|
هيئة التدريس
|
رد: مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
فلما حضر خروجهم, ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم. فبكى عبد الله بن رواحة. فقالوا: ما يبكيك؟ قال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم, ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله, يذكر فيها النار: ( وإن منكم إلا واردها. كان على ربك حتماً مقضياً) ولست أدري كيف لي بالصدور بعد الورود؟ فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم. وردكم إلينا صالحين. فقال ابن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال, إذا مروا على جدثي:
يا أرشد الله من غاز. وقد رشدا
ثم مضوا حتى نزلوا معان. فبلغم أن هرقل بالبلقاء في مائة ألف من الروم وانضم إليه من لخم وجذام وبلي وغيرهم مائة ألف.
فأقاموا ليلتين ينظرون في أمرهم.
وقالوا نكتب إلى رسول الله فنخبره . فإما أن يمدنا, وإما أن يأمرنا بأمره.
فشجعهم عبد الله بن رواحة, وقال: والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون: الشهادة. وما نقاتل الناس بقوة ولا كثرة, ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا. فإنما هي أحدى الحسنين: إما ظفر. وإما شهادة.
فمضى الناس, حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم الجموع. فانحاز المسلمون إلى مؤته. ثم اقتتلوا عندها والراية في يد زيد. فلم يزل يقاتل بها حتى شاط في رماح القوم. فأخذها جعفر فقاتل بها. حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه فعقرها. ثم قاتل حتى قطعت يمينه. فأخذ الراية بيساره, فقطعت يساره, فحتضن الراية حتى قتل. وله ثلاث وثلاثون سنة. رضي الله عنهم.
ثم أخذها عبد الله بن رواحة. فتقدم بها, وهو على فرسه, فجعل يستنزل نفسه ويقول:
أقســـم بالله لتنزلنه لتنزلن أو لتكرهنه
يا طالما قد كـنت مطمئنة إن أجلب الناس وشدوا الرنه
مالي أراك تكرهين الجنة؟
ويقول أيضاً:
يا نفس إن لم تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيت فقد أعطيت إن تفعلي فعلها هديت
ثم نزل. فأتاها فناداه ابن عم له بعرق من لحم. فقال: شد بهذا صلبك, فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت, فأخذها فانتهس منها نهسة, ثم سمع الحطمة في ناحية الناس. فقال: وأنت في الدنيا؟ فألقاها من يده وتقدم. فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية خالد بن الوليد. فدافع القوم وخاشي بهم , ثم انحازوا , وانصرف الناس.
وقال ابن عمر: وجدنا ما بين صدر جعفر ومنكبه, وما أقبل منه: تسعين جراحة.
وقال زيد بن أرقم: كنت يتيماً لعبد الله بن رواحة. فخرج بي في سفره ذلك مرد في على حقيبة رحلة. فو الله إنه ليسير ذات ليلة, إذا سمعته وهو ينشد شعراً:
إذا أديتني وحملت رحـــلي مسيرة أربع بعد الحساء
فشأنك فانعمي, وخلاك ذم
ولا أرجع إلى أهلي ورائي
وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مستنهي الثواء
وردك كل ذي نسب قريب إلى الرحمن منقطع الإخاء
هنالك لا أبالي طلع بعل ولا نخل أسافلها روائي
قال: فبكيت. فخفقني بالسوط, وقال: ما عليك يالُكَع , أن يرزقني الله الشهادة, وترجع بين شعبي الرحل؟.
غزوة الفتح الأعظم:
وكانت سنة ثمان في رمضان.
وسببها: أن بكراً عدت على خزاعة على مائهم (( الوتير)) فبينوهم, وقتلوا منهم. وكان في صلح الحديبية: (( أن من أحب: أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل, ومن أحب: أن يدخل في عقد قريش فعل)) فدخلت بنو بكر في عقد قريش, ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلا بماء, يقال له: الوتير, قريباً من مكة. وأعانت قريش بني بكر بالسلاح. وقاتل معهم بعضهم مستخفياً ليلاً, حتى لجأت خزاعة إلى الحرم.
فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر لنوفل بن معاوية الديلي- وكان يؤمئذ قائدهم- : يا نوفل , إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة لا إله له اليوم. يا بني بكر, أصيبوا ثاركم. فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم. أفلا تصيبون ثأركم فيه؟
فخرج عمرو بن سالم الخزاعي, حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. فوقف عليه, وهو جالس في المسجد بين ظهراني أصحابه, فقال:
يا رب إني ناشداً محمداً حلف أبينا وأبيه الأ تلدا
قد كنتموا ولداً وكنا والداً ثمت أسلمنا. ولم ننزع يداً
فانصر هداك الله نصراً أيداً وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله, قد تجردا أبيض مثل البدر, يسمو صعدا
إن سيم خسفاً وجهه تربداً في فيلق كالبحر يجري مزبدا
إن قريشاً أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
وجعلوا لي في كداء رصداً وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذل وأقل عـــدداً هم بيتونا بالوتير هجدا
وقتلونا ركعاً وسجداً
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( نصرت يا عمرو بن سالم)). ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر خزاعة, حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة, فأخبروه بما أصيب منهم, وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس: (( كأنكم بابي سفيان قد جاءكم ليشد العقد, ويزيد في المدة. فبعثته قريش. وقد رهبوا للذي صنعوا)).
ثم قدم أبو سفيان. فدخل على ابنته أم حبيبة. فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه. فقال: يا بنية, ما أدري: أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأنت مشرك نجس. فقال: والله لقد أصابك بعدي شر. ثم خرج حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلمه فلم يرد عليه شيئاً ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه في أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما أنا فاعل. ثم أتي عمر فقال: أنا أشفع لكم؟ والله لو لم أجد إلا الذر, لجاهدتكم به. ثم دخل على علي, وعنده فاطمة- والحسن غلام يدب بين يديها- فقال, يا علي, إنك أمس القوم بي رحماً, وإني جئت في حاجة, فلا أرجعن خائباً. اشفع لي إلى محمد. فقال, قد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر, ما نستطيع أن نكلمه فيه. فقال لفاطمة: هل لك أن تأمري ابنك هذا, فيجير بين الناس. فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: ما يبلغ ابني ذلك. وما يجبر أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال: يا أبا الحسن, إني رأيت الأمور قد اشتدت علي, فانصحني. قال: والله ما أعلم شيئاً يغني عنك, ولكنك سيد بني كنانة, فقم وأجر بين الناس, ثم ألحق بأرضك.
فقال: أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً؟ قال: لا, والله ما أظنه, ولكن ما أجد لك غير ذلك.
فقام أبو سفيان في المسجد, فقال: يا أيها الناس, إني قد أجرت بين الناس. ثم ركبت بعيره, وانصرف عائداً إلى مكة.
فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته, فو الله ما رد علي شيئاً. ثم جئت ابن أبي قحافة. فلم أجد فيه خيراً. ثم جئت عمر بن الخطاب, فوجدته أدني العدو- يعني: أعدى العدو- ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم. وقد أشار علي بكذا وكذا. ففعلت. قالوا: فهل أجاز ذلك محمداً؟ قال: لا. قالوا ويلك, والله إن زاد الرجل على أن لعب بك.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز, وقال: (( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش, حتى نبغتها في بلادها)).
فكتب حاطب بن أبي بَلتْعة إلى قريش كتاباً, يخبرهم فيه بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودفعه إلى سارة- مولاة لبني عبد المطلب – فجعلته في رأسها. ثم فتلت عليه قرونها. وأتي الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً والزبير إلى المرأة, فأدركاها بروضة خاخ. فأنكرت. ففتشا رحلها, فلم يجدا فيه شيئاً. فهدداها. فأخرجته من قرون رأسها. فأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا حاطباً. فقال: (( ما هذا يا حاطب؟)) فقال: لا تعجل علي يا رسول الله. والله إني لمؤمن بالله ورسوله. ما ارتددت ولا بدلت, ولكني كنت امرءاً ملصقاً في قريش, لست من أنفسهم. ولي فيهم أهل وعشيرة وولد. وليس لي فيهم قرابة يحمونهم. وكان من معك لهم قرابات يحمونهم. فأحببت أن أتخذ عندهم يداً. قد علمت أن الله مظهر رسوله, ومتم له أمره.
فقال عمر: يا رسول الله, دعني أضرب عنقه, فإنه قد خان الله ورسوله. وقد نافق, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنه قد شهد بدراً وما يدريك يا عمر؟ لعل الله اطلع علي أهل بدر, فقال: اعملوا ما شئتم. فقد غفرت لكم)).
فذرفت عينا عمر, وقال: الله ورسوله أعلم.
ثم مضي رسول الله صلى الله عليه وسلم, وعمى الله الأخبار عن قريش, لكنهم على وجل. فكان أبو سفيان يتجسس, هو وحكيم بن حزام, وبديل ابن ورقاء.
وكان العباس قد خرج قبل ذلك بأهله وعياله مسلماً مهاجراً. فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجحفة. فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظران نزل العشاء, فأمر الجيش فأوقدوا النيران. فأوقد أكثر من عشرة آلاف نار. فركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخرج يلتمس, لعله يجد بعض الحطابة, أو أحد يخبر قريشاً, ليخرجوا يستأمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخلها عنوة.
قال: فو الله إني لأسير عليها, إذ سمعت كلام أبي سفيان, وبديل, يتراجعان, يقول أبو سفيان: ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً.
قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة, حمشتها الحرب.
قال: يقول أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها.
فقلت: أبا حنظلة؟ فعرف صوتي, فقال: أبا الفضل؟ قلت: نعم. قال: مالك, فداك أبي وأمي؟ قال قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس واصباح قريش والله, قال: فما الحيلة؟.
قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب في عجز هذه البغلة, حتى آتيه بك, فاستمأنه لك. فركب خلفي. ورجع صاحباه. فجئت به. فكلما مررت بنار من نيران المسلمين, قالوا: من هذا؟ فإذا رأونا قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته. حتى مررت بنار عمر, فقال: من هذا؟ وقام إلي: فلما راي أبا سفيان قال: عدو الله؟ الحمد لله الذي أمكن الله منك بغير عقد ولا عهد.
|