أندلسيات (19): المرأة المورسكية المسلمة للدكتور جمال عبد الرحمان
لا أستطيع ولا ينبغى أن تنتهى هذه السلسلة دون الحديث عن المرأة الموريسكية، تلك المرأة العظيمة التى برز دورها حين سكت صوت الرجال قهرا. كانت محكمة التفتيش تركّز مراقبتها على الرجل، باعتبار أن المرأة قابعة فى بيتها لا أثر لها. لكن المرأة الموريسكية استغلت الوضع، وجاهدت فى سبيل المحافظة على العقيدة الإسلامية. من الذى علّم كوسمى بن عامر الصلاة؟ إنها أمّه التى كانت تعلم الناس القرآن ومبادئ العقيدة. سمعنا أيضا عن مسلمة أوبيدا، تلك المرأة الفقيهة التى تتلمذ على يديها فتى أريبالو الشهير. لم تتخلف المرأة الموريسكية عن الذود عن عقيدتها، بل جاهدت وهى فى بيتها، تستقبل الرجال والأطفال لكى تعلمهم مبادئ الدين. إن نظرة على ملفات محاكم التفتيش تقول بوضوح إن المرأة –رغم عملها فى الخفاء- كان لها نصيب وافر من القضايا التى باشرتها المحكمة. إن مريمة وسليمة التى حدثتنا عنهما الراحلة رضوى عاشور لهما أساس فى واقع التاريخ الموريسكى. كانت المرأة هى التى تعلّم أولادها فى البيت، بعيدا عن أنظار محاكم التفتيش التى لم يكن يخطر على بالها أن تقوم المرأة –ذلك الكائن المهمل فى نظرها- بدور حيوى. جهود المرأة الموريسكية هى التى أدت إلى بروز أجيال من الموريسكيين لا تنقطع علاقتهم بدينهم رغم انفصالهم جغرافيا عن بقية أنحاء العالم الإسلامى. لأسباب "إنسانية" سمحت السلطات لبعض النساء بالبقاء فى إسبانيا بعد صدور قرار الطرد. أتصور أن دور النساء اللاتى بقين قد استمر. أحاول دائما أن أعتمد الوثائق فيما أكتب لذلك لن يمنعنى إعجابى بالمرأة الموريسكية من الإشارة إلى امرأة أخرى، موريسكية أيضا، لكنها جاهلة بقضية أمتها. تلك المرأة الأخرى هى التى أبلغت محكمة التفتيش أن جارتها الموريسكية "تصلى صلاة المسلمين"، ثم اكتشفت المحكمة أن الأمر لا يعدو كونه خلافات بين جيران.
المصدر...