بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فوفاءً بحق شيخنا رحمه الله، وعرفانًا بفضله، وتعريفًا بسيرته؛ كنت قد جمعت ترجمة مطوّلة لشيخنا - في حياته - وَسَمتها بــ «
عقود الجُمان في ترجمة شيخنا المفتي أحمد حسن خان»، جمعتها من مصادر عدة، وعرضتها على كبار علماء طونك - عند زيارتي لها - وصححوا بعضَ ما ذكرت وأفادوا في مواضع أخرى، وأضع بين يديكم مختصر تلك الترجمة:
* اسمه ومولده *
هو شيخنا الحكيم المفتي الفقيه المقرئ المحدّث القاضي ملحق الأحفاد بالأجداد الشيخ أحمد حسن خان الطونكي مولدًا ونشأةً، الحنفي مذهبًا، الجيبوري سكنًا ابن المنشي محمد عبد المجيد الطونكي السيد محمدي الكمال زَئِي نسبًا.
ولد بمدينة «طونك» بولاية «راجِسْتَان» الهندية، ولتاريخ ولادته ثلاثة أقوال:
1/ عام 1910م الموافق 1327هـ، وهذا التاريخ يرجّحه ابنا شيخنا: زاهد حسن، وسعيد حسن ؛ حيث نقلت لهما ابنة عم شيخنا - وهي تكبره سنًا وتعرف بسلامة الذاكرة - أنّ شيخنا ولد في العام نفسه الذي توفي فيه جده، وهو العام المذكور.
2/ عام 1912م، وهذا مذكور في بعض أوراقه الثبوتية.
3/ عام 1914م الموافق 1332هـ، وهذا ما قيده شيخنا بخط يده في موضعين، وهكذا في جواز سفره وأوراقه الثبوتية جُلّها.
و أصول أسرته من أفغانستان، وجدوده نزحوا منها إلى «رامبور» ثم إلى طونك حيث استوطنوها.
* نشأته وطلبه للعلم *
طلب العلم على عدد من الشيوخ وعُني بتعلُّم القرآن منذ نعومة أظفاره وكان أستاذه فيه الحافظ عبد المجيد خان، ثم تعلم الأردية والحساب على الأستاذين: الكاتب محمد رفيق خان، وأستاذ آخر من المرابطين في المدرسة، كما درَس الأردية و المفردات الأساسية للغة الفارسية على الشيخ الزاهد عبد الرحمن «سُرْخْ بُوشْ» - أي الأحمر: إشارةً للباسه -.
ثم شرع بعدها بالانتظام في دراسة الفارسية فقرأ بعض الكتب على عمه الشيخ عبد الحليم كمال زئي، منها:
خالق بارئ ( كتاب منظوم في العقائد والأدب الفارسي) ، آمَد نَامَه (منظوم عن الأفعال والمصادر الفارسية)، گُلْزَار دَبِسْتَان (كتاب لتعليم الفارسية)، كريما (منظوم في الفارسية)، بَنْد نامه (في الأخلاق والآداب) ، كُلِسْتَان (في الأخلاق والآداب) ، بوستان (في الأدب الفارسي)، يوسف زليخا (في قصة يوسف عليه السلام وزوجة العزيز)، سِكَنْدَر نامه (في حكايات الملك اسكندر).
ثم بدأ بعدها مقرَّر الامتحان على يد شيخ جامعة الله آباد والمدرس بالمدرسة الناصرية؛ المنشي عزيز الرحمن خان سَالارْ زَئِي، كما قرأ على الأساتذة: أحمد علي، والسيد محفوظ، وحسن مِيان، والسيد مصطفى علي: قصائد عُرفي (قصائد في الأدب الفارسي)، وقصائد قَا آنِي (قصائد في الأدب الفارسي)، وغزليات نظيري (قصائد غزلية للشاعر نظيري في الأدب الفارسي) ، ومَثـْنَوي سحر الجلال (قصائد فارسية) ، والمصباح، والمفتاح كلاهما في الفارسية، ووقائع عالمگيري، و علم الحساب، والتاريخ، وجغرافية إقليدس.
* أشهر شيوخه ومقروءاته *
بعد أن أتم المترجَم دراسة الفارسية وعلومها اتجه إلى علوم الحديث والآلة والفقه وغيرها، وأخذ هذه العلوم عن ثلة من العلماء، منهم:
1/ الشيخ عبد الحي البنجابي.
أول أساتذته في العربية، أخذ عنه في الصرف: الميزان، والمنشعب، وصرف مير، وكتاب الصرف، وفصول أكبري، ومرح الأرواح، والشافية، وفي النحو: نحو مير، مائة منظوم، وشرح العوامل المائة، وكتاب النحو، وهداية النحو، والكافية، وفي المنطق: الصغرى والكبرى، وقال أقول، وإيساغوجي، والتهذيب وشرحه، والمرقاة، وقطبي، ومير قطبي، وفي الفقه: مُنية المصلّي، وفي أصول الفقه: أصول الشاشي، ونور الأنوار.
2/ ملَّا جيفن.
أخذ عنه في المعاني والبيان: تلخيص المفتاح، وفي الأدب: مفيد الطالبين، والمعلقات السبع، والحماسة، وديوان المتنبّي.
3/ الشيخ فضل الرحمن البنجابي.
قرأ عليه في بيته القدوري، وشرح جامي، ومشكاة المصابيح، والهدية السعيدية، ومصطلحات الحديث.
4/ الشيخ محمد مصطفى مكي بن حافظ محمد صديق الطونكي.
تعلَّم التجويد على يديه وحفظ القرآن الكريم وقرأه عليه كاملاً برواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية والدرة عام 1355هـ، وقرأ عليه كذلك كتب التجويد بعضها: كالفوائد المكية لعبد الرحمن الهندي، وذلك في المدرسة الأميرية القرآنية في موطنه، وأجازه.
5/ الشيخ القاضي محمد عرفان بن عبد الحليم الطونكي (1308-1381هـ) - صدر المفتين بطونك -.
لازمه شيخُنا طويلًا ودرس عليه في بيته قريبًا من خمسَ عشرةَ سنة، وقرأ عليه: نوادر الأصول وشرح الفصول، وأثناء ذلك درس بعض الكتب الأخرى على الشيخ عبد الستار البخاري.
ثم أخذ عن شيخه محمد عرفان كذلك: شرح الوقاية، والهداية، وموطأ الإمام محمد بن الحسن، والجلالين، ومختصر المعاني، وسراجي في الفرائض، ونخبة الفكر، وشرح عقائد النسفي وغيرها، وتعلم على يديه الطب اليوناني، ودرس فيه: موجز القانون، و شرحيه للسديدي والنفيسي، وشرح الأسباب والعلامات، وحميَّات القانون وكلياته ومعالجاته، ثلاثتها لابن سينا، وأجازه في الحديث والطب.
قلتُ: ومما لاشك فيه أن شيخنا قد أخذ كتبًا كثيرة على شيخه غير ماذكرت، وربما تكون الستة من بينها والحصن الحصين والشمائل وغيرها، وأكّد لي ذلك عددٌ من علماء منطقته ممن عرفه عن كثب مثل شيخنا المقرئ المفتي محمد سعيد بن محمد يوسف الطونكي، أو تتلمذ عليه سابقًا كالشيخ المفتي المربي الفاضل محمد عامر بن محمد عمران بن محمد عرفان الطونكي الندوي، ولكن لا نستطيع الجزم بذلك؛ لا سيما وأن شيخنا لم يقيد بعض ذلك إلا بأخرة.
6/ الشيخ عبد الرحمن الجشتي (1885-1956م).
أخذ عنه شيخنا في المدرسة الخليلية شرح الهداية في الحكمة للميبذي ، والتوضيح والتلويح.
7/ الشيخ العلامة منتخب الحق بن نور الحق القادري (1332-1408هـ) - مفتي العدالة الشرعية في عهد إمارة طونك وصدر المدرسين بالمدرسة الخليلية -.
وهو وإن كان في سن شيخنا تقريبًا إلا أن شيخنا أخذ عنه في المدرسة الخليلية: الأمات الست كاملةً، كما قرأ عليه موطأ محمد بن الحسن، وكتباً أخرى، وقرأ عليه الشمائل المحمدية للترمذي جميعه قبيل الفجر - كما ذكر ذلك شيخنا بخطه -.
وهو من الموقعين بالإجازة على سند فراغ الشيخ من المدرسة الخليلية في طونك، وفي السند ما نصُّه:
«
فلما فرغ من تحصيل العلوم وقرأ علينا فاتحة الفراغ، وساق في العلوم المساغ، وطلب منا الإجازة كما هو شأن أهل الرواية، ودأب أصحاب الدراية؛ كتبنا له هذه الإجازة لتكون منا تذكرةً، وله سندًا عند مس الحاجة ...».
8/ الشيخ العلامة حيدر حسن بن أحمد حسن الطونكي (1281-1361هـ).
عمدة روايته في الحديث؛ فقد أخذ عنه كامل الستة - بين سماع وقراءة - وبدأ عليه مطلع عام 1359هـ، كما قرأ عليه موطأ الإمام مالك برواية يحيى الليثي، وتفسير البيضاوي، وحاشية ملا حسن.
ويذكر شيخنا - رحمه الله - من زملائه في هذه الدورة: ضياء أحمد خان، ورشيد عالم البخاري.
9/ الشيخ المعمّر يوسف خان الأفغاني - صاحب " بَنْجْ كَنْجْ ".
درس عليه في بيته كتبًا في: التاريخ، والعروض، والقوافي، وبعض كتب الأدب العربي، وكان يسكن بجوار شيخ شيخنا القاضي محمد عرفان، وهو أستاذ الأخير أيضًا.
10/ الشيخ محمد بن يوسف السُورَتي (1307-1361هـ).
ذهب إليه شيخنا بتوجيه من شيخه حيدر حسن الطونكي - كما كتب ذلك شيخنا بخط يده-؛ فكتب ما نصُّه: " وقد أمرني العلامة حيدر حسن من الاستفادة من الأديب محمد يوسف السورتي "، فذهب إليه وقرأ عليه مؤلَّفَه أزهار العرب، والفخري في الآداب السلطانية، والكافي في العروض والقوافي، والمعلقات، والحماسة لأبي تمام، وديوان المتنبي.
11/ الشيخ المقرئ محمد حبيب الله بن غلام حيدر الأفغاني (1317-1400هـ).
جمع عليه شيخنا القراءات العشر من طريق الشاطبية والدرة عام 1361هـ وذلك في المدرسة الفرقانية، كما قرأ عليه منظومة عقيلة أتراب القصائد في أسنى المقاصد، وحرز الأماني للشاطبي، ومتن الدرة المضيئة لابن الجَزَرِي، ومتن الوجوه المسفرة للمتولي، وأجازه.
12/ الشيخ العلامة محمود حسن بن أحمد حسن خان الطونكي (ت 1366هـ) - صاحب معجم المصنفين -.
من الموقعين بالإجازة على سند الفراغ.
13/ النواب محمد سعادت علي خان الملقب بـ «سعيد الدولة وزير الملك» - نواب طونك -.
من الموقعين بالإجازة على سند الفراغ.
14/ الحكيم ظهير أحمد البركاتي - الطبيب الخاص للنواب -.
من الموقعين بالإجازة على سند الفراغ.
** والشيخ - رحمه الله - لايروي عن الشيخ القاضي محمد علي الطونكي **
* الشيخ طبيبًا *
درَس شيخنا الطب اليوناني وصناعة العقاقير على جماعة من العلماء الحكماء، منهم:
# المفتي الحكيم خليل الرحمن - أقدم تلامذة الحكيم بركات أحمد الطونكي.
# تعلّم الطب اليوناني وحصل على سنده من شيخه الحكيم القاضي محمد عرفان بن عبد الحليم الطونكي - صدر المفتين وأمين العدالة الشرعية - سنة 1364هـ.
# درس الطب كذلك على الحكيم سيد أمير حسن (سُها) المحدث الدهلوي - الملقب بتاج العلماء وقُلْزم العلوم - ابن غضنفر علي، وقرأ عليه شرح الأسباب والعلامات، حَمِيَّات قانون وغيرها من الكتب، ومكث في مطبّ أستاذه مدة حتى أجازه فيه سنة 1365هـ.
# درس بنفسه وطالع عدة كتب في الطب منها: القانونجه، وموجز القانون، والسديدي، والنفيسي، والأقصراني، وشرح الأسباب والعلامات، قانون الشيخ الرئيس الكامل (الكليات، الأدوية المفردة، والمعالجات، والحميات، والقَرَابَادِينِيات) ثم حضر ميدانيًا في المستوصف الطبي لفترة.
# عمل في هذا المجال سنوات في طونك ثم جيبور، وله مركز طبي كان يعالج فيه، وظلّ يتردد عليه إلى قبيل وفاته.
* أعماله *
1/ مدرس بالمدرسة الفرقانية بطونك.
2/ مفتي العدالة الشرعية بطونك.
3/ عضو هيئة الوقف بولاية راجستان.
4/ عضو لجنة الهلال الأحمر بجيبور.
5/ عضو لجنة كلية الطب اليوناني بجيبور، وغيرها.
وكان شيخنا - رحمه الله - يجيد اللغة العربية والأردية والفارسية والهندية.
* مصنفاته *
1/ فتاوى العلم والحكمة (3 مجلدات)، رتبها وعلّق عليها تلميذه المفتي محمد ذاكر الجيبوري (مطبوع).
2/ أشعار العرب في العلم والأخلاق والأدب (مطبوع).
3/ رسالة في ترجمة الشيخ حيدر حسن خان الطونكي (مخطوط).
4/ تعليقات على بعض الكتب الطبية القديمة (مخطوط).
5/ رسالة في الصيام (مخطوط).
* أسرته *
ولد شيخنا - رحمه الله - لأبوين كريمين حرصا عليه، فوالده كان كاتبًا (منشي) للأحكام السلطانية عند أخي النوّاب، ولشيخنا أخوان.
وتزوج شيخنا في شبابه من السيدة الفاضلة حبيب النساء بنت المنشي عبد الوحيد خان، وتوفيت رحمها الله عام 2014م وعمرها كان قد تجاوز المائة ربيعًا، وقد أنجب منها عددًا من الأبناء:
* زيب النساء، تسكن في طونك ولها ابنة تربو على الخمسين عامًا.
* حبيب حسن: حكيم في الطب اليوناني، وتوفي عام 2012م.
* عزيز حسن: مدرس حكومي للقانون، متقاعد.
* سعيد حسن: مفتش في شعبة التغذية والصحة، متقاعد.
* زاهد حسن: حكيم في الطب اليوناني منذ أكثر من 45 سنة، وهو القائم مقام والده في مطبّه اليوم.
* ذاكر حسن: طبيب بشري، وله عيادة طبية بجيبور.
* وفاته *
توفي - رحمه الله - ضحوة يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر صفر سنة 1438هـ بمدينة «جيبور»، وصُلّي عليه بعد صلاة الجمعة، وشهد جنازته الآلاف من الطلاب والعلماء والمحبين، رحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه جنات تجري من تحتها الأنهار.
وكتبه أفقر العباد إلى مولاه:
عمر بن محمد سراج حبيب الله
حالًا بمدينة «جدّة»، ليلة السادس والعشرين من صفر سنة 1438هـ.
--------------------------------
* مصادر الترجمة *
1/ تقييدات بخط شيخنا رحمه الله.
2/ ترجمة باللغة الأردية في مقدمة فتاواه.
3/ معلومات أفادنيها صاحبنا الشيخ المفضال حمد بن بخيت بن حنيف المرّي، جزاه الله عنّي خيرًا، نقلًا عن المفتي محمد ذاكر الجيبوري.
4/ جلسات متعددة مع عدد من علماء طونك.
5/ جلسة مع ابنه الدكتور ذاكر حسن.
المصدر...