![]() |
الجدال بالباطل
يقول الحق سبحانه: "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (8)" الحج.
يكثر اللغط أحياناً فى أمور يكشفها الله تعالى لقليل من خلقه؛ رحمة ومنة منه, و يخفيها عن كثيرهم, و يشتد الجدال بين من يعلمون و من لا يعلمون, فإذا سكت الذين يعلمون ظن الذين لا يعلمون أنهم على الحق المبين, و لكن الأعمال بخواتيمها و الأحداث جسام يراها الحاضر و الباد, و القاصى و الدان. و ليعلم كل من أراد أن يتحدث فى أمر الدين أنه إنما يُجادل فى الله نفسه و هو شديد المحال, فإن جادل بالخطأ عالماً كان أو جاهلاً, فإنه يهدم سند الرسالة ألا و هو "التنزيل", فإن آمن الناس بالتنزيل أخذوا بها, و إلا فلا. و من أراد أن يجادل فى الله بعلم فليعلم أنه :" مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)" جزء من الآية- الأنعام, فإن حَزَبَ المسلم شئ فليعلم أن تأويله عند الله و رسوله :" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (83) فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ۚ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا (84) مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (85)" النساء و مما لا أنساه ما حييت واقعة شارلى إبدو, حين قامت طغمة كافرة بنشر رسوم مسيئة لسيد الخلق المصطفى صلى الله عليه و سلم, فهوت على عاتقى كضربة سيف مهند؛ ثم قتلهم من قتلهم, و لا شأن لى بهويتهم إلا أن الخصم ادعى أنهم مسلمون؛ و بغير الرجوع إلى الله و رسوله, تهافت الجميع على الشجب و التنديد, و وصف ما حدث لهم بأنه إرهاب, و أن الله و رسوله برآء مما حدث, و انهال سيل الإقتراحات الذليلة مرضاةً للكافرين, حتى تطاول البعض و ذهب بعيداً بغير رجعة حين قال :"لو كان الرسول موجوداً لرفض هذا الإرهاب", و هو فى حاله هذا ناسياً أو جاهلاً -لافرق, حديث المصطفى :" إن كذباً علي ليس ككذب على أحد, من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري, فهوى قولهم على عاتقى كمائة ضربة سيف أو أشد, فاختلط العظم باللحم, و الفكر بالسخط, و المودة بالبعد. و أما مرد ذلك إلى الله فهو:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)"المائدة, و نزلت فى يهود بنى النضير حين حاولوا قتل الحبيب المصطفى صلى الله عليه و سلم غيلة, فذكر الله أنهم بهذا إنما بسطوا أيديهم إلى المؤمنين جميعاً, فاعرض حالك على قول الله تعالى. و اسمع إلى الله تارة أخرى:" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217)" البقرة, و نزلت حين أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم بسرية بقيادة عبد الله بن جحش الأسدى على رأس ثمانية من المهاجرين, فمرت بهم عير لقريش, فرمى عليها أحد المهاجرين سهماً, و هو واقد بن عبد الله التميمي فقتل عمرو بن الحضرمي، و أسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فى آخر يوم من شهر رجب, و هو شهر حرام فى الجاهلية و فى الإسلام, ثم عادوا إلى المدينة بالأسرى و القافلة, فقال لهم الرسول:"ما أمرتكم بقتال فى الشهر الحرام", فظن أفراد السرية أنهم هلكوا و لامهم إخوانهم من المسلمين لوماً شديداً, و امتنع الرسول عن العير, و عزل الأسيرين, و قال المشركون و اليهود:" قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال", و ظنوا أنهم أخذوا المسلمين فى دينهم, فنزلت الآيات تأول للمسلمين ما اختلفوا فيه, فإن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به ، وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم, و قد كانوا يفتنون المسلم في دينه ، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل, ثم هم مقيمون على أخبث من ذلك وأعظمه ، غير تائبين ولا نازعين, معاودون على قتالكم ليردوكم عن دينكم فيحبط العمل, و يكون المآل إلى جهنم و العياذ بالله, و هذا أكبر سبب لقتالهم, النجاة من الردة و النار. فطلب الرسول فدية الأسيرين و أخذ الخمس و وزع الباقى. و يقول الحق سبحانه :" الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)" البقرة, أى أن من استحل حرماتكم فاقتصوا منه, و لا تسرفوا, و تقوى الله ليست فقط فى مساواة الاعتداء, و لكنها فى القصاص و الإعتداء على الكافرين كما اعتدوا, " وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)" البقرة. و أما مرد ذلك إلى الرسول, فقتلِه النضر بن الحارث و عقبة ابن أبى معيط و هما فى أسرى بدر دوناً عن جميع الأسرى, و هما الذان اشتهرا بإيذاء الرسول فى مكة؛ و لما أمر الرسول بعقبة لتُضرب عنقه قال له :" أتقتلني يا محمد من بين قريش", قال:"نعم, أتدرون ما صنع هذا بي, جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي وغمزها فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي"( البداية و النهاية). وحين فتح الرسول الكريم مكة قال: "اليوم يوم المرحمة", ثم قال لقريش: "ما تظنون أنى فاعل بكم ؟" قالوا: "أخ كريم و ابن أخ كريم", قال: "فإنى أقول لكم كما قال يوسف لإخوته ( لا تثريب عليكم اليوم ) إذهبوا فأنتم الطلقاء", ثم فى خضم هذه الرحمة العامة عد أناس - منهم نساء - فأهدر دماءهم و إن تعلقوا بأستار الكعبة– إختلف المؤرخون فى عددهم و لكن الواقعة ثابتة – فمنهم من قُتل و هو معلق بأستار الكعبة, و منهم من أسلم و حسن إسلامه, و أمثلتهم: عبد الله بن خطل, و كانت له جاريتان تغنيان و العياذ بالله بسب الرسول سيدى و مصطفاى؛ الحويرث بن نفيل, و كان يؤذى الرسول؛ جارية تدعى سارة, و كانت تسب أيضاً. هذا هو حكم الله و رسوله فمن تولى غيره يوله الله ما تولى, و لكل موقف صغير كان أو كبير ما بعده, فمن اتهم من اعتدى على رسامى الجريدة بالإرهاب, ثم حكم الخصم بأنهم مسلمون, فقد وصم بعض المسلمين بالإرهاب جاهلاً بأحكام الله و رسوله, جاهلاً بما بعده, و ما بعده ما يحدث على مرأى العالم فى سوريا, و بورما, و سريلانكا, مثالاً لا حصراً, من القتل و التشريد و التعذيب و التنصير, بحجة محاربة الإرهاب, و بمساعدة من تحدث جاهلاً, أحصاه الله و نسوه, و الله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين, رأيتهم يرفعون الأصوات و يكثرون النواح و يكيلون الإتهامات, و يتصنعون الحكمة و العلم ببواطن الأمور, و اليوم ساعة الغوطة, و دوما , لا أحس منهم من أحد, و لا أسمع لهم ركزا. و من وقع فى هذا فليجتهد إلى الله تعالى فى التوبة و ليبكى على خطاياه, عسى الله أن يقبله, و من تولى كبره فالله أعلم به. عفوا ,,, لايمكنك مشاهده الروابط لانك غير مسجل لدينا [ للتسجيل اضغط هنا ] |
| الساعة الآن 05:21 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
استضافة وبرمجة