|
هيئة التدريس
|
رد: مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم
فصل
لما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه فتح مكة:اقتضت حكمة الله أن أمسك قلوب هوازن عن الإسلام, لتكون غنائمهم شكراناً لأهل الفتح, وليظهر حزبه على الشوكة التي لم يلق المسلمون مثلها. فلا يقاومهم أحد بعد من العرب. وأذاق المسلمين أولاً مرارة الكسرة, مع قوة شوكتهم, ليطامن رؤوساً رفعت بالفتح, ولم تدخل حرمه كما دخله رسوله صلى الله عليه وسلم واضعاً رأسه, منحنياً على فرسه, حتى إن ذقنه ليكاد يمس قُربوس سرجه تواضعاً لربه. وليبين سبحانه- لمن قال: (( لن نغلب اليوم عن قلة))- أن النصر إنما هو من عنده سبحانه, وأن من يخذله فلا ناصر له غيره. وأنه سبحانه الذي تولى نصر دينه, لاكثرتكم. فلما انكسرت قلوبهم, أرسل إليها خلع الجبر مع بريد النصر: ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين, وأنزل جنوداً لم تروها) وقد اقتضت حكمته أن خلع النصر إنما تفيض على أهل الإنكسار: ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض. ونجعلهم أئمة. ونجعلهم الوارثين).
غزوة الطائف:
ولما أراد المسير إلى الطائف- وكانت في شوال سنة ثمان- بعث الطفيل بن عمرو إلى ذي الكفين – صنم عمرو بن حممة الدوسي- يهدمه, وأمره أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف- فخرج سريعاً. فهدمه وجعل يحثو النار في وجهه ويقول:-
يا ذا الكفين , لستُ من عُبّادكا
ميلادنا أكبر من ميـــلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعاً. فوافوا النبي صلى الله عليه وسلم بالطائف- بعد مقدمه بأربعة أيام- وقدم بدبابة ومنجنيق.
قال ابن سعد: لما انهزموا من أوطاس دخلوا حصنهم, وتهيأوا للقتال. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنزل قريباً من حصن الطائف. وعسكر هناك. فرموا المسلمين بالنبل رمياً شديداً, كأنه رجل جراد, حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة. وقتل منهم اثنا عشر رجلا. فارتفع صلى الله عليه وسلم إلى موضع مسجد الطائف اليوم. فحاصرهم ثمانية عشر يوماً. ونصب عليهم المنجنيق – وهو أول من رمى به في الإسلام- وأمر بقطع أعناب ثقيف. فوقع الناس فيها يقطعون, فسألوه: أن يدعها لله وللرحم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم( فإني أدعها لله وللرحم)).
ونادى مناديه: (( أيما عبد نزل من الحصن, وخرج إلينا. فهو حر)) فخرج منهم بعضة عشر رجلا, فيهم أبو بكرة بن مسروج, فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ودفع كل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه.
ولم يؤذن في فتح الطائف. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فأذن بالرحيل, فضج الناس من ذلك, وقالوا, نرحل , ولم يفتح علينا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فاغدوا على القتال فغدوا, فأصابهم جراحات. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنّا قافلون إن شاء الله)) فسروا بذلك. وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك.
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: (( قولوا: آيبون, تائبون, عابدون, لربنا حامدون)) وقيل: يا رسول الله ,ادع الله على ثقيف, فقال: (( اللهم اهد ثقيفاً وائت بهم)).
ثم خرج إلى الجعرَّانة. فدخل منها إلى مكة محرماً بعمرة فقضاها. ثم رجع إلى المدينة.
فصل
قال ابن أسحق: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في رمضان. وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف.
وكان من حديثهم: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم: اتبع أثره عروة بن مسعود, حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة. فأسلم, وسأله: أن يرجع إلى قومه بالإسلام, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن فيهم نخوة الامتناع)) فقال: يا رسول الله, أنا أحب إليهم من أبكارهم. وكان فيهم كذلك محبباً مطاعاً.
فخرج يدعوهم إلى الإسلام, رجاء أن لا يخالفوه, لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية- وقد دعاهم إلى الإسلام- رموه بالنبل من كل وجه. فأصابه سهم فقتله, فقيل له: ما ترى في دمك؟ فقال : كرامة أكرمني الله بها, وشهادة ساقها الله إليّ. فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم. فادفنوني معهم, فدفنوه معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومة)).
ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة شهراً. ثم ائتمروا بينهم. ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب, وقد أسلموا وبايعوا. فأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا, كما أرسلوا عروة.
فكلموا عبد ياليل بن عمرو, وعرضوا عليه ذلك, فأبي, وخشى أن يصنع به كما صُنع بعروة. فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا. فأجمعوا أن يرسلوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك, منهم عثمان بن أبي العاص. فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة, ألفوا بها المغيرة بن شعبة. فاشتد ليبشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومهم. فلقيه أبو بكر, فقال: أقسمت عليك بالله, لا تستبقي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, حتى أكون أنا أحدثه, ففعل. ثم خرج المغيرة إلى أصحابه, فروح الظهر معهم. وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلم يفعلوا إلا بتحية الجاهلية. فضرب عليهم قبة في ناحية المسجد.
وكان فيما سألواه: أن يدع اللات لا يهدمها ثلاث سنوات, فأبي. فما برحوا يسألونه سنة, فيأبي. حتى سألوه شهراً واحداً. فأبي عليهم أن يدعها شيئاً مسمى. وإنما يريدون بذلك- فيما يظهرون- أن يسلموا بتركها من سفائهم ونسائهم, ويكرهون أن يروعوهم بهدمها, حتى يدخلهم الإسلام. فأبي إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.
فلما أسلموا أمر عليهم عثمان بن أبي العاص- وكان من أحدثهم سناً- وذلك: أنه كان من أحرصهم على التفقه في الدين, وتعلم القرآن.
فلما توجهوا راجعين بعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة, حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة: أن يقدم أبا سفيان, فأبي, وقال: ادخل انت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم. فلما دخل المغيرة علاها يضربها بالمعول. وقام دونه بنو مغيث, خشية أن يرمى, كما فعل بعروة, وخرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها. فلما هدمها أخذ مالها وحليها وأرسل به إلى أبي سفيان.
ما في غزوة الطائف من الفقه:
فيها من الفقه: جواز القتال في الأشهر الحرم. ونسخ تحريم ذلك.
وفيها: أنه لا يجوز أبقا مواضع الطواغيث والشرك بعد القدرة عليها يوماً واحداً. فإنها شعائر الكفر. وهي أعظم المنكرات, وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثاناً تعبد من دون الله, وكذلك الأحجار والأشجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر. لها وكثير منها بمنزله اللات والعزى, أو أعظم شركاً عندها, وبها.
|