مختصر البداية والنهاية لابن كثير ( 402 هـ )
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=374499
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ
فِي سَادِسَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ قُلِّدَ الشَّرِيفُ الرَّضِيُّ أَبُو الْحَسَنِ الْمُوسَوِيُّ نِقَابَةَ الطَّالِبِيِّينَ فِي سَائِرِ الْمَمَالِيكِ ، وَقُرِئَ تَقْلِيدُهُ فِي دَارِ الْوَزِيرِ فَخْرِ الْمُلْكِ ، بِمَحْضَرِ الْقُضَاةِ وَالْأَعْيَانِ ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ السَّوَادُ ، وَهُوَ أَوَّلُ طَالِبِيٍّ خُلِعَ عَلَيْهِ السَّوَادُ
وَفِيهَا جِيءَ بِأَمِيرِ بَنِي خَفَاجَةَ , أَبِي فُلَيْتَةَ ، قَبَّحَهُ اللَّهُ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ رُءُوسِ قَوْمِهِ أُسَارَى ، وَكَانُوا قَدِ اعْتَرَضُوا الْحَجِيجَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ وَهُمْ رَاجِعُونَ ، وَغَوَّرُوا الْمَنَاهِلَ الَّتِي يَرِدُهَا الْحُجَّاجُ ( أفسدوا مياه الآبار التي على طريق الحجاج ) وَوَضَعُوا فِيهَا الْحَنْظَلَ ، بِحَيْثُ إِنَّهُ مَاتَ مِنَ الْعَطَشِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا ، وَأَخَذُوا بَقِيَّتَهُمْ ، فَجَعَلُوهُمْ رُعَاةً لِمَوَاشِيهِمْ فِي أَسْوَإِ حَالٍ ، وَأَخَذُوا جَمِيعَ مَا كَانَ مَعَهُمْ مِنَ الْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ
فَحِينَ أَحْضَرَهُمُ الْوَزِيرُ فَخْرُ الْمُلْكِ سَجَنَهُمْ وَمَنَعَهُمُ الْمَاءَ ، ثُمَّ صَلَبَهُمْ تِلْقَاءَ دِجْلَةَ يَرَوْنَ صَفَاءَ الْمَاءِ ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ ، حَتَّى مَاتُوا كَذَلِكَ , جَزَاءً وِفَاقًا
وَلَقَدْ أَحْسَنَ فَخْرُ الْمُلْكِ فِي هَذَا الصَّنِيعِ , وَاقْتَدَى بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الرِّعَاءِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَدِيثُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "
ثُمَّ بَعَثَ إِلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ اعْتُقِلُوا فِي بِلَادِ بَنِي خَفَاجَةَ مِنَ الْحُجَّاجِ فَجِيءَ بِهِمْ ، وَقَدْ تَزَوَّجَتْ نِسَاؤُهُمْ ، وَقُسِمَتْ أَمْوَالُهُمْ ، فَرُدُّوا إِلَى أَهَالِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ
وَفِي شَوَّالٍ تُوُفِّيَتْ زَوْجَةُ بَعْضِ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى ، فَخَرَجَتِ النَّوَائِحُ وَالصُّلُبُ مَعَهَا جَهْرَةً
فَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْضُ الْهَاشِمِيِّينَ
فَضَرَبَهُ بَعْضُ غِلْمَانِ ذَلِكَ الرَّئِيسِ النَّصْرَانِيِّ بِدَبُّوسٍ ( هراوة ) فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ
فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ
فَانْهَزَمُوا وَلَجَئُوا إِلَى كَنِيسَةٍ لَهُمْ هُنَاكَ ، فَدَخَلَتِ الْعَامَّةُ إِلَيْهَا , فَنَهَبُوا مَا فِيهَا وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ دُورِ النَّصَارَى ، وَتَتَبَّعُوا النَّصَارَى فِي الْبَلَدِ ، وَقَصَدُوا دَارَ الْمُنَاصِحِ وَابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ
فَقَاتَلَهُمْ غِلْمَانُهُمْ
وَانْتَشَرَتِ الْفِتْنَةُ بِبَغْدَادَ ، وَرَفَعَ الْمُسْلِمُونَ الْمَصَاحِفَ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَعُطِّلَتِ الْجُمُعَةُ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ، وَاسْتَعَانُوا بِالْخَلِيفَةِ
فَأَمَرَ بِإِحْضَارِ ابْنِ أَبِي إِسْرَائِيلَ
فَامْتَنَعَ
فَعَزَمَ الْخَلِيفَةُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ بَغْدَادَ
وَقَوِيَتِ الْفِتْنَةُ جِدًّا ، وَنُهِبَتْ دُورٌ كَثِيرَةٌ مِنَ النَّصَارَى
ثُمَّ أُحْضِرَ ابْنُ أَبِي إِسْرَائِيلَ
فَبَذَلَ أَمْوَالًا جَزِيلَةً
فَعُفِيَ عَنْهُ ، وَسَكَنَتِ الْفِتْنَةُ
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ وَرَدَ كِتَابٌ مِنْ يَمِينِ الدَّوْلَةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَذْكُرُ أَنَّهُ وَرَدَ إِلَيْهِ رَسُولٌ مِنَ الْحَاكِمِ صَاحِبِ مِصْرَ ، يَدْعُوهُ إِلَى طَاعَتِهِ
فَبَصَقَ فِيهِ وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِهِ ، وَأَسْمَعَ رَسُولَهُ غَلِيظَ مَا يُقَالُ
وَفِيهَا قُلِّدَ أَبُو نَصْرِ بْنُ مَرْوَانَ الْكُرْدِيُّ إِمْرَةَ آمِدَ وَمَيَّافَارِقِينَ وَدِيَارِ بَكْرٍ ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِطَوْقٍ وَسِوَارٍ ، وَلُقِّبَ نَصِيرَ الدَّوْلَةِ
وَلَمْ يَتَمَكَّنْ رَكْبُ الْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الذَّهَابِ إِلَى الْحَجِّ لِفَسَادِ الطَّرِيقِ ، وَغَيْبَةِ فَخْرِ الْمُلْكِ فِي إِصْلَاحِ الْأَرَاضِي
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ عَادَتْ مَمْلَكَةُ الْأُمَوِيِّينَ بِالْأَنْدَلُسِ ، فَتَوَلَّى فِيهَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّاصِرِ الْأُمَوِيُّ ، وَلُقِّبَ بِالْمُسْتَعِينِ بِاللَّهِ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ بِقُرْطُبَةَ
وَفِيهَا مَاتَ بَهَاءُ الدَّوْلَةِ , أَبُو نَصْرٍ فَيْرُوزُ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ الدَّيْلَمِيُّ ، صَاحِبُ بَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ
وَقَامَ بِالْأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ سُلْطَانُ الدَّوْلَةِ , أَبُو شُجَاعٍ
وَفِيهَا مَاتَ مَلِكُ التُّرْكِ الْأَعْظَمُ إِيلَكُ خَانَ ، فَوَلِيَ أَمْرَهُمْ مِنْ بَعْدِهِ أَخُوهُ طُغَانُ خَانَ
وَفِيهَا هَلَكَ شَمْسُ الْمَعَالِي قَابُوسُ بْنُ وُشْمَكِيرَ ; أُدْخِلَ بَيْتًا بَارِدًا فِي الشِّتَاءِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللِّبَاسِ حَتَّى مَاتَ كَذَلِكَ
وَوَلِيَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ وَلَدُهُ مِنُوجِهْرُ ، وَلُقِّبَ فَلَكَ الْمَعَالِي ، وَخُطِبَ لِمَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ
المصدر...