مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 256 هـ)
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=369662
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا وَلَّى الْخَلِيفَةُ الْمُعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ بَلْخَ , وَطَخَارِسْتَانَ , وَمَا يَلِي ذَلِكَ مِنْ كَرْمَانَ وَسَجِسْتَانَ , وَالسِّنْدِ وَغَيْرِهَا لِيَعْقُوبَ بْنِ اللَّيْثِ
وَفِي صَفَرٍ مِنْهَا عَقَدَ الْمُعْتَمِدُ لِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ عَلَى الْكُوفَةِ , وَطَرِيقِ مَكَّةَ , وَالْحَرَمَيْنِ , وَالْيَمَنِ
وَأَضَافَ إِلَيْهِ فِي رَمَضَانَ نِيَابَةَ بَغْدَادَ وَالسَّوَادِ , وَوَاسِطَ وَكُوَرِ دِجْلَةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ وَفَارِسَ ، وَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
وَفِيهَا تَوَاقَعَ سَعِيدٌ الْحَاجِبُ , وَصَاحِبُ الزَّنْجِ فِي أَرَاضِي الْبَصْرَةِ
فَهَزَمَهُ سَعِيدٌ الْحَاجِبُ , وَاسْتَنْقَذَ مِنْ يَدِهِ خَلْقًا مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ ، وَاسْتَرْجَعَ مِنْهُ أَمْوَالًا جَزِيلَةً ، وَأَذَلَّ الزِّنْجَ غَايَةَ الْإِهَانَةِ وَالْمَذَلَّةِ
ثُمَّ إِنَّ الزِّنْجَ بَيَّتُوا سَعِيدًا وَجَيْشَهُ , فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا ، وَيُقَالُ : إِنَّ سَعِيدَ بْنَ صَالِحٍ قُتِلَ أَيْضًا
ثُمَّ الْتَقَى صَاحِبُ الزَّنْجِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ طَالِبِيٌّ ، وَهُوَ كَاذِبٌ مَعَ مَنْصُورِ بْنِ جَعْفَرٍ الْخَيَّاطِ فِي جَيْشٍ كَثِيفٍ ، فَهَزَمَهُمْ هَذَا الْخَارِجِيُّ
وَفِي لَيْلَةِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ , كَسَفَ الْقَمَرُ وَغَابَ أَكْثَرُهُ
وَفِي صَبِيحَةِ هَذَا الْيَوْمِ , دَخَلَ جَيْشُ الْخَبِيثِ إِلَى الْبَصْرَةِ قَهْرًا ، فَقَتَلُوا مِنْ أَهْلِهَا خَلْقًا كَثِيرًا
وَهَرَبَ نَائِبُهَا بُغْرَاجُ وَمَنْ مَعَهُ
وَأَحْرَقَتِ الزِّنْجُ جَامِعَ الْبَصْرَةِ , وَدُورًا كَثِيرَةً , وَانْتَهَبُوهَا
ثُمَّ نَادَى فِيهِمْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى الْمُهْلَّبِيُّ أَحَدُ أَصْحَابِ الْخَارِجِيِّ : مَنْ أَرَادَ الْأَمَانَ فَلْيَحْضُرْ
فَاجْتَمَعَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا
فَرَأَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَ فُرْصَةً , فَغَدَرَ بِهِمْ , وَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ ، فَلَمْ يَفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّاذُّ
كَانَتِ الزِّنْجُ تُحِيطُ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : كِيلُوا - وَهِيَ الْإِشَارَةُ بَيْنَهُمْ إِذَا أَرَادُوا قَتْلَ أَحَدٍ - فَيَحْمِلُونَ عَلَيْهِمْ بِالسُّيُوفِ , فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا تَشَهُّدَ أُولَئِكَ وَضَجِيجَهُمْ عِنْدَ الْقَتْلِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، وَهَكَذَا كُلُّ مَحَلَّةٍ مِنْ مَحَالِّ الْبَصْرَةِ فِي عِدَّةِ أَيَّامٍ
وَهَرَبَ النَّاسُ مِنْهُمْ كُلَّ مَهْرَبٍ ، وَحَرَقُوا الْكَلَأَ مِنَ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ ، فَحَرَقَتِ النَّارُ مَا وَجَدَتْ مِنْ شَيْءٍ ; مِنْ إِنْسَانٍ , أَوْ بَهِيمَةٍ , أَوْ أَثَاثٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ
وَقَدْ قُتِلَ فِي هَؤُلَاءِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ وَالْأُدَبَاءِ وَالْفُضَلَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ
وَكَانَ هَذَا الْخَبِيثُ قَدْ أَوْقَعَ بِأَهْلِ فَارِسَ وَقْعَةً عَظِيمَةً ، ثُمَّ بَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ قَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْمِيرَةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ , وَقَدِ اتَّسَعُوا بَعْدَ الضِّيقِ , فَحَسَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، فَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مَنْ سَمِعَهُ يَقُولُ : دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ , فَخُوطِبْتُ فَقِيلَ لِي : إِنَّمَا أَهْلُ الْبَصْرَةِ خُبْزَةٌ تَأْكُلُهَا مِنْ جَوَانِبِهَا ، فَإِذَا انْكَسَرَ نِصْفُ الرَّغِيفِ خَرِبَتِ الْبَصْرَةُ , فَأَوَّلْتُ ذَلِكَ بِانْكِسَافِ الْقَمَرِ
وَقَدْ كَانَ هَذَا شَائِعًا فِي أَصْحَابِهِ , حَتَّى وَقَعَ الْأَمْرُ طِبْقَ ذَلِكَ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كَانَ مَعَهُ شَيْطَانٌ يُخَاطِبُهُ ، كَمَا كَانَ يَأْتِي شَيْطَانُ مُسَيْلِمَةَ إِلَى مُسَيْلِمَةَ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وَلَمَّا أَوْقَعَ أَصْحَابُهُ مِنَ الزَّنْجِ وَغَيْرِهِمْ مَا أَوْقَعُوا بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ لِمَنْ مَعَهُ : إِنِّي صَبِيحَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ , فَرُفِعَتْ لِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ , وَرَأَيْتُ أَهْلَهَا يُقَتَّلُونَ ، وَرَأَيْتُ الْمَلَائِكَةَ تُقَاتِلُ مَعَ أَصْحَابِي ، وَإِنِّي لَمَنْصُورٌ عَلَى النَّاسِ ، وَالْمَلَائِكَةُ تُقَاتِلُ مَعِي ، وَتُثَبِّتُ جُيُوشِي ، وَتُؤَيِّدُنِي فِي حُرُوبِي
وَلَمَّا صَارَ إِلَيْهِ الْعَلَوِيَّةُ الَّذِينَ كَانُوا بِالْبَصْرَةِ , انْتَسَبَ حِينَئِذٍ إِلَى يَحْيَى بْنِ زَيْدٍ
وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ يَحْيَى بْنَ زَيْدٍ لَمْ يُعْقِبْ إِلَّا بِنْتًا مَاتَتْ وَهِيَ تَرْضَعُ ، فَقَبَّحَ اللَّهُ هَذَا اللَّعِينَ ، مَا أَكْذَبَهُ وَأَفْجَرَهُ وَأَغْدَرَهُ !
وَفِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْقَعْدَةِ وَجَّهَ الْخَلِيفَةُ مِنْ سَامَرَّا جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ الْأَمِيرِ مُحَمَّدٍ , الْمَعْرُوفِ بِالْمُوَلَّدِ لِقِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ
فَقَبَضَ فِي طَرِيقِهِ عَلَى سَعِيدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَاهِلِيِّ , الَّذِي كَانَ قَدْ تَغَلَّبَ عَلَى أَرْضِ الْبَطَائِحِ وَأَخَافَ السُّبُلَ
وَفِيهَا خَالَفَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاصِلٍ السُّلْطَانَ بِأَرْضِ فَارِسَ , وَتَغَلَّبَ عَلَيْهَا
وَفِيهَا وَثَبَ رَجُلٌ مِنَ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ : بَسِيلُ الصَّقْلَبِيُّ عَلَى مَلِكِ الرُّومِ مِيخَائِيلَ بْنِ تَوْفِيلَ ، فَقَتَلَهُ وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَمْلَكَةِ الرُّومِ
وَقَدْ كَانَ لِمِيخَائِيلَ فِي مُلْكِ الرُّومِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً
وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيُّ
المصدر...