السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لدي سؤال أو إشكال حيرني وأرجو أن أجد جوابه عندكم .... وهو أن صفة الاستواء أو الفوقية أو العلو لله لا تخلو إما هي بالمعنى الحسي وهو أن الله له مكان أو جهة أو حيز، أو تكون بالمعنى المعنوي أي هو استواء وفوقية وعلو بمعنى علو الشأن والقهر والسيطرة؟!!!!!
وعلى كلا الحالين ثمة إشكال لدي ....!!!
لأنه إن إن كان ذلك بالمعنى الحسي على المعنى السابق فقد نسبنا إلى الله المكان والجهة والحيز، وهذا فيه محذوران : الأول: أن هذه الألفاظ لم تأتي في الكتاب ولا في السُّنُّة ولا في كلام السلف، بل هي ألفاظ مبتدعة ابتدعها المتكلمون.
والمحذور الثاني: أن هذه الألفاظ ألفاظ مجملة تحتمل معنى صحيحا وآخر فاسد ولذلك لم تأت بالكتاب والسنة وكلام السلف.
وقد قرر كلا المحذورين ابنُ تيمية رحمه الله في كتبه، وهذه طائفة من نصوصه:
فهو يقول مثلا في الفتاوى الكبرى (6/ 325) قوله: أما قول القائل: " الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي
الجهة عن الله والتحيز " فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ؛ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا وإثباتا بدعة، وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة، واتفق عليه سلف الأمة.اهـ.
وقال في مجموع الفتاوى (5/ 175): (الوجه الرابع أن يقال: إما أن يكون الله يحب منا أن نعتقد قول النفاة أو نعتقد قول أهل الإثبات أو لا نعتقد واحدا منهما. فإن كان مطلوبه منا اعتقاد قول النفاة: وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه؛ وأنه ليس فوق السموات رب ولا على العرش إله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يعرج به إلى الله وإنما عرج به إلى السموات فقط لا إلى الله وأن الملائكة لا تعرج إلى الله بل إلى ملكوته وأن الله لا ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء وأمثال ذلك.
وإن كانوا يعبرون عن ذلك بعبارات مبتدعة فيها إجمال وإبهام وإيهام كقولهم ليس بمتحيز ولا جسم ولا جوهر ولا هو في جهة ولا مكان؛ وأمثال هذه العبارات التي تفهم منها العامة تنزيه الرب تعالى عن النقائص ومقصدهم بها أنه ليس فوق السموات رب؛ ولا على العرش إله يعبد ولا عرج بالرسول إلى الله.اهـ
وقال أيضا في مجموع الفتاوى (7/ 663): واللفظ المجمل الذي لم يرد في الكتاب والسنة لا يطلق في النفي والإثبات حتى يتبين المراد به كما إذا قال القائل: الرب متحيز أو غير متحيز أو هو في جهة أو ليس في جهة، قيل: هذه الألفاظ مجملة لم يرد بها الكتاب والسنة لا نفيا ولا إثباتا ولم ينطق أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان بإثباتها ولا نفيها.اهـ
والحاصل أن نسبة الجهة أو الحيز أو المكان لله أو تفسير الفوقية أو الاستواء أو العلو على المعنى الحسي السابق، هو قول مبتدع .
وإن كان ذلك أي الاستواء أو العلو أو الفوقية المنسوب إلى الله هو بالمعنى المعنوي أو علو الشأن واستواء القهر وفوقية المكانة فهذا لا ينازع فيه الأشاعرة ولا الماتريدية ولا حتى المعتزلة ولا غيرهم من الفرق التي تُنسب إلى رأي جهم ولا حتى التي تنسب إلى غيره.
فقد قال هشام آل عقدة في مختصر معارج القبول (ص: 37):
(((العلي: فكل معاني العلو ثابتة له:
أ-علو القهر: فلا مغالب له ولا منازع.
ب-علو الشأن: فهو المتعالي عَنْ جَمِيعِ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ الْمُنَافِيَةِ لِإِلَهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وأسمائه وصفاته.
جـ- علو الذات: وهو فوقيته تعالى مستوياً على عرشه.
وهذا النوع الأخير من العلو هو الذي ضل فيه من ضل، أما الأولان فلم يُخَالِفْ فِيهِمَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَيَنْتَسِبُ إليه))).اهـ
وبالتالي فما الفرق بين قول ابن تيمية وبين قول خصومه من الأشاعرة وغيرهم في مسألة العلو، إذا كان العلو المنسوب إلى الله هو علو معنوي، ولماذا شنع عليهم ابن تيمية إذن؟!! ولماذا نسبهم إلى تعطيل صفة العلو والاستواء والفوقية وأطال في الرد عليهم في كتبه وذمهم ؟!!!!
والخلاصة أن نسبة العلو إلى الله بالمعنى الحسي فيه إشكال وهو نسبة ألفاظ مبتدعة ومجملة إلى الله ، وأما نسبة العلو إلى الله بالمعنى المعنوي فهذا يفضي إلى أن لا خلاف بين ابن تيمية وخصومه، أو على الأقل هو خلاف لفظي وليس خلافا معنويا ولا هو خلاف حقيقي.
وبعد فهذا هو تقرير الإشكال الذي حيرني .... وأرجو ممن لديه جواب أن يتفضل به مأجورا مشكورا . والسلام عليكم
المصدر...