مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 228 - 230 هـ)
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=368439
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ
كَانَ جَدُّهُ مَالِكُ بْنُ الْهَيْثَمِ مِنْ أَكْبَرِ الدُّعَاةِ فِي النَّاسِ إِلَى دَوْلَةِ بَنِي الْعَبَّاسِ , وَكَانَتْ لَهُ وَجَاهَةٌ وَرِيَاسَةٌ
وَكَانَ أَبُوهُ نَصْرُ بْنُ مَالِكٍ يَغْشَاهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ , وَقَدْ بَايَعَهُ الْعَامَّةُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَمِائَتَيْنِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ حِينَ كَثُرَتِ الدُّعَّارُ وَالشُّطَّارُ فِي أَرْجَاءِ بَغْدَادَ فِي زَمَانِ غَيْبَةِ الْمَأْمُونِ عَنْ بَغْدَادَ , كَمَا قَدَّمْنَا بَسْطَ ذَلِكَ .
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْخَيْرِ , وَمِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , وَأَهْلِ السُّنَّةِ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَكَانَ مِمَّنْ يَدْعُو إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ
وَكَانَ هَارُونُ الْوَاثِقُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ فِي الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ , يَدْعُو إِلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا , سِرًّا وَجِهَارًا , اعْتِمَادًا عَلَى مَا كَانَ أَبُوهُ الْمُعْتَصِمُ , وَعَمُّهُ الْمَأْمُونُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ , مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ , وَلَا حُجَّةٍ وَلَا بَيَانٍ , وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قُرْآنٍ
فَقَامَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا يَدْعُو إِلَى اللَّهِ , وَإِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ , وَالْقَوْلِ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ , فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا
فَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ , وَالْتَفَّ عَلَيْهِ مِنَ الْأُلُوفِ أَعْدَادٌ
وَانْتَصَبَ لِلدَّعْوَةِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ هَذَا رَجُلَانِ : أَبُو هَارُونَ السَّرَّاجُ , يَدْعُو أَهْلَ الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ , وَطَالِبٌ , يَدْعُو أَهْلَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ .
وَلَمَّا كَانَ شَهْرُ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ انْتَظَمَتِ الْبَيْعَةُ لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ الْخُزَاعِيِّ فِي السِّرِّ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ , وَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ لِبِدْعَتِهِ , وَدَعْوَتِهِ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ .
فَتَوَاعَدُوا عَلَى أَنَّهُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ وَهِيَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ , يُضْرَبُ طَبْلٌ فِي اللَّيْلِ , فَيَجْتَمِعُ النَّاسُ الَّذِينَ بَايَعُوا فِي مَكَانٍ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ , وَأَنْفَقَ طَالِبٌ وَأَبُو هَارُونَ فِي أَصْحَابِهِ دِينَارًا دِينَارًا , فَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أَعْطَوْهُ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي أَشْرَسَ , وَكَانَا يَتَعَاطَيَانِ الشَّرَابَ
فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ , شَرِبَا فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِمْ , وَاعْتَقَدَا أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ هِيَ لَيْلَةُ الْوَعْدِ , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَهُ بِلَيْلَةٍ , فَقَامَا يَضْرِبَانِ عَلَى طَبْلٍ فِي اللَّيْلِ لِيَجْتَمِعَ إِلَيْهِمَا النَّاسُ , فَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ , وَانْخَرَمَ النِّظَامُ
فَسَمِعَ الْحَرَسُ فِي اللَّيْلِ , فَأَعْلَمُوا نَائِبَ السَّلْطَنَةِ , وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُصْعَبٍ , نَائِبُ أَخِيهِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , لِغَيْبَتِهِ عَنْ بَغْدَادَ
فَأَصْبَحَ النَّاسُ مُتَخَبِّطِينَ
وَاجْتَهَدَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ عَلَى إِحْضَارِ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ
فَأُحْضِرَا , فَعَاقَبَهُمَا
فَأَقَرَّا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ فِي الْحَالِ
فَطَلَبَهُ , وَأَخَذَ خَادِمًا لَهُ فَاسْتَقَرَّهُ , فَأَقَرَّ بِمَا أَقَرَّ بِهِ الرَّجُلَانِ
فَجَمَعَ جَمَاعَةً مِنْ رُءُوسٍ أَصْحَابِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ مَعَهُ , وَأَرْسَلَ بِهِمْ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى , وَذَلِكَ آخَرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
فَأُحْضِرَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ , وَحَضَرَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ الْمُعْتَزِلِيُّ , وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ عَتَبٌ
فَلَمَّا أُوقِفَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلِيفَةِ الْوَاثِقِ , لَمْ يُعَاتِبْهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَانَ مِنْهُ فِي أَمْرِ مُبَايَعَةِ الْعَامَّةِ لَهُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ , فَأَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ , وَقَالَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي الْقُرْآنِ ؟
فَقَالَ : هُوَ كَلَامُ اللَّهِ .
قَالَ : أَمَخْلُوقٌ هُوَ ؟
قَالَ : هُوَ كَلَامُ اللَّهِ .
وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ قَدِ اسْتَقْتَلَ , وَحَضَرَ وَقَدْ تَحَنَّطَ وَتَنَوَّرَ
فَقَالَ لَهُ الْوَاثِقُ : فَمَا تَقُولُ فِي رَبِّكَ ؟ , أَتَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟
فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , قَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ وَالْأَخْبَارُ بِذَلِكَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } , وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِنَّكُمْ ستَرَوْنَ رَبَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ» فَنَحْنُ عَلَى الْخَبَرِ .
فقَالَ الْوَاثِقُ : وَيْحَكَ , أَيُرَى كَمَا يُرَى الْمَحْدُودُ الْمُتَجَسِّمُ ؟ , وَيَحْوِيهِ مَكَانٌ , وَيَحْصُرُهُ النَّاظِرُ ؟ , أَنَا أَكْفُرُ بِرَبٍّ هَذِهِ صِفَتُهُ .
قُلْتُ ( ابن كثير ) : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ لَا يَرِدُ , وَلَا يَلْزَمُ , وَلَا يُرَدُّ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْخَبَرِ الصَّحِيحِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ الْخُزَاعِيُّ لِلْوَاثِقِ : وَحَدَّثَنِي سُفْيَانُ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ «إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهُ» , وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»
فَقَالَ لَهُ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ : وَيْلَكَ , انْظُرْ مَا تَقُولُ .
فَقَالَ : أَنْتَ أَمَرْتَنِي بِذَلِكَ .
فَأَشْفَقَ إِسْحَاقُ مِنْ ذَلِكَ , وَقَالَ : أَنَا أَمَرْتُكَ بِذَلِكَ ؟
قَالَ : نَعَمْ , أَنْتَ أَمَرْتَنِي أَنْ أَنْصَحَ لَهُ .
فَقَالَ الْوَاثِقُ لِمَنْ حَوْلَهُ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟
فَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ فِيهِ
فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ - وَكَانَ قَاضِيًا عَلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ فَعُزِلَ , وَكَانَ مُوَادًّا لِأَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ قَبْلَ ذَلِكَ - : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , هُوَ حَلَالُ الدَّمِ .
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَرْمَنِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادٍ : اسْقِنِي دَمَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ .
فَقَالَ الْوَاثِقُ : يَأْتِي عَلَى مَا تُرِيدُ .
وَقَالَ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , هُوَ كَافِرٌ يُسْتَتَابُ , لَعَلَّ بِهِ عَاهَةً أَوْ نَقْصَ عَقْلٍ .
فَقَالَ الْوَاثِقُ : إِذَا رَأَيْتُمُونِي قُمْتُ إِلَيْهِ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ مَعِي , فَإِنِّي أَحْتَسِبُ خُطَايَ , ثُمَّ نَهَضَ إِلَيْهِ بِالصَّمْصَامَةِ , وَقَدْ كَانَتْ سَيْفًا لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ , أُهْدِيَتْ لِمُوسَى الْهَادِي فِي أَيَّامِ خِلَافَتِهِ , وَكَانَتْ صَفِيحَةٌ مَوْصُولَةٌ فِي أَسْفَلِهَا مَسْمُورَةٌ بِثَلَاثَةِ مَسَامِيرَ , فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ ضَرَبَهُ بِهَا عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ مَرْبُوطٌ بِحَبْلٍ , قَدْ أُوقِفَ عَلَى نِطْعٍ ( سجادة من جلد ) ثُمَّ ضَرَبَهُ أُخْرَى عَلَى رَأْسِهِ , ثُمَّ طَعَنَهُ بِالصَّمْصَامَةِ فِي بَطْنِهِ
فَسَقَطَ رَحِمَهُ اللَّهُ صَرِيعًا عَلَى النِّطْعِ مَيِّتًا , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .
ثُمَّ انْتَضَى سِيمَا الدِّمَشْقِيُّ سَيْفَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ , وَحَزَّ رَأْسَهُ , وَحُمِلَ مُعْتَرِضًا حَتَّى أُتِيَ بِهِ الْحَظِيرَةَ الَّتِي فِيهَا بَابَكُ الْخُرَّمِيُّ فَصُلِبَ فِيهَا , وَفِي رِجْلَيْهِ زَوْجُ قُيُودٍ , وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ وَقَمِيصٌ
وَحُمِلَ رَأْسُهُ إِلَى بَغْدَادَ , فَنُصِبَ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ أَيَّامًا , وَفِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ أَيَّامًا , وَعِنْدَهُ الْحَرَسُ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ , وَفِي أُذُنِهِ رُقْعَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا : هَذَا رَأْسُ الْكَافِرِ الْمُشْرِكِ الضَّالِّ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ , مِمَّنْ قُتِلَ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ اللَّهِ هَارُونَ الْإِمَامِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ , بَعْدَ أَنْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةَ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ , وَنَفْيِ التَّشْبِيهِ , وَعَرَضَ عَلَيْهِ التَّوْبَةَ , وَمَكَّنَهُ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ , فَأَبَى إِلَّا الْمُعَانَدَةَ وَالتَّصْرِيحَ , فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَجَّلَهُ إِلَى نَارِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ بِالْكُفْرِ , فَاسْتَحَلَّ بِذَلِكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ دَمَهُ وَلَعَنَهُ .
ثُمَّ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْوَاثِقُ بِتَتَبُّعِ رُءُوسِ أَصْحَابِهِ , فَأَخَذَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا , فَأُودِعُوا فِي السُّجُونِ , وَسُمُّوا : الظَّلَمَةَ , وَمُنِعُوا أَنْ يَزُورَهُمْ أَحَدٌ , وَقُيِّدُوا بِالْحَدِيدِ , وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الْأَرْزَاقِ الَّتِي كَانَتْ تَجْرِي عَلَى الْمَحْبُوسِينَ , وَهَذَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ .
وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ هَذَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ , وَمِمَّنْ كَانَ قَائِمًا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ , وَسَمِعَ الْحَدِيثَ مِنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ , وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ , وَهُشَيْمِ بْنِ بَشِيرٍ , وَكَانَتْ عِنْدَهُ مُصَنَّفَاتُهُ كُلُّهَا , وَسَمِعَ مِنَ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَحَادِيثَ جَيِّدَةً , وَلَمْ يُحَدِّثْ بِكَثِيرٍ مِنْ حَدِيثِهِ .
وَذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ يَوْمًا , فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ : قَدْ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ , وَأَحْسَنَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ .
وَذِكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمًا فَقَالَ : رَحِمَهُ اللَّهُ , مَا كَانَ أَسَخَاهُ , لَقَدْ جَادَ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَلَمْ يَزَلْ رَأْسُ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ مَنْصُوبًا بِبَغْدَادَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ - أَعْنِي سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ - إِلَى بَعْدِ عِيدِ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مِنْ سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ , فَجُمِعَ بَيْنَ رَأْسِهِ وَجُثَّتِهِ وَدُفِنَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ بِالْمَقْبَرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْمَالِكِيَّةِ , رَحِمَهُ اللَّهُ
وَذَلِكَ بِأَمْرِ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ , الَّذِي وَلِيَ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَخِيهِ الْوَاثِقِ بِاللَّهِ
وَقَدْ دَخَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْكِنَانِيُّ صَاحِبُ كِتَابِ " الْحَيْدَةِ " عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَوَكِّلِ عَلَى اللَّهِ - وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْخُلَفَاءِ , لِأَنَّهُ أَحْسَنَ الصَّنِيعَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ , بِخِلَافِ أَخِيهِ
الْوَاثِقِ , وَأَبِيهِ الْمُعْتَصِمِ , وَعَمِّهِ الْمَأْمُونِ , فَإِنَّهُمْ أَسَاءُوا إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ , وَقَرَّبُوا أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ - فَأَمَرَهُ أَنْ يُنْزِلَ جُثَّةَ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ , وَيَدْفِنَهُ , فَفَعَلَ
وَقَدْ كَانَ الْمُتَوَكِّلُ يُكْرِمُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ إِكْرَامًا زَائِدًا جِدًّا , كَمَا أتى بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ الْكِنَانِيَّ قَالَ لِلْمُتَوَكِّلِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , مَا رُئِيَ أَعْجَبُ مِنْ أَمْرِ الْوَاثِقِ , قَتَلَ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ وَكَانَ لِسَانُهُ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ إِلَى أَنْ دُفِنَ .
فَوَجَدَ الْمُتَوَكِّلُ مِنْ ذَلِكَ , وَسَاءَهُ مَا سَمِعَ فِي أَخِيهِ الْوَاثِقِ , فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الزَّيَّاتِ , قَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ : فِي قَلْبِي مِنْ قَتْلِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرٍ .
فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , أَحْرَقَنِي اللَّهُ بِالنَّارِ إِنْ قَتَلَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا .
وَدَخَلَ عَلَيْهِ هَرْثَمَةُ فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ فِي ذَلِكَ
فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , قَطَّعَنِي اللَّهُ إِرْبًا إِرْبًا إِنْ قَتَلَهُ الْوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا .
وَدَخَلَ عَلَيْهِ الْقَاضِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ
فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ مِثْلَ ذَلِكَ
فَقَالَ : ضَرَبَنِي اللَّهُ بِالْفَالِجِ إِنْ قَتَلَهُ الْوَاثِقُ إِلَّا كَافِرًا .
قَالَ الْمُتَوَكِّلُ : فَأَمَّا ابْنُ الزَّيَّاتِ فَأَنَا أَحْرَقْتُهُ بِالنَّارِ
وَأَمَّا هَرْثَمَةُ فَإِنَّهُ هَرَبَ وَتَبَدَّى , فَاجْتَازَ بِقَبِيلَةِ خُزَاعَةَ
فَعَرَفَهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَيِّ , فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ , هَذَا الَّذِي قَتَلَ ابْنَ عَمِّكُمْ أَحْمَدَ بْنَ نَصْرٍ فَقَطِّعُوهُ .
فَقَطَّعُوهُ إِرْبًا إِرْبًا
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي دُؤَادٍ , فَقَدْ سَجَنَهُ اللَّهُ فِي جِلْدِهِ - يَعْنِي بِالْفَالِجِ , ضَرَبَهُ اللَّهُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ - وَصُودِرَ مِنْ صُلْبِ مَالِهِ بِمَالٍ جَزِيلٍ جِدًّا , كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إن شاء الله
المصدر...