أولا إنظروا إلى صورته كم هي مبكية
لا يبدو أنه جاوز العقد الأول من عمره ، في وجهه
الصغير آثار جروح قديمة ملتئمة تشي بكثرة العراك ، فبدت مثل الشوارع
الخالية من المارة ، شعره مغبر وغير مصفف ، ثيابه ممزقة و متسخة كأنه لم
يستبدلها منذ ولادته ، لا شيء يشير إلى أنه إغتسل في يوم ما .. يقف منتصبا
و كأن مسامير تثبته بالأرض ، مع إقترابي منه حدقت بقطع العلكة التي يبيعها
، نوعها رديء لا يشتريها سوى الفقراء ، نظراته عنيدة وشرسة ، فبدا كأنه
يخيفني كي يجبرني على الشراء منه .. شعرت بان كل مخزون الشعب الفلسطيني من
قهر تشعه عيناة المتمردتين الثائرتين . أعطيته ثمن قطعتين و لم آخذهما ،
انفرجت أساريره و أصبحت نظراته وديعة ومسالمة ، كأنه اطمأن إلى قوت يومه ،
لقد إبتعت إبتسامته ، ربما أنني أبعدت عنه شبح مجهول كان بإنتظاره ..
تابعت السير إلى صندوق الصراف الآلي التابع للبنك كي أستلم راتبي الشهري
بعد إفراج أمريكا عنه اثر تشكيل حكومة الطوارئ ، وقفت في طابور طويل ..
كأن الناس واقفون لإستلام ماء الحياة ، وقفت في الطابور كي أمارس سنّة
انقطعت عنها منذ شهورعدة ، أخذت قدماي بالتململ و النمنمة لطول وقت الوقوف
، لم اعد أرى في حياتي شيئا سوى راتبي الشهري .. يبدو أنني استبدلت به كل
ما احمله من قيم و أمان ، وجدتني احدث نفسي المثقلة : راتبي الشهري هو
معياري للحقيقة و به أزن الأشياء و المواقف .
جاء دوري .. إستلمت الراتب و أدرت ظهري مبتعدا بضع خطوات ، وقفت أحدق
بالسماء كي أتأكد إن كانت تعج بالذنوب ، أم هي صافية كالبراءة المقتولة في
بيت الجنرال المفدى .. لا أعرف لماذا تثاقلت خطاي أمام الطفل بائع العلكة
الذي باغتني بالقول : خذ هاتين القطعتين لأنك دفعت ثمنهما ، قلت له أنا لا
أريد علكة إنما أردت ... قاطعني بتمرد : أنا لست شحاذا ، أنت تمسخني من
بائع إلى شحاذ .. شعرت بأنني أهنته دون قصد مني ، مددت يدي و أخذت منه
العلكة الرديئة و سألته بشغف : هل تذهب إلى المدرسة ؟ فقال : لا . لقد
تركتها بعد الصف الثاني الابتدائي
سألته : لماذا تركت المدرسة ؟
قال : كي اعمل وأعيل نفسي
قلت : و اهلك لماذا لا ...
قال مقاطعا : بعضهم قتلتهم إسرائيل و البعض الآخر في سجونها
قلت :هل ستبقى كما أنت بائع علكة
قال : لا . انتظر أن أصبح شابا كبيرا
قلت متسائلا : لماذا ؟ و ماذا ستفعل عندما تكبر؟
قال : سوف أتحول إلى مقاتل
قلت : قد تقتلك إسرائيل قبل أن تكبر
قال : لا تفرق عند الخروف إن ذبح يوم العيد أو في يوم آخر
شعرت بان كل كلمة من كلماته بمثابة رصاصة تصيب هدفها ، من الأفضل للإنسان
أن يرسم مسار حياته مهما كانت وجهتها بدل أن يرسمها له الآخرين . حدقت
بجسمه الصغير و كأنني أعاينه .. و بدوره ثبت عينيه في وجهي كأنه يبحث عن
صديق .. لا أعرف ماذا تقول هذه النظرات الثاقبة الخارقة ، و لكنها بلا ريب
متمردة . تبسمت ، تركته وغادرت أمشي بلا خطى محدثا نفسي بتوتر : إنه أفضل
مني ، لقد رفض النقود .. و يعرف ماذا يريد من الدنيا .
رأيته بعد مرور يومين أو ثلاثة قرب السوق .. اقتربت منه و سألته : هل
تذكرني . أجاب : لا. شعرت وكأنه يقول لي : من تكون أنت حتى أذكرك .. أنت
لست سوى شخص مخدوع يلهث وراء أوهامه .. أنت سراب .
ذكرته بما دار بيننا من حديث في ذاك اليوم .. قال : آه ، لقد تذكرتك .. و
ما أن قالها حتى شعرت بأن نابليون بونابرت يبتسم في وجهي - وجدت ضالتي -
كان يبيع علكة من نوع آخر ، لكنها رديئة أيضا .. سألته : لماذا لا تبيع
شيئا آخر ؟ فقال : لا املك رأس مال ، الناس تحب أن تلوك شيئا في فمها ..
سألته : أين تنام في الليل ؟ أجاب : إما في المقبرة صيفا أو في بيت مهجور
شتاء و أحيانا أنام أسفل شاحنة كبيرة .عرضت عليه أن يتقن صنعة ما ؟ فأبدي
رغبته بتعلم الخراطة والحدادة .. و فهمت انه يريد هذه الصنعة بالذات كي
يتقن صناعة الصواريخ .. صرخت به : أنت لا تفكر إلا بالحرب والموت .. فقال
: هم بماذا يفكرون ؟ ثم تابع : كي يتحرر الأطفال من بعدي .
أخذ يداوم كل يوم في المخرطة وقت الصباح .. وفي المساء يبيع العلكة الرديئة