إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا
إنه من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا
أما بعد يقول الله سبحانه وتعالي في سورة يوسف
{وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [67] وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [68]}
توقفت كثيراُ عند تفسير هذه الآية وقرأت معظم التفاسير الواردة في تفسيرها فوجدتها مجمعة تقريباً على أن الحاجة التي كانت في نفس يعقوب هي الخوف على أبنائه من العين والحسد وللحقيقة فإنه لم يطمئن قلبي لهذا الرأي وذلك لكلٍ من الأسباب الآتية: -
أولاً أذا كان سيدنا يعقوب يخشى على أبنائه من العين فلماذا لم يطلب من أبناءه هذا الطلب في زيارتهم الأولى وكان عددهم عشرة حينئذ فهل لو كانوا عشرة لن تصيبهم العين ولكن لما أصبحوا أحد عشر في المرة الثانية فهنا رأي أنهم ستصيبهم العين؟ وأيضاً لماذا لم يطلب منهم هذا الطلب في زيارتهم الثالثة.
ثانياً لو أنه لو كان يخشى عليهم من أعين الناس لطلب منهم السفر فرادى لا أن يدخلوا فقط من أبواب متفرقة. كما أنه لم يطلب منهم أيضاً ألا يلتقوا إذا ما دخلوا من الأبواب وإنما فقط طلب منهم الدخول من أبواب متفرقة أي انهم كانوا في السفر سوياً ووصلوا الى القصر سوياً ودخلوا فقط من أبواب متفرقة ثم التقوا مرة أخرى بعد الدخول بدليل أنه حينما وضع سيدنا يوسف عليه السلام السقاية في رحل أخيه وأذن المؤذن معلنا فقد صواع الملك قالوا له لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وأيضاً أخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيهم وهذا يدل على انهم كانوا مجتمعين امام الملك وليسوا فرادى كما ذكرت الآيات وكما ذكر بعض المفسرين انه كان يخشى عليهم من أعين الملك إذا ما رآهم مجتمعين
{فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [76]}.
ثالثاً يقول الله سبحانه وتعالى
{وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [68]}
فهنا ربط الله سبحانه وتعالى الحاجة التي في نفس يعقوب عليه السلام بالعلم الذي علمه الله إياه فهل الخوف من العين والحسد يكون علما يعلمه الله لنبيه يعقوب عليه السلام؟ وهل الخوف من العين أمر لا يعلمه أكثر الناس؟
ما اعلمه ويعلمه معظم الناس ان الخوف من العين والحسد انما هو طبيعة بشرية موجودة عند جل الناس وبالتالي فمن الصعب ان يكون هذا الأمر هو علماً يعلمه الله لنبيه عليه السلام اختصه به ولا يعلم أكثر الناس كما ذكر الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا بدأت البحث في هذا الأمر حتى توصلت الى رأي قد يكون مقبولاً فقررت أن أعرضه عليكم بالأدلة التي تؤيد هذا الرأي مع التأكيد أن الحاجة التي كانت في نفس سيدنا يعقوب عليه السلام هي من الأمور الغيبية التي لا يعلمها الا الله ولا يوجد دليل مؤكد على هذه الحاجة ولكني عندما رأيت بعض الناس يستدلون بهذا الأمر في خوفهم المبالغ من العين والحسد قررت أن أبدأ البحث في هذا الأمر.
واسمحوا لي ان ابدأ بسرد الركائز التي استند عليها هذا الرأي أولاً ثم الوصول في النهاية إلى النتيجة التي توصلت اليها. وهذه الركائز عددها أربعه والخامس هو تأكيد على الاستنتاج الذي توصلت اليه من خلال هذه الركائز.
الركيزة الأولى
يعقوب عليه السلام يعلم يقيناً أن ابنه يوسف عليه السلام لايزال حياً
لا شك أن سيدنا يعقوب كان متيقنا أن ابنه لم يمت كما ادعى اخوته والأدلة على ذلك كثيرة نذكر منها الرؤية التي قصها يوسف عليه السلام على ابيه
{إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [4] قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [5] }
فسيدنا يعقوب يعلم أن هذه الرؤيا لم تتحقق بعد ولابد أن تتحقق وبالتالي فلا يمكن ان يموت ابنه قبل ان تتحقق هذه الرؤيا ولذلك حينما ادعى أبنائه بأن يوسف قد أكله الذئب قال لهم
{وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ [18]}
وهذا يؤكد على يقين سيدنا يعقوب عليه السلام بأن يوسف لازال حياً
الركيزة الثانية
يوسف لم يذهب بعيداً
ذهب اخوة يوسف نهاراً وعادوا الى ابيهم عشاء أي انهم لم يكن لديهم الوقت للذهاب الى مكان بعيد ليتركوا يوسف عليه السلام فيه. وهنا لن أقول ان سيدنا يعقوب كان متيقنا من هذا الأمر ولكن أقول إنه كان الاحتمال الأكبر والأرجح فلو فرضنا أن اخوة يوسف خرجوا فجرا وعادوا عشاء فعلى اقصى تقدير قد أمضو حوالي ستة عشر ساعة تقريباً نصفهم ذهاباً ونصفهم إياباً فمعنى ذلك أن اقصى مسافة ابتعدوا بيها هيا مسيرة ثماني ساعات فقط وهذا ليس وقتاً كافيا للبعد مسافة بعيدة في هذا الوقت الذي تتوافر فيه وسائل سفر سريعة وبالتالي فالأرجح عند سيدنا يعقوب انه ابنه ليس منه ببعيد وسآتي بدليل أخر مؤكدا لهذا الاستنتاج في نهاية هذا البحث.
الركيزة الثالثة
يوسف تعرض للسنوات العجاف التي ضربت البلاد
طالما أن سيدنا يعقوب مرجح لديه ان ابنه لم يذهب بعيداً إذن فهو بالتأكيد ممن تعرضوا أيضاً للسنوات العجاف التي لم ينزل فيها المطر.
الركيزة الرابعة
يوسف يذهب الى قصر الملك ليأخذ مؤنته
بالتأكيد لو استقر في قلب سيدنا يعقوب الركائز الثلاثة الماضية فمن المحتمل-ولن أقول بالتأكيد الآن- أن سيدنا يوسف مثله كمثل باقي الناس من حولهم يذهب الى قصر الملك ليأخذ الكيل الخاص به وهو حمل بعير ولكن لم يكن هذا مؤكداً عنده في زيارة ابناءه الأولى للملك ولكن بعد عودة ابناءه واخباره بأن الملك لا يعطي للرجل إلا حمل بعير ولا يعطيه مؤنة رجل اخر وخاصة اذا كان شاباً يافعاً يستطيع ان يأتي بنفسه ليأخذ مؤنته وأنه اعطاهم حمل بعير إضافي لأخيهم هذه المرة فقط ولكنه اشترط في المرة القادمة أن يأتوا بأخيهم بنيامين وإلا فلا كيل لهم جميعاً عنده كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى في قوله
{وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [59] فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ [60] }
ومن هنا استقر في تفكير سيدنا يعقوب أن يوسف عليه السلام طالما لازال حياً وطالما أغلب الظن انه لم يبعد كثيراً بالقدر الذي يجعله خارج نطاق الأماكن التي تعرضت للجفاف وبالتالي وبالتأكيد أنه تعرض للسنوات العجاف وطالما أن الملك لا يعطي للرجل الواحد الا حمل بعير واحد فبالتالي لابد وأن يوسف عليه السلام يذهب أيضاً إلى قصر الملك بنفسه ليأخذ حمل البعير الخاص به. وهذا يفسر لماذا لم يطلب من أبناءه في المرة الأولى هذا الطلب وطلبه منهم في زيارة الثانية بعد أن توافرت لديه هذه المعلومة الأخيرة
الركيزة الخامسة
وهي الدليل على ان هذا الاستنتاج هو بالفعل ما استقر في عقل سيدنا يعقوب وهو قول الله تعالى على لسان سيدنا يعقوب لأبنائه في الزيارة الثالثة
{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [87] } فهو يعلم انهم ذاهبون للملك ليترجوه ان يفرج اعن أخيهم بنيامين فكان الطبيعي ان يطالبهم بأن يبحثوا عن بنيامين فقط ولكنه قال لهم تحسسوا من يوسف وأخيه وهذا تأكيد على أن سيدنا يعقوب عليه السلام يعلم يقيناً ان ابنه أيضاً لابد وأنه يذهب الى هذا المكان ولهذا طلب منهم البحث عن يوسف أيضاً وهذا كما قلت هو تأكيد على أن سيدنا يعقوب متيقن من أن يوسف عليه السلام يذهب الي هذا المكان وهو تأكيد على ما ساقته الينا الركائز الأربعة السابقة ولا أقول انه كان يدري ان ابنه هو نفسه العزيز الذي احتبس ابنه بنيامين عنده ولكنه كان يظن ان ابنه يوسف عليه السلام يذهب الى هذا المكان مثله كمثل باقي الناس لأخذ المعونة.
الحاجة التي في نفس يعقوب
بناءً على كل هذه المعلومات السابقة فما الذي يمكن أن نصل إلى أنه الحاجة التي كانت في نفس يعقوب عليه السلام؟
هو يعلم أن ابنه يذهب مع الناس الى هذا المكان ومن المحتمل انه يذهب في نفس التوقيت الذي يذهب فيه اخوته وهو يريد ان يتقابل سيدنا يوسف مع اخوته حتى يتتبعهم مثلاً حتى يصل اليه ولكن كيف اللقاء والقصر كبير وله أبواب متعددة ويأتي اليه العديد من الناس بأعداد كبيرة. وهنا فكر سيدنا يعقوب انه لو دخل ابناءه العشرة جميعاً من باب واحد لكانت احتمالية لقائهم بأخيهم قليلة جداً فلو افترضنا ان للقصر عشرة أبواب يدخل أخوة يوسف كلهم من باب واحد فاحتمالية أن يدخل يوسف عليه السلام من نفس الباب هي فقط عشرة بالمائة ولو كانوا عشرين باباً فتصبح الاحتمالية خمسه بالمئة فقط وهكذا كلما زاد عدد الأبواب كلما قلت احتمالية لقاءه بإخوته.
ولكن هنا يظهر العلم الذي علمه الله سبحانه وتعالي لسيدنا يعقوب عليه السلام والذي تجلى في طلبه من اخوته ان يدخلوا ليس فقط من أبواب مختلفة وإنما من أبواب متفرقة والفرق بينهما كبير حيث أنه من الممكن ان يتواجد بوابتان متجاورتان فيصبحان بوابتان مختلفتان ولكنهما ليسا متفرقتان وبالتالي فإن طلبه عليه السلام بالدخول من أبواب متفرقة ما كان إلا لزيادة نسبة احتمالية لقاء أحد أبناءه بيوسف عليه السلام
فلو افترضنا ان القصر كما قلنا له عشرة أبواب مثلاً فقط ودخل كل أخ من اخوة يوسف عليه السلام من باب فسيدخل من كل باب من الأبواب اخ من أخوته وبالتالي يصبح احتمالية لقاء يوسف بأحد اخوته مئة بالمئة بدلا من عشرة في المئة فقط في حالة دخولهم جميعاً من باب واحد واذا كان القصر له عشرون باب فتصبح النسبة خمسون بالمئة في حالة دخولهم من أبواب مختلفة وأكرر مختلفة فقط وليس متفرقة بدلاً من خمسه بالمئة في حالة دخولهم من نفس الباب واما في حالة دخولهم من أبواب متفرقة كما أمرهم أبيهم فبالتأكيد هذا يزيد احتمالية لقائهم بأخيهم بنسبة أكبر من خمسون بالمئة.
ولهذا وبناءً على ما سبق فما توصلت اليه بفضل الله تعالى ان الحاجة التي كانت في نفس سيدنا يعقوب عليه السلام والتي من أجلها طلب من أبنائه الدخول من أبواب متفرقة هيا زيادة احتمالية لقاء سيدنا يوسف بأحد إخوته إلى أقصى نسبة ممكنة وهذا الأمر بالفعل قد يكون علماً علمه الله لسيدنا يعقوب مكنه من التفكير والوصول إلى هذا الطلب ليجمعه الله مرة أخرى بابنه يوسف عليه السلام ودعونا نقرأ سوياً هذه الآية مرة أخرى
{يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [87] } وانا هنا حين اقرأها أراها تصريح واضح من سيدنا يعقوب عليه السلام في الزيارة الثالثة لأبنائه بالحاجة التي كانت في نفسه والتي من أجلها طلب من أبنائه الدخول من أبواب متفرقة ألا وهيا البحث عن أخيهم يوسف عليه السلام.
وفي النهاية أؤكد على ان هذه المسألة من المسائل الغيبية التي لا يعلمها الا الله سبحانه وتعالى ولكن باب الاجتهاد فيه مفتوح لمن أراد أن يجتهد وأؤكد ان رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين
المصدر...