أصول موقف الإسلام من الآخر
الشيخ محمد محمد نصر سعيد
قبل أن نتكلم عن هذا العنصر نتكلم عن لفظ الإسلام في القرآن، ذكر لفظ الإسلام في القرآن في ست آيات، ومادة سلم في القرآن الكريم ذكرت مائة وستًّا وعشرين مرة، واستعمل لفظ الآخر في القرآن بفتح الخاء (آخَر، الآخَر، الآخَرين) خمس عشرة مرة، و"آخَران" بالمثنى مرتين، و"آخَرون" خمس مرات، و"آخرين" سبع عشرة مرة، منها قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ﴾ [يوسف: 36] الآية.
فالمقصود هو غير الفتى الأول، فلفظ الآخر في القرآن يقصد به ما يقابل ما ذكر أولًا، ويختلف معه بأي وجه خلاف، سواء كان شخصيًّا أم غير شخصي، والاختلاف هو سنة من سنن الله (اختلاف الأديان والمذاهب والأفكار)، وهو طبيعي في عالم المادة والألوان؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [المائدة: 48].
وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ [هود: 118، 119].
أساس ثوابت موقف الإسلام من الآخر:
يستفاد من النصوص الشرعية ذات الصلة بأن الله أراد منذ البدء أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض؛ يقول تعالى: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30].
تتمثل ثوابت موقف الإسلام من الآخر في مجموعة من المبادئ التي يتعين على كل مسلم التسليم بها للآخر، ويأتي في مقدمة هذه الثوابت:
حق الآخر في السيادة على الأرض:
منح الله كل إنسان، وبالتالي كل آخر، حق السيادة على الأرض:
1- للآخر حق الانتفاع بكل ما ملكه الله وسخره له: ﴿ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ [النحل: 5].
2- للآخر حق تعمير الأرض: ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61].
3- للآخر حق التوطن وحق التنقل: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ [الملك: 15].
4- حق الآخر في حماية ملكيته: ((إن دماءَكم وأموالكم حرامٌ عليكم)).
حق السيادة على النفس:
وصونًا لسيادة الآخر على نفسه أكد الشرع على:
1 - حظر الاعتداء على سيادة الآخر، وإجباره على ما لا يريد؛ قال تعالى: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 21، 22].
2 - منع وسائل الاعتداء والإكراه.
3 - فرض السعي لإنقاذ من أكرهوا أو انتقص من سيادتهم: ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ [النساء: 75].
وهناك بعض الحقوق (حق الآخر في الولاية العامة والخاصة - حق الآخر في التكريم - حق الآخر في الأمن والسلام - حق الآخر في العدل - حق الآخر في البيان الشرعي، وأخيرًا علينا أن نعلم جميعًا أن الله خلقنا من آدم وحواء، أبونا واحد، وأمنا واحدة.
قال صلى الله عليه وسلم: ((والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب)).
إن المسلمين جميعًا عقيدتهم قائمة على أن البشرية جميعًا ربهم واحد، وخالقهم واحد، ويشترك في هذه العقيدة جميع الأديان السماوية والمؤمنين بالله تعالى، وهذا ما أكده النبي صلى الله عليه وسلم.
المصدر...