند البخاري. فلا يمنع أن تكون القصة عنده دلالة على المعرفة ( ).
مميزات ((التاريخ الكبير)) للإمام البخاري .
قال الشيخ المُحدّث (عبد الله بن عبد الرحمن السَّعد) ( )
يُعتبر ((التاريخ الكبير)) للبخاري من أنفس ما كتب في علم الجرح والتعديل ، ويَتَمَيَّز بعدّة ميزات :
أولاً :
هذا الكتاب قد ذَكَرَ أسماء كثيرة من أسماء الرواة .
والبخاري حاول أن يستوعب في هذا الكتاب جميع الرواة الذين لهم رواية ، وإن كان قد فَاتَه الكثير ، لكن حاول أن يستوعب ، ولذلك تجده ـ أحياناً ـ يذكر بعض الرواة الذين ليس لهم إلا حديث واحد ، وقد يكون أيضاً هذا الاسم الذي ذكره في ((التاريخ الكبير)) هو في الحقيقة وَهْمٌ وخطأ ، ومع ذلك يذكره البخاري ، فهذه ميزة تميز بها البخاري ، فكتابه أوسع من جميع الكتب التي سبقته ، ولذلك الكتب التي جاءت من بعده استفادت منه كثيراً ، ككتاب ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم .
ثانياً :
أنه يذكر بعض الأشياء التي تتعلق بهذا الراوي من جهة الصناعة الحديثية ، فتجده يتكلم في بعض الرواة بالجرح والتعديل ، وبعضهم لا يتكلم عليهم .
ويُعتبر كتاب ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم أوسع في الكلام على الرواة من البخاري في التاريخ
ثالثاً :
أنه كثيراً ما يهتم بشيوخ وتلاميذ هذا الراوي .
رابعاً :
أنه يذكر هل هذا الراوي سمع من الشيخ الذي يروي عنه أم لم يسمع ؟ فهو مهتم بهذا الأمر غاية الاهتمام ، ولذلك يُعْتَبَر كتابه من أهم الكتب التي تبحث هذه المسألة .
فكثيراً ما يُنَبّه على مسألة الساعات فيقول ــ مثلاً ــ (فلان سمع وفلان لم يسمع) ، وهذه فائدة مهمة ، وقد ألف ابن أبي حاتم ثلاثة كتب مبنية على كتاب ((التاريخ الكبير)) وهي :
1 _الجرح والتعديل.
2 _العلل.
3 _ كتاب المراسيل.
فالشاهد من هذا أن كتاب المراسيل هو في مسألة سماع هؤلاء الرواة من شيوخهم ، هل سمعوا أو لم يسمعوا ؟ فهذا الكتاب قد بَنَاه على كتاب ((التاريخ الكبير)) للبخاري , فالبخاري يهتم كثيراً بهذه المسألة . ( )
خامساً :
من ميزات ((التاريخ الكبير)) : أن الراوي إذا وَقَعَ في اسمه اختلاف فإنه يبين هذا الاختلاف ، ويحاول أن يذكر الراجح في اسم هذا الراوي ، حتى إنه أحياناً يَتَوَسَّع في سِيَاقِ الأسانيد ، من أجل أن يبين اسم هذا الراوي الذي وقع في اسمه اختلاف .
وهذه قضية مهمة جداً ، فالراوي قد يقع في اسمه اختلاف وهذا كثيراً ما يحصل ، فقد يظن الظان أن هذا الاختلاف يفيد تعدد الرواة ، وقد يظن أن هذا الاسم هو لراوٍ ، وهذا الاسم الآخر لراوٍ ، وهذا الاسم الثالث لراوٍ آخر ، بينما هو اسم لراو واحد ، اختلف في اسمه ، وأحياناً قد يقع الاختلاف في اسم هذا الراوي على عشرة أوجه وأحياناً أكثر من ذلك ، فالبخاري أيضاً يهتم بهذه القضية .
سادساً :
من ميزات كتاب ((التاريخ الكبير)) : أن الاسم الذي يكون وهماً وخطأً يذكره ، ولذلك من لم يعرف صَنِيْعه في هذا قد يَظن أن البخاري قد أخطأ وظن أن هذا الراوي غير الراوي السابق ، فالبخاري يتعمد ذلك .
فالراوي عندما يقع في اسمه اختلاف في وجهين أو ثلاثة ، فأحياناً يذكر هذا الاسم الذي اختلف فيه في مكانه .
فمثلاً : أحمد بن محمد .
لو اختلف في اسم أبيه فقيل إبراهيم أو خالد فإن البخاري يترجم له ثلاث مرات بهذه الأسماء الثلاثة .
فأحياناً عندما تقف على اسم هذا الراوي ويكون وقع في هذه الرواية خطأ ، فعندما ترجع إلى التاريخ الكبيرللبخاري ، تجد أن هذا الاسم موجود ، فهذه الفائدة مُهمة من فوائد التاريخ الكبير. ( )
سابعاً :
من فوائد هذا الكتاب أنه كتاب مُعَلَّل ، فيه عِلَل كثير من الأحاديث .
فمن هذه الأحاديث التي عَلَّلَها في هذا الكتاب ، الحديث الذي جاء عن أبي موسى الأشعري أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال : ((إن أمتي أمة مرحومة ، جعل عذابها بإيديها في الدنيا)) ، فالبخاري عندما ذكر هذا الحديث قال : والخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة وأن قوماً يُعذبون يم يخرجون أكثر وأبين وأشهر ، ويريد بذلك أن يُعَلِّل ما جاء في هذا الحديث ، وهو أن ظاهر هذا الحديث أن ليس هناك عذاب في الآخرة على المسلمين ، وأن الفتن والمصائب هي عذاب هذه الأمة ، بينما الأحاديث التي جاءت في دخول عدد من هذه الأمة إلى النار ، وأن هناك من يُعَذَّب ، ثم يخرج بشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو الملائكة ، أو الصالحين ، أو الأفراد ، أو برحمة رب العالمين سبحانه وتعالى ، فهذه الأحاديث تفيد أن هناك من يُعَذَّب من السلمين يوم القيامة خلافاُ لما جاء في هذا الحديث الذي أعله البخاري .
فممن ميزات هذا الكتاب أنه عَلَّلَ أحاديث كثيرة ، وبين علتها في هذا الكتاب ولذلك ـ كما ذكرتُ ـ أن ابن أبي حاتم قد ألف ثلاثة كتب استفادها من التاريخ الكبير ، ومنها كتاب العلل له ، وأورد في كتاب العلل أكثر من ثلاثة آلاف حديث ـ بَيَّن عِلَل هذه الأحاديث ووضّح ما في إسنادها من كلام .
ثامناً : مما يتميز به هذا الكتاب أنه أورد كثيراً من الأحاديث والآثار ، وأسندها. ( )
فهذه بعض الفوائد التي جاءت في هذا الكتاب ، ولذلك قال اسحق بن راهويه للأمير في زمانه : ألا أريك سحراً ، ويقصد بذلك كتاب التاريخ الكبير للبخاري .
بيان مراد الإمام البخاري لمن يترجم له في تاريخه:
قال ابن عدي في كتابه معلقًا على ترجمة الإمام البخاري في تاريخه لحمزة بن نجيح أبي عمار حيث قال البخاري : سمع الحسن قوله، قال موسى بن إسماعيل : كان معتزليًا( ) .
قال ابن عدي: وهذا ذكره البخاري حرف مقطوع. وقد بينت مراد البخاري أن يذكر كل راوي، وليس مراده أنه ضعيف أو غير ضعيف، وإنما يريد كثرة الأسامي ليذكر كل من رُوى عنه شيئًا كثيرًا أو قليلاً، وإن كان حرفًا( ).
قلت: وهذا النص من ابن عدي هام جدًا، وفيه الرد على من قال: إن سكوت الإمام البخاري على الراوي المترجم له في تاريخه الكبير يعد توثيقًا له . ( )
معنى قول البخاري في تاريخه: تعرف وتنكر :
قال ابن عدي عند ذكر قول البخاري في عبد الملك بن قدامة: تعرف وتنكر :
ولعبد الملك أشياء ليست بالمحفوظة كما قال البخاري( ).
معنى قول البخاري في تاريخه: سكتوا عنه:
قال البخاري في إبراهيم بن يزيد القرشي لما ترجم له في: سكتوا عنه( ).
قال الدولابي: (( يعني: تركوه ))( ).
بيان أن البخاري يترجم أولاً للصحابة، ثم يذكر من بعدهم على حروف المعجم:
قال العلامة اليماني في تعليقه على التاريخ الكبير:وقد علم من ترتيب المؤلف أنه في الأسماء التي يرتبها على الحروف يقدم أسماء الصحابة مع صرف النظر عن ترتيب الحروف الآباء، ثم يبدأ بتراجم الحروف، فيذكر تراجم من بعد الصحابة، وقد تقدم ذلك في بابي سليمان وسعد، فتدبر.
قلت : ومما يستفاد من ذلك أنه لو كان هناك راويًا مختلفًا في صحبته، ثم وجدنا البخاري ذكره في تاريخه مع الصحابة، استدللنا على ذلك بأن البخاري يرى صحبة هذا الراوي ( ).
بيان أن البخاري قد يذكر الراوي في تاريخه في عداد الصحابة، والتي لم تثبت صحبته على احتمال كونه صحابيًا:
قال الإمام البخاري في تاريخه لما ترجم ليزيد بن نعامة الضبي: ((يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وكان قد ذكره في عداد الصحابة، فهذا يقتضي من صنيعه أن له صحبة عنده ( ).
إلا أن البخاري لما سأله الترمذي في علله الكبير عن حديث يزيد بن نعامة؟ فقال: ((هو حديث مرسل( ).
وفسرها الترمذي بقوله: (( كأنه لم يجعل يزيد بن نعامة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال العلامة اليماني في تعليقه على هذا الموضع من التاريخ الكبير: ((فكأنه – يعني: البخاري – إنما ذكره هنا للاحتمال .
بيان أن البخاري صنف تاريخه على الطبقات:
قال ابن أبي حاتم في كتابه العلل( ) :أدخل محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب الطبقات من التاريخ في باب: من كان يسمى رباح، من الطبقة الأولى من التاريخ: رباح بن الربيع الأسيدي، عن أخي حنظلة الكاتب التميمي، وروى عنه المرقع بن صيفي .

المطلب الثاني : أما التاريخ الأوسط :
قال المحقق : (د. تيسير بن سعد أبو حيمد)أن الكتاب الذي قمت بتحقيقه ودراسته هو المشهور بـ"التاريخ الأوسط" وهذا وصف له أطلقه عليه غير البخاري، وأن أقرب اسم للكتاب هو الذي ذكره البخاري في بداية كتابه، والذي تم إثباته عنواناً للرسالة، ويليه الاسم المكتوب على صفحة العنوان من النسخة التركية، وهو "التاريخ في معرفة رواة الحديث ونقلة الآثار والسنن وتمييز ثقاتهم من ضعفائهم وأخبارهم وتاريخ وفاتهم".
فهو على أربعة أجزاء :
الجزء الأول : حديث أم كلثوم ابنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنها وحديث زينب بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رضي الله عنها – وقصة خديجة بنت خويلد – رضي الله عنها وحديث رقية بنت رسول الله – صلى اله عليه وسلم – رضي الله عنها – وذكر موتها، ومن مات في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – من المهاجرين الأولين والأنصار ممن حدث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – حديث مصعب بن عمير - رضي الله عنه – ثم ذكر وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ثم من مات في خلافة أبي بكر – رضي الله عنه – أو قريباً منها.
أما الجزء الثاني : فاستهله عمن كان في خلافة عثمان – رضي الله عنه – ثم قصة سعد بن عائد القرظي المؤذن – رضي الله عنه – ومن مات بعد عثمان – رضي الله عنه – في خلافة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – ثم من مات في سنة أربعين إلى الخمسين ونحوها ثم قصة أبي ثعلبة – رضي الله عنه – وذكر من كان بعد الخمسين إلى الستين .
أما الجزء الثالث: فبدأ فيه بعصر من بين الستين إلى السبعين وذكر فيه قصة حفصة في الصوم وطخفة الغفاري ، ثم من بين السبعين إلى الثمانين ثم قصة محمد بن أبي عتيق.
أما الجزء الرابع: فاحتوى ما بين الثمانين إلى التسعين وما بين التسعين إلى المائة( ) .

ترتيبه :أن البخاري – رحمه الله – إمام جبل في العلم والحفظ، وبالأخص منه علم الحديث وعلله، ولست بصدد بيان ذلك؛ فهذا أمر مفروغ منه، ويؤكد هذا السبق العلمي لدى الإمام البخاري كتابه هذا "التاريخ الأوسط" والذي كان قيد الدراسة والتحقيق فقد تجلى فيه – وبصورة واضحة – عمق منهجه، وورعه ودقته في الحكم على الرجال والأحاديث وذكر عللها بعبارة مختصرة، والذي احسبه أن منهج الإمام البخاري لا زال بحاجة إلى دراسة متأنية تبين ملامحه، وتبرز معالمه.
الملامح والمعالم المتعلقة بمنهجه في الاختصار، وألفاظ الأداء، والاهتمام باللقيا والسماع، وعلل الأحاديث والتراجم، والجرح والتعديل.
1. بلغ عدد من النصوص المنقولة أو المعزوة إلى "التاريخ الأوسط" مائتين وخمسة وخمسين نصاً، كلها في "التاريخ الأوسط" سوى ثمانية عشر نصاً لم أقف عليها في النسخ التي بين يدي.
2. وبلغ عدد ما وقفت عليه من النصوص المنقولة والمعزوة إلى "التاريخ الصغير" مائة وتسعة وعشرين نصاً، كلها في "التاريخ الأوسط" سوى واحد وعشرين نصاً.
3. وبلغ عدد ما وقفت عليه من النصوص المروية من طريق البخاري بإسناد رواة "التاريخ الصغير" ثلاثمئة وأربعة وسبعين نصاً، كلها في "التاريخ الأوسط" سوى ثلاث عشرة رواية،
فالخلاصة :
وبهذا يصبح مجموع النصوص المنقولة أو المعزوة إلى "التاريخ الصغير، أو المروية من طريق البخاري بإسناد رواة "التاريخ الصغير" ولا وجود لها في "التاريخ الأوسط" أربعاً وثلاثين نصاً ونقلاً( ) .


المطلب الثالث : أما الضعفاء الصغير فهو ،
ترتيب الكتاب :
 على حسب تاريخ الوفاة ويكون ينقل عبارته في معظم الأحيان مع حرصه على الإختصار وهو من مصنفاته المتأخرة .
 لما ذا ألفه : كان يريد فيه عضافات لبعض الأصحاب الذين فاتوا قبل وفاته بقليل وتراجمهم لا توجد في التاريخ الكبير .
 فهو يبتعد عن الإطالة وكثرة الإخبار ويترجم لهدف محدد ولذلك اختصر بعض التراجم من الكبير إلى الصغير .
 منهجه في التاريخ الصغير،
فإنه أكثر ما يقول : منكر الحديث ، سكتوا عنه ، فيه نظر، وقل أو يقول ، فلان كذاب، حتى قال : إذا قلت فلان في حديثه نظر فهو متهم واه، ونقل ابن القطان أن البخاري :
كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه ( ).
وصلى اللهم وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ]


الساعة الآن 07:06 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd استضافة وبرمجة