مملكة فطاني الإسلامية المنسية: قصة لاجئ أسلم على يديه ملك ووزراؤه وشعبه: (751 هـ- 1457م):
◀ كانت مملكة (فطاني)(جنوب تايلند) مشهورة بمينائها الكبير الذي يعد من أكبر موانئ العالم آنذاك ، وهذا جعلها مركزاً هاماً لاستيراد وتصدير البضاعة من أوروبة إلى شرق آسيا.
◀وأما قصة إسلام هذه المملكة فقد دارت في منطقة كانت تسمى قديماً بفطاني، وتقع في جنوب تايلند حالياً، وكانت منطقة بوذية، حلّ فيها شخص اسمه الشيخ صفي الدين، احدث تحولا استراتيجيا في تلك البلاد، منذ عام (751 هـ- 1457م) أي منذ حوالى 700 عاما وحتى الآن، فمنذ ذلك الحين فإن تموجات الاسلام في تلك البلاد، ليس فقط في فطاني وانما حواليها ايضا، انبعثت وانطلقت من ذلك الرجل.
◀لقد كان الشيخ صفي الدين رجلاً واحداً، لكنه ابتغى من الله (فضلا) بالطب و(رضوانا) بتسخير معرفته بالطب للهداية، فرفعه الله الى ما رفعه اليه وكان سببا في إسلام شعب بأكمله.
◀تروي القصة الحقيقية ان ملك تلك البلاد الذي اسمى نفسه لاحقا بعدما أسلم محمد شاه كان بوذياً اسمه إندراسري وانغ سا هذا الملك البوذي مرض واشتد مرضه وتصدى لعلاجه أمهر الأطباء فعجزوا جميعاً عن علاجه، فأمر أن تدق الطبول وأن يعلنوا في أنحاء البلاد: ان كل من يستطيع ان يعالج الملك فليأت وليعرف نفسه، وهنا وجد الشيخ صفي الدين في ذلك فرصة مثالية للهداية
◀الشيخ صفي الدين جاء إلى البلاط الملكي وقال للملك علاجك عندي ولكن بشرطين، وعندما وافق الملك مبدئياً على الشرطين قال الشيخ صفي الدين: الشرط الأول ان لا تمنع حركة الدعوة الإسلامية والتبليغ الاسلامي في بلادك بعدها، فقال الملك هذا الشرط مقبول. قال الشيخ: واما الشرط الثاني – وهو اقتراح وليس شرطاً – فهو اذا شفيت ان تسلم اعني ان تستمع إلى أدلتي جيداً فلو تمت عليك الحجة تسلم، وافق الملك فعالجه الشيخ فشفي الملك تماما، فرفع الحضر عن الدعوة في بلاده، ثم استمع لأدلة الشيخ صفي الدين فاسلم واسمى نفسه محمد شاه واطلق على مملكته فيما بعد اسم دار السلام تعبيراً عن حبه للإسلام.
◀ولقد كان الشيخ صفي ذكيا وكان يعلم ان بعض خيوط البلاد بيد من هم حول الملك، فجند نفسه لتعليم وهداية أسرة وعشيرة واحفاد الملك وعلى ضوء ذلك فإن ابناء الملك (مظفر ومنصور) اسلما ثم صارا ملكين فيما بعد.
◀وبعد رحيل منصور الملك جاء ابنه بهدور الذي كان مسلماً أيضا، وقد جرى اغتيال بعض هؤلاء، ثم بعد أولئك جاءت امرأة مسلمة من الأسرة المالكة لقبها (راج هيجو)، وعندما يقرأ المرء سيرتها يتمنى ان حكامنا إن لم يتعلموا من هذه المرأة. فقد قامت هذه المرأة بنهضة عمرانية وزراعية وصناعية كبرى في البلاد وكانت السبب الأساس ومن حولها من المستشارين في استتباب الامن والاستقرار في البلد، ولذلك دخل بعد هذا التطور النوعي الناسُ في دين الله افواجا.
◀وهكذا نجد ان شخصاً واحداً بلغ الذروة في التوفيق عندما ابتغى من الله فضلا بعلم الطب، وابتغى من الله رضوانا بتسخيره علم الطب لهداية الأمة عبر هداية الحاكم ثم هداية أسرته والمجاميع الأخرى.
...........
✍: ولمن اراد التعرف على مجد وعز هذه المملكة وكيفية استعمارها وزوالها فليتابع معي:
◀◀ولعقود طويلة ظلت العلاقة بين فطاني وجارتها «سيام» تايلاند علاقة توتر وحروب أدت في نهاية المطاف إلى اعتقال (تانكو عبد القادر قمر الدين) آخر ملوك فطاني المسلمين وسيطرة تايلاند على فطاني بشكل كامل عام 1321 هـ - 1902 م. وفي الاتفاقية التي وُقِّعَت بين بريطانيا وسيام آنذاك قسمت سلطنة الملايو المسلمة بين الدولتين فخضعت فطاني ويالا وساتون وسونغلا وناراثيوات لتايلند، الأمر الذي أنهى تماماً كل المعالم السياسية والجغرافية لتلك السلطنة العظيمة.
◀ومنذ ذلك الحين سعت الحكومة التايلندية الكافرة إلى تغيير التركيبة السكانية لتلك الولايات المسلمة من خلال توطين آلاف البوذيين فيها وتمليكهم أخصب الأراضي، كما انتشرت المعابد البوذية في كل أنحاء الجنوب، وأقامت الحكومة أضخم تمثال لبوذا في ولاية ناراثيوات (أقل الولايات المسلمة من حيث الكثافة البوذية)، وعندما رفض خمسة طلاب مسلمين أمراً من الجنود التايلنديين بالسجود للتمثال تم قتلهم بطريقة وحشية، وقد أدت الحادثة التي وقعت في عام 1975م إلى مظاهرات كبيرة نظمها المسلمون لأكثر من أربعين يوماً مطالبين بمحاكمة الجناة إلا أن الحكومة رفضت الاستجابة لهم، كذلك تَعرَّض المسلمون لسياسات قاسية حرمتهم كثيراً من حقوقهم فتم منعهم من التعليم بلغتهم المالاوية وفُرضت عليهم اللغة السيامية، كما قامت الحكومة بفرض مناهج تعليمية تخدم مصالحها، وقامت بإغلاق الكتاتيب التي تعلِّم القرآن والقراءة والكتابة، وعلى الطلاب الذين يريدون الانتساب إلى مدارس الحكومة أن يغيروا أسماءهم العربية أو الملاوية إلى أسماء سيامية أو بوذية، كما حرَّمت ارتداء الحجاب على النساء المسلمات، إضافة إلى تشجيع البعثات التنصيرية للعمل بالجنوب، ناهيك عن الدس الرخيص في الكتب الإسلامية.
◀فرضت السلطات على الأطفال دراسة البوذية بشكل كامل في مدارسها فلجؤوا إلى نظام «البون دوك» الذي حافظ على الهوية الدينية والحضارية لمسلمي فطاني.
◀والبون دوك هي المدارس الدينية وهي أشبه بالكتاتيب، ولكن نظام الدراسة بها يشبه إلى حد كبيـر نظام المدارس الداخلية؛ حيث يقيـم الطلاب فيهـا لعـدة سنوات ولا يدرسون سوى القرآن الكريم واللغة العربية والعلوم الشرعية إضافة إلى اللغة المالاوية، وقد ظلت هذه المدارس بعيدة عن دائرة الضوء إلى أن بدأت بعض الأوساط الغربية تشير إلى خطورتها لأنها تعتمد الأسلوب الطالباني في التعليم، إلا أن «كريساك شونهارن» - وهو سيناتور في مجلس الشيوخ التايلندي - أشار إلى أن تايلاند لم تكن نزيهة في تعاملها مع المسلمين وهو ما أدى إلى انصرافهم إلى مدارسهم الدينية الخاصة، والذي أدى ارتيادها على المحافظة إلى حدٍّ كبير على الهوية الإسلامية في جزر الملايو عموماً، ولكن ثمة مشكلة مزمنة تواجه خريجي تلك المدارس؛ وهي: أنهم لا يستطيعون الالتحاق بالجامعة لاستكمال تعليمهم فيضطرون للسفر إلى الدول العربية والإسلامية على نفقتهم الخاصة أو من خلال بعض البعثات المجانية، وهم بعد ذلك قد لا يجدون فرصة عمل مناسبة فيضيع مجهودهم سدىً ودون فائدة تذكر.
◀معلومات عن فطاني:
تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن مسلمي تايلاند يشكلون 5 % من عدد السكان البالغ 65 مليون نسمة، وثمة أقوال أخرى تؤكد على أن عددهم ربما يصل إلى 10 % من عدد السكان، ويتركز حوالي 80 % من المسلمين في أقاليم فطاني وناراثيوات وساتون ويالا وسونغلا بجنوب البلاد ذات الهوية الإسلامية الذي يضم أكثر من 2180 مسجداً، ويعدُّ إقليم فطاني أو باتاني pattani - كما تشير إليه المصادر التايلاندية الرسمية في محاولة لمحو اسمه التاريخي - هو قلب المسلمين النابض في الجنوب بما له من تاريخ عريق؛ حيث كان مركز المملكة الإسلامية لقرون طويلة، والآن يشكل المسلمون به أغلبية تقدَّر بـ 88 % من عدد سكانه البالغ السكان في فطاني. فالسكان في فطاني هم جزء من الشعب الملايوي عرقياً و تاريخياً و يبلغ عددهم حسب آخر الاحصائيات حوالي ستة ملايين نسمة.
◀وتقع فطاني بين خطي عرض 5ْ – 8ْ شمال خط الاستواء في قلب جنوب شرق آسيا شبه جزيرة الملايو التي تضم حاليا ماليزيا – سينغافورة – إندونيسيا – بروناي و فطاني، وهي جزء من جزر الملايو، تحدها ماليزيا من الجنوب وتايلاند من الشمال والمحيط الهندي غربا وبحر الصين شرقا.
◀الاقتصاد في فطاني:
تعد دولة فطاني رغم صغرها من أغنى دول المنطقة بثرواتها الطبيعية و المعدنية كالقصدير و الذهب و المطاط الطبيعي و الأخشاب و جوز الهند و الأرز و الأسماك و النفط و الغاز الطبيعي و غيرها , فالدخل القومي بالنسبة لهذه الولايات الأربعة أكثر من 35% مقارنة بالدخل العام لتايلاند كلها و التي تحوي 71 محافظة باسثناء فطاني , و خاصة إذا أضيف الاكتشافات الجديدة لحقول البترول و الغاز الطبيعي في شواطئ فطاني.
◀مصدر رزقهم:
◀يعتمد مسلمو الجنوب في حياتهم على صيد الأسماك والتجارة البحرية وزراعة المطاط حيث حالت الأوضاع السياسية المتوترة لفترات طويلة دون انخراطهم في الوظائف الحكومية، ومعظم المشاريع الكبيرة يمتلكها البوذيون ولا يمثل المسلمون إلا العمالة الرخيصة فيها، ونتيجة لهذه الأوضاع السيئة فقد تكونت بالجنوب حركات انفصالية قوية من أبرزها جبهة التحرير الوطني وجبهة المسلمين لتحرير فطاني والمنظمة المتحدة لتحرير فطاني، وبعضها ينادي بالاستقلال التام عن تايلاند، بعضها الآخر ينادي بالانضمام إلى ماليزيا، وبعيداً عن هذه الحركات الانفصالية فإن مطالب المسلمين تتلخص في تعيين حاكم مسلم على أقاليم الجنوب المسلمة، وأن يكون 80% من موظفي الحكومة بفطاني مسلمين، وأن تكون اللغة الملايوية هي لغة التعليم بالمدارس واللغة الرسمية لأهل فطاني مع تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن تجاهل السلطة المركزية في بانكوك لهذه المطالب يؤدي إلى موجات متلاحقة من العنف والاحتجاجات، ومن أشهرها حادثة تكباي التي وقعت في رمضان 1427 هـ، وراح ضحيتها 86 مسلماً ماتوا اختناقاً أو برصاص الجيش التايلاندي الذي استخدم العنف لقمع مظاهرة سلمية من أجل الاحتجاج على اعتقال بعض الشباب المسلمين، وقبل تكباي ببضعة أشهر كان مسجد كروسي التاريخي مسرحاً لحادثة دموية أخرى، عندما هاجمت مجموعة من الشباب بعض مراكز الشرطة، ثم فرت إلى المسجد، فقامت قوات الأمن باقتحامه لتقتل ما بين 32 و38 من المعتصمين بداخله، ولا تزال آثار الرصاص على الجدران شاهدة على ما سمته لجنة التحقيق في الحادث بالقوة المفرطة من قِبل الجيش، وجاءت سياسة رئيس الوزراء السابق « تاكسين شيناواترا « لتزيد الأوضاع سوءاً، حيث استثمر الرجل أجواء الحرب ضد الإرهاب فأعلن تطبيق قانون الطوارئ في الولايات الجنوبية، ووضعها تحت إشراف وزارة الداخلية بالكامل سنة 2005م، وحين قدم زعماء المسلمين في تايلاند خطة للمصالحة إلى وزير الداخلية تتضمن دعوة الحكومة لانتهاج حلول سليمة وعادلة لأزمة مسلمي الجنوب، تبدأ بعدم التوسع في المشروعات السياحية المرتبطة بالرذيلة وتجارة الجنس وأندية الليل والتي تثير حفيظة المسلمين وغضبهم، وإنشاء آلية مركزية لتقليل التوترات بين الدولة والسكان المحليين، مع التزام الحكومة بالقصاص من مرتكبي جرائم العنف سواء أكانوا من مسؤولي الدولة أم من المتمردين المشتبه بهم، كان الردّ قاسياً حيث قامت الحكومة بحملة قمع جديدة تحت شعار ارتباط بعض الجماعات الإسلامية في الجنوب بالتنظيمات الإرهابية الدولية، ونتيجة لذلك تصاعدت أعمال العنف ما أدى إلى مصرع حوالي 3500 فرد نصفهم من المسلمين، وبعد الإطاحة بشيناواترا اعتذرت الحكومة الجديدة برئاسة سورايود شولانوت رسمياً عن ممارساتها بحق مسلمي تايلاند، ولكن شيئاً لم يتغير على أرض الواقع، حيث أشار تقرير لمنظمة العفو الدولية إلى أن ثمة تصاعداً في عمليات التعذيب بمراكز الاعتقال والسجون في الجنوب، وهى أماكن لا يسمح لمنظمات حقوق الإنسان بزيارتها.
◀وعلى الرغم من إعلان حكومة «آبهيسيت فيجاجيفا» التي جاءت إلى الحكم في ديسمبر 2008م عن نيتها تحسين أوضاع مسلمي الجنوب فإن ما حدث هو العكس تماماً، فتم تجديد العمل بقانون الطوارئ في الجنوب، وارتفع عدد قوات الجيش والشرطة فيه إلى أكثر من 30 ألفاً بحجة فرض الأمن والاستقرار على المنطقة بالقوة، ولا يتوقع الكثيرون تحسناً جذرياً في أحوال مسلمي فطاني في عهد حكومة السيدة «ينغلوك شيناواترا» التي وصلت إلي سدة الحكم في أغسطس 2011 م ( ينغلوك أول امرأة تترأس الوزارة في تايلاند وهي أيضاً شقيقة رئيس الوزراء السابق «تاكسين شيناواترا الذي أذاق المسلمين أشكالاً من القهر!!)..
◀وقد أشار عبد الرشيد هامي نائب عميد أكاديمية الدراسات الإسلامية والعربية في جامعة ناراديواس راجنكرين التايلاندية خلال ملتقى لرابطة خريجي الأزهر بالقاهرة إلى ما يتعرض له مسلمو تايلاند من تضييق وانتهاكات، وألمح إلى الدور الكبير الذي يقوم به اليهود في تأجيج الصراع وتحريض الحكومة على المسلمين، مضيفاً: أن الحكومة تقوم بفرض ضرائب فادحة على الفلاحين والمزارعين بالجنوب لكسر شوكتهم وهو ما ينذر بمزيد من التدهور ما لم تتدخل الدول الإسلامية، وبالذات ماليزيا وإندونيسيا بالتنسيق مع منظمة المؤتمر الإسلامي والهيئات الدولية الأخرى المهتمة بحقوق الإنسان لتحسين الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لمسلمي تايلاند.
◀السياسة التايلاندية نحو فطاني:
لجأت الحكومة التايلاندية إلى تهجير العديد من البوذيين إلى فطاني لتخفيف عدد المسلمين و منحتهم حق الاستيطان لتضعيف الشعب الفطاني اقتصادياً و اجتماعياً, و عزلت فطاني عن العالم الخارجي و منعت الصحافيين الدوليين من نشر القضية الفطانية و اعتبرتها مشكلة داخلية لا تتدخل فيها القانون الدولي , و نشرت المعابد البوذية و تحريف الأماكن و تغييرها و كذلك أسماء أبناء المسلمين و عملت أيضا على :
توطين المهاجرين التايلانديين البوذيين من الشمال بهدف إحداث خلل في التركيبة السكانية.
فرض التعليم باللغة السيامية (التايلندية) بدلا من الملايوية والعربية.
إغلاق الكتاتيب التي تعلم القرآن الكريم.
نشر الفواحش والمفاسد بين المسلمين بإقامة بيوت الدعارة المرخصة والملاهي الليلية وتعليم الرقص في المدارس.
العمل على إفقار المنطقة، وتسليم الأراضي الخصبة فيها إلى الأقلية البوذية.
محاولات لمحو الهوية الإسلامية من خلال قيام السلطات التايلاندية في شن حملات على المساجد الإسلامية وتدميرها الأمر الذي أدى خراب الكثير من المساجد الأثرية وسائر المعالم التاريخية الإسلامية. ويصل عدد المساجد في فطاني اليوم إلى 385 مسجدًا.
رشيد ابو ناجي الحسن
.....................
المصدر:
1⃣كتاب “الأقليات المسلمة في العالم”
2⃣فطاني للأستاذ محمود شاكر.
3⃣مجلة العالم الإسلامي الاثنين 27 ربيع الثاني سنة 1428هـ2007م العدد 198
المصدر...