[frame="3 80"]
حياكن الله حبيباتى
يحفظ التاريخ لنا عن شخصيتين ظهرتا في الدولة الأموية ثم الدولة العباسية اشتهرتا في التاريخ بالقوة والشدة وسفك الدماء وكان لهما الأثر البالغ في تشييد كلتا الدولتين أولهما الحجاج الثقفي، وثانيهما أبو مسلم الخراساني (100 ـ 137هـ/718 ـ 755م).
من هو أبو مسلم الخرساني ؟
عبد الرحمن بن مسلم أحد كبار قادة الثورة العباسية ودعاتها، تضاربت الروايات حول أصله، ومما زاد في غموض الأمر عدم تصريح أبي مسلم نفسه عن أصله بقوله كما يُعزى إليه:
"إنّ ديني الإسلام، وولائي لآل محمد، وأنا على الطريق الصحيح"، وقيل: إنه ادّعى النسب العربي أيضاً إلا أن هذا الادعاء جاء متأخراً،
أما الرواية التي يتناقلها كثير من المؤرخين؛ فتذكر أن أبا مسلم ولد في ماه البصرة قرية قرب أصبهان لأب فارسي مسلم وأم أَمَة،
اضطر والده تحت ظروف مالية قاهرة إلى بيع الأَمَة وكانت حاملاً بأبي مسلم إلى عيسى العجلي الذي كان يمتلك بعض الأراضي في ضواحي أصبهان،
فوضعت طفلاً ذكراً سُمِّي إبراهيم، ونشأ مع أولاد العجلي،
وبدأ يخدمهم حينما شبّ يجمع الأموال من مزارعهم المنتشرة في أصبهان والكوفة، وأصبح مولى لهم.
اتصال أبي مسلم الخرساني بإبراهيم الإمام
في الكوفة تعرَّف أبو مسلم الخرساني أول مرة على بعض الأتباع من الشيعة العلوية،
وجذبه العمل من أجل أهل البيت، وظلّ ملازماً لرجل اسمه أبي موسى السرّاج يعمل معه في صناعة السروج، ويتلقى منه الآراء الشيعية والولاء لأهل البيت،
وكان ممن تلقى أبو مسلم على يده أصول التشيع بكير بن ماهان كبير دعاة العباسيين.
وحينما التقى أبو مسلم الخرساني بهؤلاء الدعاة العباسيين رأوا فيه كفاءة وذكاء،
فكسبوه إلى دعوتهم، وأخذوه معهم إلى إبراهيم الإمام بعد أن أذن لهم بذلك أبو موسى السرّاج،
وقد رأى إبراهيم الإمام فيه الكفاءة والذكاء والقدرة،
فأخبر الشيعة العباسية بأنه قد "أمل فيه شمايل الذي يقوم بهذا الأمر (أي الثورة)، فاحفظوا به…" وبدل اسمه إلى عبد الرحمن، وكنَّاه بأبي مسلم،
وكـان عمره وقتــها تسع عشــرة سنة فقط.
بقي أبو مسلم في خدمة الإمام إبراهيم يستعمله في حمل رسائله إلى خراسان والكوفة حتى سنة 128هـ/745م، وحينما اختمرت الدعوة،
وضعف أمر الدولة الأموية في خراسان طلب النقباء الخراسانيون من إبراهيم الإمام إرسال من ينوب عنه من أهل البيت؛ ليمثله في خراسان،
فأرسل أبا مسلم، بعد أن أخفق في إقناع عدد من الرجال مثل سليمان الخزاعي وقحطبة الطائي، وإبراهيم بن سلمة.
كان أبو مسلم الخرساني على معرفة بأحوال خراسان إذ زارها عدة مرات قبل ذلك،
على أن إبراهيم الإمام حين أرسل أبا مسلم هذه المرّة قال له: "أنت رجل منا أهل البيت"،
تلك العبارة التي تدل على ثقته التامة به؛ والتي رفعت كثيراً من منزلته بين شخصيات خراسان العربية،
وهي تُذكِّر بموقف الرسول صلى الله عليه وسلم من سلمان الفارسي رضي الله عنه الذي عدَّه من أهل بيته.
أبو مسلم الخرساني وبناء الدولة العباسية
تسلم أبو مسلم الخرساني القيادة رغم معارضة شيخ الدعوة سليمان بن كثير لذلك لحداثة سن أبي مسلم، ولكنه أظهر براعة فائقة في قيادة العمل،
وكان ذو مقدرة إقناعية عالية،
فاستطاع إقناع كثير من ولاة الأمويين الذين استشعروا غروب شمس الأمويين،
ولما زادت قوة أبي مسلم دخل في طور العمل العلني وذلك سنة 129هـ عندما نزل قرية من قرى مرو عاصمة خراسان يقال لها سفيدنج، وجعلها قادة للدعوة إليها يلجأ الناس الراغبون في دعوتهم ووقع على حصنها راية السحاب إشعاراً بظهور الدولة العباسية،
وصلى بها عيد الفطر وأمر سليمان بن كثير أن يصلي بهم وبالشيعة،
وفي نفس اليوم كتب أبو مسلم لوالي خراسان نصر بن سيار يدعوه للدخول في طاعة العباسيين فأرسل له نصر جيشًا كبيرًا ولكن أبا مسلم انتصر عليه في موقعة ألين سنة 130هـ.
ونجح أبو مسلم الخرساني في وقت قصير في أن يسيطر على زمام الموقف في خراسان، وأن يهزم نصر بن سيار،
وأن يستولي على مدينة مرو قاعدة خراسان سنة 131هـ، واضطر نصر بن سيار إلى الانسحاب تتبعه الجيوش العباسية، ولكنه مات في الطريق في قرية ساوة بنواحي الري ربيع الأول 131هـ/تشرين الأول 748م.
وكان هذا هو أول صدام عسكري بين العباسيين والأمويين، وبعدها زادت قوة أبي مسلم بدرجة جعلت كل القبائل العربية المتناحرة في خراسان تتحد لحرب أبي مسلم
وكان موقفًا عصيباً على القائد الصغير، ولكنه أبدى صنوفًا من الثبات والدهاء والمكيدة لم تخطر على بال الإمام نفسه الذي ولاه،
فأوقع القبائل العربية مرة أخرى في بعضها البعض، وهو في نفس الوقت يرسل قواده يستولون على القرى والمدن من عمال نصر ولا يجدون مقاومة تذكر،
وأبو مسلم يصالح بعضهم على الآخر ويضرب هذا بذاك حتى قضى على الجميع بالمكر والغدر أحيانًا كثيرة، حتى خضعت مرو كلها له فأخذ البيعة للعباسيين فيها وصارت بلاد خراسان كلها عباسية وصارت نقطة انطلاق الجيوش العباسيين على باقي بلاد الخلافة الأموية.
وفي حين كان أبو مسلم يقوم بإتمام السيطرة على خراسان، واصلت الجيوش زحفها نحو العراق بقيادة قحطبة بن شبيب، واضطر عامل العراق يزيد بن هبيرة إلى الانسحاب والتقهقر نحو مدينة واسط جنوبي العراق والتحصن بها،
وفي هذه الأثناء مات إبراهيم الإمام في سجن الأمويين، وبويع أبو العباس السفاح بالخلافة في الكوفة في ربيع الأول سنة 132هـ،
وهُزم الخليفة الأموي مروان بن محمد في موقعة الزاب، ثم قتل في أواخر سنة 132هـ، وزالت الدولة الأموية، ولم يبق للأمويين من مدافع سوى يزيد بن هبيرة الفزاري،
فلما قُتل مروان رأى أن لا فائدة من المقاومة، فاتفق مع أبي جعفر المنصور على التسليم مقابل التأمين على حياته.
[/frame]