في حوارية مدارسة كتاب التمييز في مجموعته على الواتس اب تداخل مجموعة من الزملاء حول الفقرة الأولى من مقدمة التمييز ، نذكر لكم هنا:
أولاً: نص الفقرة .
ثانياُ: شرح الاستاذ الدكتور عبدالقادر المحمدي .
ثالثا: تعليقات الدكتور عبدالكريم الوريكات.
رابعا: تعليق مهم من الشيخ موسى عبدالفتاح الشنقيطي.
أولأ:
قال الإمام مسلم بن الحجاج:
"أما بعد فَإنَّك يَرْحَمك الله ذكرت أَن قبلك قوما يُنكرُونَ قَول الْقَائِل من أهل الْعلم اذا قَالَ هَذَا حَدِيث خطأ وَهَذَا حَدِيث صَحِيح وَفُلَان يخطىء فِي رِوَايَته حَدِيث كَذَا وَالصَّوَاب مَا روى فلَان بِخِلَافِهِ وَذكرت أَنهم استعظموا ذَلِك من قَول من قَالَه ونسبوه الى اغتياب الصَّالِحين من السّلف الماضين وَحَتَّى قَالُوا ان من ادّعى تَمْيِيز خطأ روايتهم من صوابها متحرص بِمَا لَا علم لَهُ بِهِ ومدع علم غيب لَا يُوصل اليه.
وَاعْلَم وفقنا الله واياك أَن لَوْلَا كَثْرَة جهلة الْعَوام مستنكرى الْحق ورايه بالجهالة لما بَان فضل عَالم على جَاهِل وَلَا تبين علم من جهل وَلَكِن الْجَاهِل يُنكر الْعلم لتركيب الْجَهْل فِيهِ وضد الْعلم هُوَ الْجَهْل فَكل ضد ناف لضده دَافع لَهُ لَا محَالة فَلَا يهولنك استنكار الْجُهَّال وَكَثْرَة الرعاع لما خص بِهِ قوم وحرموه فَإِن اعْتِدَاد الْعلم دائر الى معدنه وَالْجهل وَاقِف على أَهله.
وَسَأَلت أَن أذكر لَك فِي كتابي رِوَايَة أَحَادِيث مِمَّا وهم قوم فِي رِوَايَتهَا فَصَارَت تِلْكَ الاحاديث عِنْد أهل الْعلم فِي عداد الْغَلَط وَالْخَطَأ بِبَيَان شاف أبينها لَك حَتَّى يَتَّضِح لَك ولغيرك مِمَّن سَبيله طلب الصَّوَاب سَبِيلك غلط من غلط وصواب من أصَاب مِنْهُم فِيهَا وسأذكر لَك ان شَاءَ الله من ذَلِك مَا يرشدك الله وتهجم على أَكثر مِمَّا أذكرهُ لَك فِي كتابي وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَمنهمْ الْحَافِظ المتقن الْحِفْظ المتوقي لما يلْزم توقيه فِيهِ وَمِنْهُم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه أَو تلقين يلقنه من غَيره فيخلطه بحفظه ثمَّ لَا يميزه عَن أَدَائِهِ الى غَيره وَمِنْهُم من همه حفظ متون الاحاديث دون أسانيدها فيتهاون بِحِفْظ الاثر يتخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الَّذين أُدي اليه عَنْهُم وكل مَا قُلْنَا من هَذَا فِي رُوَاة الحَدِيث ونقال الاخبار فَهُوَ مَوْجُود مستفيض".
ثانياً: الأستاذ الدكتور عبدالقادر المحمدي:
الفقرة الأولى:
قال الإمام مسلم: “واعلم وفقنا اللهُ وإيِّاك أنْ لولا كثرة جهلة العوام مستنكري الحقِّ ورأية بالجهالة لما بانَ فضل عالم على جاهل، ولا تبين علمٌ من جهلٍ، ولكنَّ الجاهلَ ينكرُ العلم لتركيب الجهل فيه، وضدُ العلم هو الجهل، فكلُّ ضدٍ نافٍ لضدهِ، دافع له لا محالة، فلا يهولنَّك استنكار الجُهال وكثرة الرعاع لما خُصَّ به قوم وحرموه، فإنَّ اعتداد العلم دائر إلى معدنه، والجهل واقف على أهله”
قال أ.د. عبدالقادر المحمدي:
"نبه مسلم هذا السائل إلى عدم الاكتراث بنكران الجهال لهذا العلم الجليل ومخالفتهم له، وعدم الاكتراث بكثرة هؤلاء الجهلة المتعالمين، لأن الجاهل عدو ما يجهله، ولعله رحمه الله قصد مدرسة الرأي ، التي اتخذت موقف الضد من مدرسة النقاد المحدثين وراحت تنتقص منهم وتتهمهم باقسى التهم، لا لشيء إلاّ لبعد هذه المدرسة عن طريقة المحدثين ومنهجهم في قبول الروايات وردها، ولاسيما بعد أنْ تصدَّى المحدثون لآرائهم المنكرة، وغربلوا كثيراً من رواياتهم الشاذة، فهؤلاء ليسوا من عوام الناس من جهة أنهم يعرفون الأدلة والنظر، وليسوا من أهل العلم، لتنكبهم عنه، ولأنّ من صفات أهل العلم أنهم يدورون مع موطن الدليل، لا مع أهوائهم! لذا فمسلم ينبه السامع أن لا يغترّ بهذه الكثرة من الجهلة مستنكري الحق ! لذا قال مسلم:(ورَأَيةً بالجهالة): أي بنظرة المتجهل المستكبر،والله أعلم. ثم ذكر مسلم أنّ العلم دائر على (معدنه)،ومعدن الشيء أصله، فالعلم يبتدئ وينتهي على معدنه يقوم على أساس الحجة والدليل، بلا تعصب ولا هوى، يتلقفه أهله كابر عن كابر، بخلاف الجهل الذي هو مردود على أهله، مذموم حامله".
الفقرة الثانية:
قال الإمام مسلم رحمه الله:
"وسألتَ أن أذكرَ لك في كتابي روايةَ أحاديث مما وهم قوم في روايتها، فصارت تلك الأحاديث عند أهل العلم في عداد الغلط والخطأ، ببيان شافٍ أُبينها لك حتى يتضح لك ولغيرك ممن سبيله طلب الصواب سبيلك، غلطُ من غلِط وصوابُ منْ أصاب منهم فيها، وسأذكر لك إن شاء الله من ذلك ما يرشدك الله وتهجم على أكثر مما أذكره لك في كتابي، وبالله التوفيق. وبعد: فإنّ النَّاس متباينون في حفظهم لما يحفظون، وفي نقلهم لما ينقلون: فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتوقّي لما يلزمه توقّيه فيه. ومنهم المتساهل المشوب حفظه بتوهّمٍ يتوهّمه، أو تلقين يلقَّنه من غيره فيخلطه بحفظه، ثم لا يميزه عند أدائه إلى غيره. ومنهم من همتُه حفظُ متون الأحاديث دون أسانيدها، فيتهاون بحفظ الأثر، يتخرَّصها من بعد فيحيلها بالتَّوهم على قوم غير الذين أدي إليه عنهم، وكل ما قلنا من هذا في رواة الحديث ونقال الأخبار، فهو موجود مستفيض. "
قال أ.د. عبدالقادر المحمدي:
"هنا سلط مسلم رحمه الله الضوء على مسألة غاية في الدقة، فاتت بعض المشتغلين بهذا العلم سيما في الأعصر المتأخرة، وهي أن الحكم على الراوي من خلال مروياته وليس العكس كما يفعله بعض الناس اليوم، وهي آفة قديمة حديثة فبعض الناس كان يستنكر أن يحكم على الراوي من خلال مروياته، ويعيب على المحدثين صنيعهم، فبين مسلم ههنا بعض الأحاديث التي أخطأ فيها الرواة، ووقع فيها وهم، حتى عدها أهل العلم من قبيل الغلط والخطأ بعبارة بينة ميسرة، خطأ يقع من ثقة أو من ضعيف، فلا يسلم منه كبير أحد، ثم قيد هذه الفائدة المتوخاة بـ(التجرد) في طلب الصواب (ممن سبيله طلب الصواب سبيلك)، وقد وفى بوعده، وبين تلك الأخطاء التي وقع فيها الرواة، ثم شرع بتقسيم الرواة فقال:
وقسّم مسلم رحمه الله الرواة إلى مراتب ثلاث:
الأولى: الثقات المتقنين الضابطين لحديثهم إذا حدَّثوا سواء من حفظهم أو من كتابهم، وهؤلاء بالطبع ليسوا على طبقة واحدة في الحفظ ولا في الزمن فهم طبقات مختلفة : كطبقة: نافع مولى ابن عمر، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعروة بن الزبير بن العوام (ت94هـ)، وسعيد بن المسيب(94هـ)،و محمد بن سيرين( ت 110هـ)، وأضرابهم. ثم طبقة من الثقات المتقنين تلي هذه الطبقة، كـ: محمد بن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار المكي (ت126هـ)،وعبد العزيز بن صهيب(ت130هـ) وأيوب السختياني(131هـ)، ويحيى بن سعيد الأنصاري(144هـ)،ومالك بن أنس(179هـ) ، وغيرهم.ثم طبقة بعدها ،كـ:سفيان الثوري (161هـ)،وسفيان بن عيينة (198هـ)،ويحيى بن سعيد القطان (198هـ)، وعبد الله بن المبارك(198هـ)،وأضرابهم. ثم طبقة تلي هذه الطبقة: كـ(الشافعي (204)،وعلي بن المديني (234هـ)،وابن معين(233هـ)،وأحمد بن حنبل (241هـ) ،وأبي زرعة وأبي حاتم الرازيين. وفي كل طبقة من هذه الطبقات الزمنية المختلفة طبقات ومراتب مختلفة.
الثانية :وهم دون تلك الطبقة في الحفظ والضبط فوصف حفظهم بالمشيب ببعض الوهم، بسبب التلقين أو التدليس أو الخطأ، وبعض الآفات الأخرى ، لكنهم لم يصلوا إلى درجة طرح حديثهم ، فهؤلاء يختبر حديثهم، فراويها يختبر حديثه إما أنْ يوثق أو يضعف بحسب القرائن، ودائما تكون هناك علة ما تمنع من توثيق الرجل، فان انتفت العلة المانعة احتج بحديثه منفرداً أو متابعاً، وإن رجحت العلة نزل الراوي إلى الاعتبار أو ربما رد أصلاً بسب تلك العلة كالمخالفة مثلاً، وإن كانت القرائن غير جلية ولا ترجح أحد الطرفين على الآخر يبقى في دائرة الاختبار (التوقف) حتى تأتي القرينة.
الثالثة: عرج مسلم على على قسم آخر همتهم حفظ المتون دون ضبط الأسانيد، وكأنه قصد الفقهاء غير المحدثين، ممن يشتغل بفقه المتن ولا يهتم بالإسناد فإذا جاء إلى الإسناد شوش! فربما خلّط فيه أو قلبه..الخ
وقد نبه ابن حبان لى مثل ذلك فقال: الثقة الحافظ إذا حدث من حفظه وليس بفقيه، لا يجوز عندي الاحتجاج بخبره، لأن الحفاظ الذين رأيناهم أكثرهم كانوا يحفظون الطرق والأسانيد دون المتون. ولقد كنا نجالسهم برهة من دهرنا على المذاكرة، ولا أراهم يذكرون من متن الخبر إلا كلمة واحدة يشيرون إليها، وما رأيت على أديم الأرض من كان يحسن صناعة السنن، ويحفظ الصحاح بألفاظها، ويقوم بزيادة كل لفظة زاد في الخبر ثقة، حتى كأن السنن نصب عينيه إلا محمد بن إسحاق بن خزيمة فقط، فإذا كان الثقة الحافظ لم يكن بفقيه، وحدث من حفظه، ربما قلت المتن، وغير المعنى، حتى يذهب الخبر عن معنى ما جاء فيه، ويقلبه إلى شيء ليس منه وهو لا يعلم، فلا يجوز عندي الاحتجاج بخبر من هذا نعته، إلا أن يحدث من كتاب، أو يوافق الثقات فيما يرويه من متون الأخبار". انتهى.
ثالثا: الدكتور عبدالكريم الوريكات:
(( 🔘 يعد الامام مسلم من اوائل المحدثين الذين كتبوا مقدمات لكتبهم . سواء في الصحيح او التمييز . وهذا يعكس الفكر المنهجي عنده رحمه الله .
🔘 عكست مقدمة مسلم رحمه الله فكره المنهجي . وعقليته المنظمة . كما عكست بيئته . ويظهر ذلك في عباراته حينا . وفي المسائل التي طرحها حينا آخر .
🔘 جاءت مقدمة مسلم في التمييز اجابة على تساؤلات عصره . فقد صرح بأنه يرد على الشبهات التي يثيرها البعض حول تجويز المحدثين تخطئة الثقات من الرواة .
🔘 لا يرد رحمه الله في هذه المقدمة على شخص بعينه وانما على اتجاه بوجه عام . وهذا الاتجاه يمثله اهل الرأي . وهو ذات الاتجاه الذي رد عليه في مقدمة الصحيح .
🔘 وبهذا التخريج نبرىء مسلما من انه يقصد احد مشايخه . وهو من هو في توقيرهم . واحترامهم . والاعتراف بتقدمهم في العلم .
🔘 ولعل وضوح مقصده من الذب عن المحدثين . وبيان منهجهم . وطرائقهم في النقد هو الذي جعله ينحو المنحى التطبيقي في تقديم العلل . وتيسيرها على طالب العلم .
🔘 فذكر في مقدمته نماذج من خطأ الرواة في الاسناد . وفي المتن . وخطأ التلاميذ على شيخهم . وكيفية تمييز ذلك ومعرفته .
🔘 مسلم رحمه الله رائد المقدمات المنهجية التي تأثر بها كل من جاء بعده . كالترمذي وغيره)) .
رابعاً: الشيخ موسى بن عبدالفتاح الشنقيطي :
نلاحظ عند الإمام مسلم : *حضور الحجة ، وقوة التأصيل ، والمعرفة بطرائق الاحتجاج ومسالك الحجاج* .
👈 وأول ملاحظة ههنا أن الإمام مسلم :
*هو أول من نظّر للعلل ، ونافح عن مذهب أهل الحديث فيها ، وبرهن على أدلتهم في الدرب الذي سلكوه* .
👈 - فهو أول من رام التأصيل لعلم العلل ، وتقريبه للناس . فلا يُعرف قبله - حسب علمي - من أفرد العلل بالشرح والتنظير قبله . *فكتابه هذا بِدْعٌ ومبتكر* .
وكلام الأئمة في الرد على من أنكر طريقة أهل الحديث في التعليل كثير ( ابن مهدي ، أبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم كثييير ) .
وأغلبهم عسر عليه أو لم ينشط لترتيب أدلة تعليل المحدثين الأخبار وتأصيل ذلك .
👈 👈فنرى مثلا *أبا زرعة الرازي يقول لما *سئل عن الحجة في تعليلهم الحديث يقول : ( *الحجة أن تسألني عن حديث له علة* ، *فأذكر علته ، ثم تقصد ابن وارة وتسأله* عنه ، *ولا تخبره بأنك قد سألتني عنه ، فيذكر علته ، ثم تقصد أبا حاتم فيعله ، ثم تميز كلام كل منا على ذلك* *الحديث ، فإن وجدت بيننا خلافا في علته فاعلم أن كلا منا تكلم على مراده ، وإن وجدت الكلمة متفقة فاعلم حقيقة هذا العلم )* *ففعل الرجل فاتفقت كلمتهم عليه ، فقال : أشهد أن هذا إلهام* .
👈 وقال عبد الرحمن بن أبي حاتِم الرازي : سمعتُ أبي يقول: « *جاءني رجلٌ من جِلَّةِ أصحابِ* *الرأي - مِنْ أهلِ الفَهْمِ منهم* - ومعه دَفْتَرٌ، فعرَضَهُ عليَّ، فقلتُ في بعضها: هذا حديثٌ خطأٌ؛ قد دخَلَ لصاحبِهِ حديثٌ في حديث، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ باطلٌ، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ منكر، وقلتُ في بعضه: هذا حديثٌ كَذِبٌ، وسائرُ ذلك أحاديثُ صحاحٌ، فقال: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا باطلٌ، وأن هذا كذبٌ؛ أخبرَكَ راوي هذا الكتابِ بأني غَلِطْتُ، وأنِّي كَذَبْتُ في حديثِ كذا؟! فقلتُ: لا، ما أدري هذا الجُزْءُ مِنْ روايةِ مَنْ هو؟ غيرَ أني أَعْلَمُ أنَّ هذا خطأٌ، وأنَّ هذا الحديثَ باطلٌ، وأنَّ هذا الحديثَ كَذِبٌ، فقال: تدَّعي الغيبَ؟ قال: قلتُ: ما هذا ادعاءُ الغَيْبِ،
👈 👈 👈 👈قال : *فما* *الدليلُ على ما تقول* ؟ *قلتُ: سَلْ عما قلتُ مَنْ يُحْسِنُ مِثْلَما أُحْسِنُ، فإنِ* *اتفقنا عَلِمْتَ أنَّا لم نُجَازِفْ، ولم نقله* *إلا بفَهْم، قال: مَنْ هو الذي يُحْسِنُ مِثْلَ ما تُحْسِن؟ قلتُ: أبو* *زُرْعة، قال: ويقولُ أبو زرعة مثلَ ما* *قلتَ؟ قلتُ: نعم، قال: هذا عَجَبٌ! فأخذ فكتَبَ في كاغَذٍ ألفاظي* *في تلك الأحاديث، ثم رجَعَ إليَّ وقد كتَبَ ألفاظَ ما تكلَّم به أبو زرعة في تلك الأحاديث: فما قلت*ُ: *إنه باطلٌ، قال أبو زرعة: هو كَذِبٌ، قلتُ: الكَذِبُ والباطلُ واحدٌ، وما قلتُ: إنه كذبٌ، قال أبو زرعة: هو* *باطلٌ، وما قلتُ: إنه منكرٌ، قال: هو منكرٌ، كما قلتُ، وما قلتُ: إنه صَحَاحٌ، قال أبو زرعة: هو صَحَاحٌ* .
*فقال: ما أعجَبَ هذا؛ تَتَّفِقان مِنْ غيرِ مواطأةٍ فيما بينكما!! فقلتُ: فقد بان لك أنَّا لم نُجازف، وإنما قلناه بِعِلْمٍ ومعرفةٍ قد أُوتِينَا، والدليلُ على* *صحَّة ما نقوله: أنَّ دينارًا نَبَهْرَجًا (3) يُحمَلُ إلى الناقدِ، فيقول: هذا دينار نَبَهْرَجٌ، ويقول لدينار: هو جيِّدٌ، فإنْ قيل له: مِنْ أين قلتَ: إنَّ* *هذا نَبَهْرَجٌ، هل كنتَ* *حاضرًا حين بُهْرِجَ هذا الدينارُ؟ قال*: *لا، فإنْ قيل له: فأَخْبَرَكَ الرجلُ* *الذي بَهْرَجَه*ُ: *إنِّي بَهْرَجْتُ هذا الدينارَ؟ قال: لا، قيل:فَمِنْ أين قلتَ: إنَّ هذا نَبَهْرَجٌ؟ قال: عِلْمًا رُزِقْتُ. وكذلك نحن رُزِقْنَا* *معرفةَ ذلك.*
قلتُ له: فتَحْمِلُ فَصَّ ياقوتٍ إلى واحد من البُصَراء من الجَوهَرِيِّين، فيقولُ: هذا زُجَاجٌ، ويقولُ لمثله: هذا ياقوتٌ. فإنْ قيل له: مِنْ أين عَلِمْتَ أنَّ هذا زجاجٌ، وأنَّ هذا ياقوتٌ؟ هل حَضَرْتَ الموضعَ الذي صُنِعَ فيه هذا الزجاجُ؟ *قال 👈 👈 👈 👈: لا، قيل له: فهل أعلمَكَ الذي صاغَهُ بأنه صاغ هذا زجاجًا؟ قال: لا، قال: فمِنْ أين علمتَ؟ قال: 👈 👈 👈هذا عِلْمٌ رُزِقْتُ، وكذلك نحن رُزِقْنَا علمًا لا يتهيَّأُ لنا أن نُخْبِرَكَ كيف علمنا بأنَّ هذا الحديثَ كذب، وهذا حديثٌ منكر، إلا بما نَعْرِفُه*ُ» .
ثم قال ابن أبي حاتِم: «تُعْرَفُ جَودةُ الدينار بالقياس إلى غيره؛ فإنْ تخلَّف عنه في الحُمْرَةِ والصَّفَاءِ، عُلِمَ أنه مَغْشوش. ويُعْلَمُ جنسُ الجَوْهَرِ بالقياس إلى غيره؛ فإنْ خالفه بالماء والصَّلابة، عُلِمَ أنه زجاج. ويُقاس صِحَّةُ الحديثِ بعدالة ناقليه، وأنْ يكونَ كلامًا يَصْلُحُ أنْ يكونَ مِنْ كلامِ النُّبُوَّةِ. ويُعْلَمُ سقمُهُ وإنكاره بتفرُّدِ مَنْ لم تَصِحَّ عدالتُهُ بروايته، والله أعلم» . اهـ.( وللشافعي كلام في هذا الصدد )
👈 وقال عبد الرحمن بن مهدي : *معرفتنا الحديث إلهام . قال ابن نمير ( *وصدق لو قلت له من أين قلت ؟ لم يكن له جواب* )
قلت : لا شك أن من العلل ما لا يمكن فسْره وما تقصر عنه عبارة المعبر ، والنصوص في ذلك الصدد موجودة ، والأمثلة كذلك لله الحمد .
ولكن كثيرا منها يمكن إقامة الظن الغالب عليه ومنها مايقام عليه البرهان القاطع .
*و 👈 👈 👈 لكن عامة أهل الحديث قبل مسلم لم يعتنوا بالتنظير للعلل أصلا وهذا الجنس منها الذي هو أغلبها ، خوف الإدخال عليهم مَن العلل التي لا يمكن تفسيرها . أو لعدم النشاط لذلك . فجاءت أجوبتهم على النحو المتقدم*.
👈 👈 👈 *فجاء مسلم فأصل للعلل وقرن التنظير بالتطبيق وأعلمهم أنه يمكن إقامة البرهان من ظن غالب وقطع على كثير منها* .
وهذا التميز عندي راجع لأسباب :
1 - عناية مسلم الفائقة بالذب عن السنن وأصحابها وخصوصا التأصيل الفاسد للمسائل الحديثية كما قرر في مقدمته في مسألة العنعنة .
2 - قوة مسلم الفقهية التأصيلية ، وعلمه بالحجاج فلا يكاد يُعرف إمام مثله في التمكن من الفقه والحديث والأصول والحجاج -وله سجالات فقهية ورد على الإمام محمد بن نصر المروزي- .نعم عندنا البخاري وأضرابه وأنا أستثنيهم .
3 - مقدرة مسلم على التأصيل ، والإعراب عن رأيه وعقل
نسأل الله النفع بهم جميعا....
المصدر...