مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 207 - 209)
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=366202
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ عَشْرٍ وَمِائَتَيْنِ
فِي صَفَرٍ مِنْهَا دَخَلَ نَصْرُ بْنُ شَبَثٍ إِلَى بَغْدَادَ حِينَ بَعَثَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ مِنَ الرَّقَّةِ
فَدَخَلَهَا وَلَمْ يَتَلَقَّهُ أَحَدٌ مِنَ الْجُنْدِ , بَلْ دَخَلَهَا وَحْدَهُ , فَأُنْزِلَ فِي مَدِينَةِ أَبي جَعْفَرَ , ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ
وَفِي هَذَا الشَّهْرِ ظَفِرَ الْمَأْمُونُ بِجَمَاعَةٍ مِنْ كُبَرَاءِ مَنْ كَانَ بَايَعَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ الْمَهْدِيِّ , فَعَاقَبَهُمْ وَحَبَسَهُمْ فِي الْمُطْبِقِ ( سجن لا يُرى فيه النور , ولا يُسمع فيه صوت ).
ظُهُورُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ ( عم المأمون ) بَعْدَ اخْتِفَائِهِ
وَكَانَ مُخْتَفِيًا مُدَّةَ سِتِّ سِنِينَ وَشُهُورٍ, فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الْأَحَدِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْهَا اجْتَازَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ فِي بَعْضِ دُرُوبِ بَغْدَادَ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ , وكان مُنْتَقِبًا فِي زِيِّ امْرَأَةٍ , وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ
فَقَامَ الْحَارِسُ فَقَالَ : إِلَى أَيْنَ هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ , وَمِنْ أَيْنَ ؟ , ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُمْسِكَهُنَّ
فَأَعْطَاهُ إِبْرَاهِيمُ خَاتَمًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ يَاقُوتٍ
فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَارِسُ اسْتَرَابَ ( شك ) وَقَالَ : إِنَّمَا هَذَا خَاتَمُ رَجُلٍ كَبِيرِ الشَّأْنِ . فَذَهَبَ بِهِنَّ إِلَى مُتَوَلِّي اللَّيْلِ ( رئيس الحرس )
فَأَمَرَهُنَّ أَنْ يُسْفِرْنَ عَنْ وُجُوهِهِنَّ
فَتَمَنَّعَ إِبْرَاهِيمُ
فَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ , فَإِذَا هُوَ هُوَ , فَعَرَفَهُ , فَذَهَبَ بِهِ إِلَى صَاحِبِ الْحَرَسِ , فَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ
فَرَفَعَهُ الْآخَرُ إِلَى بَابِ الْمَأْمُونِ
فَأَصْبَحَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ فِي دَارِ الْخِلَافَةِ وَنِقَابُهُ عَلَى رَأْسِهِ, وَالْمِلْحَفَةُ فِي صَدْرِهِ لِيَرَاهُ النَّاسُ , وَلِيَعْلَمُوا كَيْفَ أُخِذَ .
وَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ الْمَأْمُونُ قَالَ لَهُ : أَنْتَ الْخَلِيفَةُ الْأَسْوَدُ ؟ , وَشَرَعَ فِي تَأْنِيبِهِ
فَتَرَقَّقَ لَهُ عَمُّهُ إِبْرَاهِيمُ كَثِيرًا , وأَخَذَ فِي الِاعْتِذَارِ وَالِاسْتِغْفَارِ , وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنْ تُعَاقِبْ فَبِحَقِّكَ , وَإِنْ تَعْفُ فَبِفَضْلِكَ .
فَقَالَ : بَلْ أَعْفُو يَا إِبْرَاهِيمُ , إِنَّ الْقُدْرَةَ تُذْهِبُ الْحَفِيظَةَ , وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ , وَبَيْنَهُمَا عَفْوُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَهُوَ أَكْبَرُ مِمَّا تَسْأَلُهُ .
فَكَبَّرَ إِبْرَاهِيمُ وَسَجَدَ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَكَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ شَاوَرَ فِي قَتْلِ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ
فَقَالَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ الْوَزِيرُ الْأَحْوَلُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنْ قَتَلْتَهُ فَلَكَ نُظَرَاءُ , وَإِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ فَمَا لَكَ نَظِيرٌ .
وَقَدِ امْتَدَحَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمَهْدِيِّ ابْنَ أَخِيهِ الْمَأْمُونَ بِقَصِيدَةٍ بَالَغَ فِيهَا
فَلَمَّا سَمِعَهَا الْمَأْمُونُ قَالَ : أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ : { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ }
وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا عَفَا عَنْ عَمِّهِ إِبْرَاهِيمَ أَمَرَهُ أَنْ يُغَنِّيَهُ شَيْئًا
فَقَالَ : إِنِّي تَرَكْتُهُ .
فَأَمَرَهُ
فَأَخَذَ الْعُودَ فِي حِجْرِهِ , وَقَالَ :
هَذَا مَقَامُ مُسَوَّدٍ . . . خَرِبَتْ مَنَازِلُهُ وَدُورُهْ
نَمَّتْ عَلَيْهِ عِدَاتُهُ . . . كَذِبًا فَعَاقَبَهُ أَمِيرُهْ
فَقَالَ الْمَأْمُونُ : أَحْسَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا .
فَرَمَى بِالْعُودِ مِنْ حِجْرِهِ , وَوَثَبَ قَائِمًا فَزِعًا مِنْ هَذَا الْكَلَامِ
فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ : اقْعُدْ وَاسْكُنْ , مَرْحَبًا بِكَ , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِشَيْءٍ تَتَوَهَّمُهُ , وَوَاللَّهِ لَا رَأَيْتَ طُولَ أَيَّامِي شَيْئًا تَكْرَهُهُ وَتَغْتَمُّ بِهِ , ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِرَدِّ جَمِيعِ مَا كَانَ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالضِّيَاعِ وَالدُّورِ , فَرُدَّتْ إِلَيْهِ , وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ وَخَلَعَ عَلَيْهِ , وَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ مُكْرَمًا مُعَظَّمًا .
عُرْسُ بُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ
وَفِي رَمَضَانَ مِنْ هذه السنة بَنَى الْمَأْمُونُ بِبُورَانَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ , فِي مُعَسْكَرِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ بِفَمِ الصِّلْحِ , فَنَزَلَ الْمَأْمُونُ عِنْدَهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ وُجُوهِ الْأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَأَكَابِرِ بَنِي هَاشِمٍ , فَدَخَلَ بِبُورَانَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ فِي لَيْلَةٍ عَظِيمَةٍ , وَقَدْ أُشْعِلَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ شُمُوعُ الْعَنْبَرِ , وَنُثِرَ عَلَى رَأْسِهِ الدُّرُّ وَالْجَوْهَرُ , فَوْقَ حُصْرٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ الْأَحْمَرِ . وَكَانَ عَدَدُ الْجَوْهَرِ مِنْهُ أَلْفَ دُرَّةٍ
فَأَمَرَ بِهِ الْمَأْمُونُ فَجُمِعَ فِي صِينِيَّةٍ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ الْجَوْهَرُ فِيهَا
فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّا نَثَرْنَاهُ لِتَتَلَقَّطَهُ الْجَوَارِي .
فَقَالَ : لَا , أَنَا أُعَوِّضُهُنَّ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ . فَجَمَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ
فَلَمَّا جَاءَتِ الْعَرُوسُ وَمَعَهَا جَدَّتُهَا , وَزُبَيْدَةُ أُمُّ أَخِيهِ الْأَمِينِ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ جَاءَ مَعَهَا , فَأُجْلِسَتْ إِلَى جَانِبِهِ فَصَبَّ فِي حِجْرِهَا ذَلِكَ الْجَوْهَرَ , وَقَالَ لَهَا : هَذَا نِحْلَةٌ مِنِّي لَكِ , وَسَلِي حَاجَتِكَ .
فَأَطْرَقَتْ حَيَاءً
فَقَالَتْ جَدَّتُهَا : كَلِّمِي سَيِّدَكِ وَسَلِيهِ حَاجَتَكِ فَقَدْ أَمَرَكِ .
فَقَالَتْ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , أَسْأَلُكَ أَنْ تَرْضَى عَنْ عَمِّكَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمَهْدِيِّ , وَأَنْ تَرُدَّهُ إِلَى مَنْزِلَتِهِ الَّتِي كَانَ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ .
فَقَالَ : نَعَمْ .
قَالَتْ : وَأُمُّ جَعْفَرَ - تَعْنِي زُبَيْدَةَ - تَأْذَنُ لَهَا فِي الْحَجِّ .
قَالَ : نَعَمْ .
فَخَلَعَتْ عَلَيْهَا زُبَيْدَةُ بِذْلَتَهَا الْأُمَوِيَّةَ , وَأَطْلَقَتْ لَهَا قَرْيَةً مُقَوَّرَةً .
وَأَمَّا وَالِدُ الْعَرُوسِ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ , فَإِنَّهُ كَتَبَ أَسْمَاءَ قُرَاهُ وَضِيَاعَهُ وَأَمْلَاكَهُ فِي رِقَاعٍ , وَنَثَرَهَا عَلَى الْأُمَرَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ , فَمَنْ وَقَعَتْ فِي يَدِهِ مِنْهَا رُقْعَةٌ , بَعَثَ إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا نُوَّابُهُ فَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ مِلْكًا خَالِصًا .
وَأَنْفَقَ عَلَى الْمَأْمُونِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْجَيْشِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ عِنْدَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مَا يُعَادِلُ خَمْسِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ . ( تعادل 5 ملايين دينار ذهبي = 140 طن من الذهب , هذا يدلك على حالة البذخ والإسراف الذي وصلت له الدولة العباسية , ودفع ثمن هذا التهور الخلفاء الذين جاءوا بعد المأمون فوجدوا خزينة الدولة فارغة , فلم يستطيعوا أن يدفعوا رواتب الجند ولا تجهيز الجيوش للدفاع عن المسلمين )
وَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُونُ الِانْصِرَافَ مِنْ عِنْدِ الْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ , أَطْلَقَ لَهُ عَشَرَةَ آلَافِ أَلْفِ دِرْهَمٍ , وَأَقْطَعَهُ الْبَلْدَةَ الَّتِي هُوَ نَازِلٌ بِهَا , وَهُوَ إِقْلِيمُ فَمِ الصِّلْحِ , مُضَافًا إِلَى مَا بِيَدِهِ مِنَ الْإِقْطَاعَاتِ .
وَرَجَعَ الْمَأْمُونُ إِلَى بَغْدَادَ فِي أَوَاخِرِ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ .
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ رَكِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ إِلَى مِصْرَ , فَاسْتَنْقَذَهَا بِأَمْرِ الْمَأْمُونِ مِنْ يَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ السَّرِيِّ بْنِ الْحَكَمِ , الْمُتَغَلِّبِ عَلَيْهَا , وَاسْتَعَادَهَا مِنْهُ بَعْدَ حُرُوبٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا .
المصدر...