معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم
الشيخ صلاح نجيب الدق
الحمد لله الذي أضاء بكتابه القلوب، وأنزله في أوجز لفظٍ وأعجزِ أسلوب؛ فأعيَتْ حكمتُه الحكماء، وأبكمَتْ فصاحتُه الخطباء، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ، الذي بعثه الله هاديًا ومبشرًا نذيرًا، وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيراً، أما بعد:
فإن الله تعالى قد أيد نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم بمعجزات كثيرة؛ لتكون دليلًا على صدق رسالته إلى قيام الساعة، فأحببت أن أذكر نفسي وإخواني الكرام ببعض هذه المعجزات.
بسم الله الرحمن الرحيم
تعريف المعجزة:
المعجزة: أمرٌ خارق للعادة، يُجْرِيه الله تعالى على أيدي الأنبياء والمرسَلين؛ تأييدًا لهم، وتحديًا لأقوامهم؛ (فتاوى ابن تيمية جـ 11 صـ 312: 311)، وسوف نذكر بعض معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم.
(1) القرآن الكريم:
تعريف القرآن:
القرآن: هو كلامُ الله حقيقةً، المنزَّل على النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، يقظةً لا منامًا، بواسطة أمين الوحي جبريل عليه السلام، المنقول إلينا بالتواتر، المتعبَّد بتلاوته، المعجِز بلفظه، والمتحدى بأقصر سورة منه، المكتوب في المصاحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس؛ (أصول الفقه لعبدالوهاب خلاف صـ 23).
فائدة مهمة:
يجب أن نعتقد أن الله يتكلم كلامًا يليق بجلاله وعظمته، دون تشبيهٍ أو تمثيل، أو تكييف أو تعطيل، وكل ما يدور بعقولنا،فكلام الله عز وجل بخلافه؛ قال الله تعالى في محكَم التنزيل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11].
وقال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6].
وقال جل شأنه: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ [النساء: 164].
وقال سبحانه: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ [البقرة: 253].
إن الله تعالى قد تحدى العرب أولًا أن يأتوا بمثل القرآن الكريم كله، فقال سبحانه: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴾ [الطور: 33، 34].
فعجَزوا عن ذلك، ثم تحدَّاهم بعدُ أن يأتوا بعَشْر سُوَر مثل القرآن الكريم، فقال سبحانه: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [هود: 13، 14].
فعجَزوا عن ذلك أيضًا، فتحداهم الله أن يأتوا بسورة واحدة مثل القرآن، فقال سبحانه: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 23، 24].
فعجَزوا عن ذلك أيضًا، ثم أثبت اللهُ عَجْزَ الجنِّ والإنس عن أن يأتوا بمثل القرآن، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ [الإسراء: 88].
(2) رحلة الإسراء والمعراج:
قال الله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1].
وقال سبحانه: ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾ [النجم: 1 - 18].
روى مسلم عن أنس بن مالكٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُتِيت بالبراق (وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طَرْفه)، قال: ((فركبته حتى أتيت بيت المقدس))، قال: ((فربطته بالحلقة (حلقة باب مسجد بيت المقدس) التي يربط به الأنبياء))، قال: ((ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناءٍ من خمرٍ، وإناءٍ من لبنٍ، فاخترت اللبن، فقال جبريل صلى الله عليه وسلم: اخترت الفطرة، ثم عرج (صعد) بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي، ودعا لي بخيرٍ، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل عليه السلام، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابنَيِ الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكرياء صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخيرٍ، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم، إذا هو قد أُعطِيَ شطرَ الحسن، فرحب ودعا لي بخيرٍ، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخيرٍ، قال الله عز وجل: ﴿ وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾ [مريم: 57]، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بهارون صلى الله عليه وسلم، فرحب، ودعا لي بخيرٍ، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم، فرحب ودعا لي بخيرٍ، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيمَ صلى الله عليه وسلم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كلَّ يومٍ سبعون ألف ملَكٍ لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذانِ الفِيَلة، وإذا ثمرها كالقلال (جرة كبيرة)، قال: فلمَّا غَشِيَها من أمر الله ما غشي، تغيَّرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعَتَها مِن حسنها، فأوحى الله إليَّ ما أوحى، ففرض عليَّ خمسين صلاةً في كل يومٍ وليلةٍ، فنزلت إلى موسى صلى الله عليه وسلم، فقال: ما فرَض ربُّك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاةً، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتَك لا يطيقون ذلك؛ فإني قد بلَوْتُ بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف على أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حطَّ عني خمسًا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد، إنهن خمسُ صلواتٍ كل يومٍ وليلةٍ، لكل صلاةٍ عشرٌ، فذلك خمسون صلاةً، ومن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتبت له حسنةً، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن همَّ بسيئةٍ فلم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئةً واحدةً، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقلت: قد رجعتُ إلى ربي حتى استحييتُ منه))؛ (مسلم حديث: 162).
(3) انشقاق القمر:
معجزةُ انشقاق القمر ثابتةٌ بالقرآن الكريم.
قال الله تعالى: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ [القمر: 1 - 5].
روى الشيخانِ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: (أن أهلَ مكةَ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آيةً، فأراهم القمرَ شِقَّتينِ، حتى رأوا حراءً (اسم جبل) بينهما)؛ (البخاري حديث: 3868/ مسلم حديث: 2802).
(4) نبع الماء من بين أصابع نبينا صلى الله عليه وسلم:
روى البخاريُّ عن سالمٍ عن جابرٍ رضي الله عنه، قال: عطش الناس يوم الحديبية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة (إناء صغير من الجلد)، فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما لكم؟)) قالوا: يا رسول الله، ليس عندنا ماء نتوضَّأ به ولا نشرب إلا ما في ركوتك، قال: (فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون)،قال: فشربنا وتوضَّأنا، فقلت لجابرٍ: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: لو كنا مائة ألفٍ لكفانا، كنا خمس عشرة مائةً؛ (البخاري حديث: 4152).
قال المزني (رحمه الله): نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أبلغُ في المعجزة من نبع الماء من الحجَر؛ حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 6 صـ 677).
قال القرطبي (رحمه الله): قصة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم تكررت منه في عدة مواطن، في مشاهد عظيمةٍ، ووردت من طرقٍ كثيرةٍ، يفيد مجموعُها العلمَ القطعي المستفاد من التواتر المعنوي، ولم يُسمَعْ بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا صلى الله عليه وسلم؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 6 صـ 676).
(5) تكثير الطعام والشراب بين يدي نبينا صلى الله عليه وسلم:
(1) روى مسلم عن أنس بن مالكٍ قال: قال أبو طلحة لأم سليمٍ: قد سمعتُ صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ؟ فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعيرٍ، ثم أخذت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته تحت ثوبي، وردَّتني ببعضه (جعلت بعضه رداءً على رأسي)، ثم أرسلتني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فذهبت به، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرسلك أبو طلحة))، قال: فقلت: نعم، فقال: ((ألِطَعَامٍ؟))، فقلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن معه: ((قوموا))، قال: فانطلَق، وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فأخبرتُه، فقال أبو طلحة: يا أم سليمٍ، قد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وليس عندنا ما نُطعُمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معه حتى دخلا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هلُمِّي ما عندك يا أم سليمٍ؟)) فأتَتْ بذلك الخبز، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ففُتَّ، وعصَرَتْ عليه أمُّ سُليمٍ عُكَّةً (وعاء صغير من جلد للسمن خاصة) لها، فأَدَمَتْهُ (جعلت فيه إدامًا)، ثم قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ((ائذن لعشرةٍ))، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرةٍ))، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذن لعشرةٍ))، حتى أكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون رجلًا أو ثمانون؛ (مسلم حديث: 2040).
(2) روى البخاريُّ عن مجاهدٍ: أن أبا هريرة كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، إن كنت لأعتمد (أُلصِق) بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشُدُّ (أربط) الحجَرَ على بطني من الجوع، ولقد قعدت يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمر أبو بكرٍ، فسألته عن آيةٍ من كتاب الله، ما سألتُه إلا ليُشبِعني، فمر ولم يفعل، ثم مر بي عمر، فسألته عن آيةٍ من كتاب الله، ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل، ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، فتبسَّم حين رآني، وعرَف ما في نفسي وما في وجهي، ثم قال: ((يا أبا هر))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الْحَقْ))، ومضى، فتبعته، فدخل، فاستأذن، فأذن لي، فدخل، فوجد لبنًا في قدحٍ، فقال: ((من أين هذا اللبن؟)) قالوا: أهداه لك فلان أو فلانةُ، قال: ((أبا هر))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((الْحَقْ إلى أهل الصُّفَّة فادعُهم لي))، قال: وأهلُ الصُّفةِ أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهلٍ ولا مالٍ، ولا على أحدٍ، إذا أتَتْه صدقةٌ بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هديةٌ أرسل إليهم، وأصاب منها، وأشركهم فيها، فساءني (أهمني وأحزنني) ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنتُ أحقَّ أنا أن أصيب من هذا اللبنِ شربةً أتقوَّى بها، فإذا جاء أمرني، فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن مِن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بُدٌّ، فأتيتُهم فدعوتهم، فأقبلوا، فاستأذنوا، فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، قال: ((يا أبا هر))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((خُذْ فأعطهم))، قال: فأخذت القدح، فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يَرْوَى، ثم يرد عليَّ القدح، فأعطيه الرجل، فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح، حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد رَوِيَ القومُ كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده، فنظر إليَّ فتبسم، فقال: ((أبا هر))، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ((بقِيتُ أنا وأنت))، قلت: صدقتَ يا رسول الله، قال: ((اقعد فاشرب))، فقعدت فشربت، فقال: ((اشرب))، فشربتُ، فما زال يقول: ((اشرب)) حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، ما أجد له مسلكًا، قال: ((فأرني)) فأعطيته القدح، فحَمِدَ الله وسمى وشرب الفَضْلة؛ (البخاري حديث: 6452).
(6) رؤية نبينا صلى الله عليه وسلم لأصحابه من وراء ظهره:
(1) روى البخاري عن أنس بن مالكٍ، قال: أقيمت الصلاة، فأقبَل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه، فقال: ((أقيموا صفوفكم، وتراصُّوا؛ فإني أراكم مِن وراء ظهري))؛ (البخاري حديث: 719).
(2) روى الشيخانِ عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((هل ترون قِبْلتي ها هنا؟ (أي: أتظنون أني لا أرى إلا ما في هذه الجهة)، واللهِ ما يخفى عليَّ ركوعكم ولا خشوعكم، وإني لأراكم وراء ظهري))؛ (البخاري حديث: 741/ مسلم حديث: 424).
قال الإمام النووي (رحمه الله): قال العلماء: معناه: أن الله تعالى خلق له صلى الله عليه وسلم إدراكًا في قفاه يُبصِر به مِن ورائه، وقد انخرقت العادة له صلى الله عليه وسلم بأكثرَ مِن هذا، وليس يمنع من هذا عقلٌ ولا شرعٌ، بل ورد الشرع بظاهره؛ فوجب القولُ به،قال القاضي عياض: قال أحمد بن حنبلٍ (رحمه الله تعالى): وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤيةٌ بالعين حقيقةً؛ (مسلم بشرح النووي جـ 2 صـ 385).
(7) سجود البعير وشكواه لنبينا صلى الله عليه وسلم:
(1) روى أحمدُ عن أنس بن مالكٍ قال: كان أهل بيتٍ من الأنصار لهم جمل يَسْنُونَ عليه، وإن الجمل استَصْعَب عليهم، فمنَعهم ظهرَه، وإن الأنصار جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنه كان لنا جمل نَسْنِي (نُحضر الماء) عليه، وإنه استَصعَب علينا، ومنَعَنا ظهرَه، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ((قوموا)) فقاموا، فدخل الحائطَ والجملُ في ناحيته، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، إنه قد صار مثل الكَلْبِ الكَلِبِ، وإنا نخاف عليك صولتَه، فقال: ليس عليَّ منه بأس،فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أقبل نحوه، حتى خرَّ ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بناصيته أذلَّ ما كانت قط، حتى أدخله في العمل،فقال له أصحابه: يا نبي الله، هذه بهيمةٌ لا تعقِلُ تسجد لك، ونحن نعقِلُ، فنحن أحقُّ أن نسجد لك! فقال: ((لا يصلُحُ لبشرٍ أن يسجد لبشرٍ، ولو صلَح لبشرٍ أن يسجد لبشرٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجد لزوجها؛ من عِظَمِ حقه عليها))؛ (حديث صحيح لغيره) (مسند أحمد جـ 20 صـ 64 حديث: 12614).
(2) روى أحمد عن عبدالله بن جعفرٍ، قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ خلفه، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أخبِرُ به أحدًا، وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحبُّ ما استتر به في حاجتِه هدَفٌ (المكان المرتفع)، أو حائشُ نخلٍ (النخل الملتفُّ المجتمِع)، فدخل يومًا حائطًا من حيطان الأنصار، فإذا جملٌ قد أتاه، فجرجر (صوت البعير عند الغضب)، وذرفت عيناه - قال بهزٌ وعفان: فلما رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم، حنَّ وذرَفَت عيناه - فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم سَراتَه (ظهره)، وذِفْراه (مؤخر رأسه)، فسكَن، فقال: من صاحب الجمل؟ فجاء فتًى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: أمَا تتقي اللهَ في هذه البهيمة التي ملَّكَكَها الله، إنه شكا إليَّ أنك تُجِيعُه وتُدئِبه "تجعله يتعب"))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 3 صـ 274 حديث: 1745).
(8) إخبار الذئب بنبوَّة نبينا صلى الله عليه وسلم:
روى أحمدُ عن أبي سعيدٍ الخدري قال: عدا الذئب على شاةٍ، فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذَنَبِه، قال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقًا ساقه الله إليَّ؟! فقال: يا عجبي، ذئبٌ مُقْعٍ على ذَنَبِه، يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجبَ مِن ذلك؟ محمدٌ صلى الله عليه وسلم بيثربَ يخبر الناس بأنباءِ ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسُوقُ غنَمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاويةٍ من زواياها، ثم أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنُودي: الصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: ((أخبِرْهم))،فأخبرهم، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((صدَقَ والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعةُ حتى يكلِّمَ السباعُ الإنسَ، ويكلمَ الرجلَ عَذَبَةُ سَوْطِه، وشِراكُ نعلِه، ويخبره فخِذُه بما أحدث أهله بعده؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد جـ 18 صـ 315 حديث: 11792).
(9) حنين الجذع شوقًا لنبينا صلى الله عليه وسلم:
(1) روى البخاري عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو نخلةٍ، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل: يا رسول الله، ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: ((إن شئتم))، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة، دُفِعَ إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فضمَّه إليه، تئنُّ أنينَ الصبي الذي يُسَكَّنُ،قال: ((كانت تبكي على ما كانت تسمَعُ مِن الذِّكرِ عندها))؛ (البخاري حديث: 3584).
(2) روى ابن ماجه عن أنسٍ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يخطُبُ إلى جذعٍ، فلما اتَّخَذ المنبرَ ذهب إلى المنبر، فحَنَّ (بكى) الجذع، فأتاه فاحتضنه، فسكَن، فقال: ((لو لم أحتضنه لَحَنَّ إلى يوم القيامة))؛ (حديث صحيح) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث: 1162).
كان الحسنُ البصريُّ إذا حدَّث بهذا الحديث يقول: يا معشرَ المسلمين، الخشبةُ تحنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقًا إلى لقائه؛ فأنتم أحقُّ أن تشتاقوا إليه؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 6 صـ 697).
نقل ابن أبي حاتمٍ في مناقب الشافعي عن أبيه عن عمرو بن سوادٍ عن الشافعي قال: ما أعطى اللهُ نبيًّا ما أعطى محمدًا، فقلتُ: أعطى عيسى إحياءَ الموتى، قال: أعطى محمدًا حنينَ الجِذع حتى سُمِعَ صوتُه، فهذا أكبرُ مِن ذلك؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 6 صـ 698).
يتبع
المصدر...