عن زُرارة بن أوفى،أنه قال:
(لقيت عدّة من أصحاب النبي-صلى الله عليه وسلم-،فاختلفوا عليّ في اللفظ، واجتمعوا في المعنى). أورده ابن رجب في شرح علل الترمذي.
هذه نص عزيز يحتاج الوقوف عليه:
🔘 أولا: يدلنا هذا النص على الظهور المبكر للنقد، وعلى مواكبة النقد للرواية، فالظاهرة النقدية تأصيلا وتقعيدا لا يمكن أن تتخلف عن الرواية.
🔘 ثانيا: ويدلنا أيضا على وسيلة من وسائل النقد، وهي التي طالما استعملها النقاد في بيان أوهام الرواة؛ هذه الوسيلة هي المقارنة بين الرواة لبيان: الموافقة( والتي تظهر هنا في المعنى) أوالمخالفة أوالتفرد.
🔘 ثالثا: وسيلة المقارنة وسيلة نقدية فاعلة في منهج النقاد تحتاج إلى أمر غاية في الأهمية حتى تتم بصورة علمية موضوعية منطقية نقدية سليمة هذا الأمر هو: (( اتحاد التحمل وظروفه، للمقارنة به حال الأداء))
فالضبط المطلوب في شرط قبول الأخبار هو : أداء الراوي للحديث كما تحمله، والحكم عليه لا يكون إلا بالمقارنة مع من شاركه التحمل.
🔘 رابعًا: في طبقة زرارة نجد أنه تحمل هذه الأحاديث عن عدد من الأصحاب ممن أخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم وقارن بينها ثم حكم على الأداء، وهذه هي الممارسة النقدية السليمة
🔘 خامسا: هل هذا يعد دليلا على التصحيح بالشواهد ، أقول: لقد ابتعد كثيرا من قال بهذا، بل وفارقه الهدوء والتروي، والسبب في ذلك الآتي:
1. رواية زرارة في طبقة متقدمة لم تختلف ظروف تحملها، حتى تختلف ظروف أدائها، بل التلميذ واحد والشيوخ كثر، وهو أتقن رواية كل شيخ والتي قام الصواب بها، ثم عقد المقارنة بينها، ليجد أنها اتفقت على المعنى واختلفت في اللفظ، ولم تكن ثمة رواية ضعيفة صححتها رواية صحيحة. وهذا كحال متن صح عن أبي هريرة، وصح عن أبي سعيد.
2. في الشواهد اختلفت ظروف التحمل بالكلية، فكل حديث سارت به سلسلة رواة تختلف عن رواة المخرج الآخر ، والاختلاف زمانا ومكانا، وهنا السؤال الذي لم يجب عليه أحد: كيف نحكم على أداء رواة لم يشارك بعضهم بعضا في التحمل؟
🔘 سادسا: إن وحدة المتن لا تعني بالضرورة صحة روايته من كل المخارج، وكذا فإن صحة مخرج ما، لا يعني بالضرورة صحة المخارج الأخرى، فكل رواية قائمة بذاتها، والحكم على أداء رواتها لا على غيرهم.
🔘 سابعا وأخيرا: إن نظرية الشواهد في رفع أوهام الرواة وتصحيح الأخطاء الناتجة عن ضعفهم، نظرية لا تستند إلى عمق تاصيلي تطبيقي في عمل نقاد عصر الرواية، ومن أراد الاحتجاج علينا فلا ضير في ذلك وأمامه عمل الشيخين في الصحيح ، وعمل النقاد في كتب العلل، فهذا ميدان التأصيل والتقعيد للظاهرة النقدية. وتفرع عن نظرية الشواهد: التصحيح بالشواهد المفرقة، وتصحيح للمرفوع بالشاهد الموقوف في حكم المرفوع. هذا والله أعلم ....
المصدر...