مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 267 هـ - 269 هـ )
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=370490
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ
فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ صَاحِبِ الزَّنْجِ قَبَّحَهُ اللَّهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُوَفَّقَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ شَأْنِ مَدِينَةِ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَهِيَ الْمُخْتَارَةُ , وَاحْتَازَ مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَقَتَلَ مَنْ كَانَ بِهَا مِنَ الرِّجَالِ ، وَسَبَى مَنْ وَجَدَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ
وَقَدْ هَرَبَ صَاحِبُ الزَّنْجِ عَنْ حَوْمَةِ الْجِلَادِ وَالنِّزَالِ ، وَسَارَ إِلَى بَعْضِ الْبِلَادِ طَرِيدًا شَرِيدًا بِشَرِّ حَالٍ
عَادَ الْمُوَفَّقُ - وَفَّقَهُ اللَّهُ - إِلَى مَدِينَتِهِ الْمُوَفَّقِيَّةِ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا
وَقَدِمَ عَلَيْهِ لُؤْلُؤَةُ , غُلَامُ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ , مُنَابِذًا لِسَيِّدِهِ , سَمِيعًا مُطِيعًا لِلْمُوَفَّقِ ، فَكَانَ وُرُودُهُ عَلَيْهِ فِي ثَالِثِ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ
فَأَكْرَمَهُ الْمُوَفَّقُ وَعَظَّمَهُ , وَأَعْطَاهُ وَخَلَعَ عَلَيْهِ , وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ ، وَبَعَثَهُ طَلِيعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ لِقِتَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ , وَرَكِبَ الْمُوَفَّقُ فِي الْجُيُوشِ الْكَثِيفَةِ الْهَائِلَةِ وَرَاءَهُ ، فَقَصَدُوا الْخَبِيثَ وَقَدْ تَحَصَّنَ بِبَلْدَةٍ أُخْرَى ، فَلَمْ يَزَلْ مُحَاصِرًا لَهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْهَا ذَلِيلًا وَهُوَ صَاغِرٌ ، وَاسْتَحْوَذَ عَلَى مَا كَانَ بِهَا مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْمَغَانِمِ
ثُمَّ بَعَثَ السَّرَايَا وَالْجُيُوشَ وَرَاءَهُ ، فَأَسَرُوا عَامَّةَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَحُمَاتِهِ ; مِنْهُمْ : سُلَيْمَانُ بْنُ جَامِعٍ
فَاسْتَبْشَرَ النَّاسُ بِأَسْرِهِ , وَكَبَّرُوا فَرَحًا بِالنَّصْرِ وَالْفَتْحِ
وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ بِمَنِّ مَعَهُ حَمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى أَصْحَابِ الْخَبِيثِ , فَاسْتَحَرَّ فِيهِمُ الْقَتْلُ ، وَمَا انْجَلَتِ الْحَرْبُ حَتَّى جَاءَ الْبَشِيرُ بِقَتْلِ الْخَبِيثِ صَاحِبِ الزَّنْجِ فِي الْمَعْرَكَةِ
وَأَتَى بِرَأْسِهِ غُلَامُ لُؤْلُؤَةَ , فَتَى أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ
فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ رَأَسُهُ بَعْدَ شَهَادَةِ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِذَلِكَ ، خَرَّ سَاجِدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , ثُمَّ انْكَفَأَ رَاجِعًا إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ ، وَرَأْسُ الْخَبِيثِ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَسُلَيْمَانَ مَعَهُ أَسِيرٌ ، فَدَخَلَ الْبَلَدَ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا
وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ
ثُمَّ جِيءَ بِأَنْكَلَايَ , وَلَدِ صَاحِبِ الزَّنْجِ , وَأَبَانِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُهَلَّبِيِّ ، مُسَعَّرِ حَرْبِهِمْ ، مَأْسُورَيْنِ ، وَمَعَهُمَا قَرِيبٌ مِنْ خَمْسَةِ آلَافِ أَسِيرٍ ، فَتَمَّ السُّرُورُ
وَهَرَبَ قِرْطَاسٌ الَّذِي رَمَى الْمُوَفَّقَ فِي صَدْرِهِ بِذَلِكَ السَّهْمِ إِلَى رَامَهُرْمُزَ
فَأُخِذَ وَبُعِثَ بِهِ إِلَى الْمُوَفَّقِ
فَقَتَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ وَلَدُ الْمُوَفَّقِ
وَاسْتَأْمَنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ جُيُوشِ الزَّنْجِ
فَأَمَّنَهُمُ الْمُوَفَّقُ ، وَنَادَى فِي النَّاسِ بِالْأَمَانِ ، وَأَنْ يَرْجِعَ كُلُّ مَنْ كَانَ أُخْرِجَ مِنْ دِيَارِهِ بِسَبَبِ فِتْنَةِ الزَّنْجِ إِلَى أَوْطَانِهِمْ وَبُلْدَانِهِمْ ، ثُمَّ قَدَّمَ وَلَدَهُ أَبَا الْعَبَّاسِ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى بَغْدَادَ , وَمَعَهُ رَأْسُ الْخَبِيثِ يُحْمَلُ لِيَرَاهُ أَهْلُ بَغْدَادَ
فَدَخَلَهَا لِثِنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيتْ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ , وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا بِبَغْدَادَ ،
وَانْتَهَتْ أَيَّامُ صَاحِبِ الزَّنْجِ الْمُدَّعِي الْكَذَّابِ ، قَبَّحَهُ اللَّهُ
وَقَدْ كَانَ ظُهُورُهُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَقُتِلَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ
وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَقْبَلَتِ الرُّومُ فِي مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ ، فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ طَرَسُوسَ
فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَبَيَّتُوهُمْ ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى الصَّبَاحِ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
وَقُتِلَ الْمُقَدَّمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ , وَهُوَ بِطْرِيقُ الْبَطَارِقَةِ ، وَجُرِحَ أَكْثَرُ الْبَاقِينَ ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ غَنِيمَةً عَظِيمَةً ; مِنْ ذَلِكَ : سَبْعُ صُلْبَانٍ مَنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ , وَصَلِيبُهُمُ الْأَعْظَمُ عِنْدَهُمْ ، وَهُوَ مٍنْ ذَهَبٍ صَامِتٍ ( صرف ) مُكَلَّلٍ بِالْجَوَاهِرِ ، وَأَرْبَعَةُ كَرَاسٍ مِنْ ذَهَبٍ ، وَمِائَتَا كُرْسِيٍّ مِنْ فِضَّةٍ ، وَآنِيَةٌ كَثِيرَةٌ ، وَعَشَرَةُ آلَافِ عَلَمٍ مِنْ دِيبَاجٍ ، وَغَنِمُوا حَرِيرًا كَثِيرًا , وَخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ دَابَّةٍ , وَسُرُوجًا وَسِلَاحًا وَسُيُوفًا مُحَلَّاةً ، وَشَيْئًا كَثِيرًا جِدًّا ,
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ أَوَّلًا وَآخِرًا .
المصدر...