![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
التطوع للمصلحة العامة: دراسة أصولية فقهية د. صابر السيد مشالي التَّوطئة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وعلى صحبه، وعلى من اتَّبع هديه، والتزم نهجه، وتمسَّك بسنته إلى يوم الدين. أما بعدُ: فعنوان البحث: التطوع للمصلحة العامة: دراسة فقهيَّة أصوليَّة، ومعنى: "التطوع": ما تبرَّع الإنسان به من ذات نفسه فيما لا يلزمه، وكل ما يتنفله الإنسان في الخير تطوع، فغالب استخدامات لفظة: "التَّطوع" في الخير، ومعنى: "المصلحة": ما كان ضد المفسدة، وكل أمر خير فهو مصلحة، ومعنى: "العامة": ما كان ضد الخاص، بمعنى: ألاَّ تكون هذه المصلحة خيرًا خاصًّا بفرد متعين بذاته من الناس، وإنما هي مصلحة عامَّة للمجتمع كله حتى إن تعيَّنت بالوصف - لا بالذَّات - في شخص من الأشخاص، وبذلك يكون مقصود البحث: ما تبرَّع الإنسان به فيما يكون خيرًا للمصلحة العامَّة. ومعنى أنَّ الدراسة "أصوليَّة": أن البحث مَعْنِيٌّ بتأصيل ما يلزم تأصيله من نقاط الدراسة من وجهة أصول الفقه، وهو ما بيَّنه البحث فيما يخص الحكم الشرعي للتَّطوع، ومعنى أنَّ الدراسة "فقهيَّة": هو التزام البحث بالخط الفقهي وذلك بإبراز الجانب الفقهي في دراسته للمسألة، وهو عُمْدَة البحث فيما يتناوله من نقاط، ولقد عرض البحث لفقه مسألة التَّطوع في اللغة، وفي القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة، وأعمال الصحابة - رضي الله عنهم جميعًا؛ محكومًا - في ذلك بما تقتضيه المقاصد الشَّرعيَّة المُعْتَبَرة، والمقاصد الشَّرعيَّة المتوخَّاة، ولقد قدم البحث لفظة "أصوليَّة" على لفظة "فقهيَّة"؛ لسبق الجانب الأصولي من حيث ما تكون عليه أعمال التَّطوع في أحوالها المختلفة، وما يقتضيه ذلك من بيان مفصَّل للجانب الأصولي، رغم أنَّ الجانبين - الأصول والفقه - مترابطان متضافران لخدمة المسألة. والبحث: توطئة، وأربعة مباحث، وخاتمة؛ عرض البحث في التَّوطئة معنى مفردات العنوان، وسبب اختيار كل لفظة فيه وأشار - إجمالاً - إلى ما تحتويه الدراسة. وعرض في المبحث الأول التَّعريف بـ"التَّطوع" في اللغة والاصطلاح؛ مبينًا ما تدل عليه استخدامات اللَّفظة في اللغة، وكذلك اختلاف الذين عرَّفُوا بالتَّطوع في الاصطلاح بناءً على اختلاف الاعتبار الذي بُنِي التَّعريف عليه. وعرض في المبحث الثاني حديث القرآن الكريم عن التَّطوع؛ مفسرًا الآيات التي وردت فيها لفظة التَّطوع بطريق الفعل أو الاسم، صراحةً أو ضمنًا. وعرض في المبحث الثالث الحكم الشَّرعي للتَّطوع، فبيَّن أحكام الحكم العامَّة، وعرض للواجب وأقسامه إجمالاً، وبيَّن ماذا يعنيه الواجب الكفائي، وشرح بعض المسائل الأصوليَّة المتعلقة بالواجب الكفائي، ثم عرض للمندوب وأقسامه، وبيَّن الأحكام الشَّرعيَّة التي تجري على أعمال التَّطوع. وعرض في المبحث الرَّابع التَّطوع في السنَّة النَّبويَّة وأفعال الصَّحابة، فعرض صورًا متعددة للتطوع في السنة النبويَّة في مجالات متعددة؛ كالمجال الطبي، والصحي، والإغاثي، وكذلك المجال الاجتماعي، وخدمة أفراد المجتمع... وغير ذلك، وشفعها بترجمة صادقة لها من أفعال الصَّحابة، ثم ألحق بهذه وتلك المسائل الحديثة التي ينبغي الالتفات إليها في أيامنا المعاصرة الآن في مجال التَّطوع. وعرض في الخاتمة أهمَّ النَّتائج التي توصل إليها، ثم ثبتًا بالمراجع والمصادر التي أفاد البحث منها. أسأل الله تعالى التوفيق إنَّه سبحانه نِعْمَ المولى ونعم النَّصير. المبحث الأول التَّعريف بالتَّطوع في اللغة والاصطلاح أولاً: التَّعريف بالتَّطوع في اللغة: طاع له، يطوع، ويطاع: انقاد؛ كانطاع...، وطاع له المرتع: أمكنه، كأطاعه، وهو طوع يديك: منقاد لك، وفرس طوع العنان: سلس، والمطواع: المطيع...، والطواعية: الطَّاعة...، والشحُّ المُطاع: هو أن يطيعه صاحبُه في مَنْع الحقوق، وأطاع الشجر: أدرك ثمره وأمكن أن يُجْتَنَى، وقوله تعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ}[1]: تابعته وطاوعته، أو: شجعته وأعانته وأجابته إليه، قال المبرد: فَعَّلَتْ من الطَّوْع، وقال أبو عبيد: حدثنا يزيد عن ورقاء عن ابن أبي نجيع عن مجاهد....، قال: شجعته، قال أبو عبيد عن مجاهد: إنها أعانته على ذلك وأجابته إليه، ولا أرى أصله إلاَّ منَ الطَّواعية، قلت: والأشبه عندي أن يكون معنى طوعت: سمحت وسهَّلت له نفسه قتل أخيه؛ أي: جعلت نفسه بهواها المُردي قتل أخيه سهلاً وهونته. وتطوَّع للشَّيء: تكلف استطاعته، والعرب تحذف التاء، فتقول: اسطاع يسطيع؛ مثل قوله تعالى: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}[2]، وبعض العرب يقول: "استاع يستيع"، وبعض يقول: "أَسْطاع يسْطِيع مثل يهريق، بقطع الهمزة، بمعنى أطاع يطيع. والتَّطوع: ما تبرَّعت به من ذات نفسك فيما لا يلزمك فرضه، فكلُّ متنفلِ خيرٍ: متطوع، مثل قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}[3]، وقوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} [4]، والتَّطوع بالشَّيء: التَّبرع به، والعرب تقول في التَّبرع بالشيء: قد تطوع به لأنه لم يلزمه، لكنَّه انقاد مع خير أحب أن يفعله، ولا يقال هذا إلاَّ في باب الخير والبر، وقد جاء في "اللسان": التَّطوع: تفعل من الطاعة، وهو ما تبرَّع به من ذات نفسه مما لا يلزمه فرضه، كأنَّهم جعلوا التَّنفُّل هنا اسمًا كالتَّنوُّط. والمطَّوِّعة - بتشديد الطاء والواو مع كسر الواو -: الذين يتطوَّعون بالجهاد وغيره، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[5]، والتَّطوع يشمل أعمالاً متعددة[6]. ثانيًا: التَّعريف بالتَّطوع في الاصطلاح: تنوَّعت التَّعريفات الخاصَّة بالتَّطوع بناءً على تنوع مشارب العلماء الذين عرَّفوا به، غير أنَّ البحث قد لاحظ أنَّ غالب هذه التَّعريفات يقوم على اعتبارين: - الاعتبار الأول: طبيعة العمل التَّطوعي وأهدافه: وقد أخذ بهذا الاعتبار غالبُ علماء الشَّرع، حيث نظروا إلى التَّطوع من جهة التَّنفل غير المُلزمة، أو من جهة مبحث الحكم الشرعي وهي كونه واجبًا كفائيًّا - أي: فرض كفاية أو مندوبًا، ومثَّلوا له بالأمثلة: فمِن ذلك التَّعريف بالتَّطوع بأنه: "كل جهد بدني أو فكري أو عقلي أو قلبي يأتي به الإنسان تطوعًا دون أن يكون ملزمًا به لا من جهة المشرع ولا من غيره - ومثال ذلك: كتابة العقود، وتغسيل الموتى، وإماطة الأذى عنِ الطَّريق، وإعانة الرَّجل على دابَّته، ورفع متاعه عليها، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وأن تعين ضائعًا، وإنقاذ الغرقى والهَدْمى والحَرْقى، والإعانة في مهم: كموت، وعُرْس، وسفر، وكف الناس عن أذاك" [7]. والاعتبار الثاني: مفهوم المنظَّمات التَّطوعيَّة في علاقتها بالكيانات المجتمعيَّة المختلفة؛ (الدولة، والقطاع الخاص، والعائلة): وقد أخذ بهذا الاعتبار غالبُ علماء الاجتماع، والإعلام، والنفس، وكذلك العاملون في تنظيمات التَّطوع والعمل الخيري [8]. ومن ذلك التَّعريف بالتَّطوع بأنه: "الجهد الذي يبذله الإنسان بلا مقابل لمجتمعه بدافع منه؛ للإسهام منه في تحمل مسؤوليات المؤسسة الاجتماعيَّة، التي تعمل على تقديم الرفاهية الإنسانيَّة على أساس الفُرَص التي تتهيَّأ لمشاركة المواطن في أعمال هذه المؤسسات الديمقراطيَّة، وميزة يتمتَّع بها الجميع، وأن المشاركة تعهد يلتزمون به" [9]. ويرى البحث أنَّ التَّعريف بالتَّطوع باعتبار طبيعته والهدف منه هو الأقرب للصَّواب، إذ يرتبط التَّعريف الآخر - الذي يعتبر علاقة التَّنظيمات التَّطوعية بكيانات المجتمع - بوظيفة التَّطوع وثمرته، وهو ما يجعل التَّعريف غير جامعٍ ولا مانع؛ لأنَّه ربط التَّعريف بالوظيفة التي هي عُرْضَة للتَّغير اتساعًا وضيقًا وتغيرًا بفعل عوامل الزَّمن واختلاف المكان؛ مما يجعل منه تعريفًا قابلاً للتَّغير. وكذلك فإنَّ التَّعريف بالشيء دائمًا يكون مرتبطًا بطبيعته وجوهره، بعيدًا عمَّا يؤديه الشيء من وظائف، أو ينتج عنه من نتائج. وبذلك يأخذ البحث بالتَّعريف الأوَّل، واعتبار طبيعته التَّطوع وجوهره. المبحث الثاني حديث القرآن الكريم عنِ التَّطوع ورد التَّطوع في القرآن الكريم بصيغة الفعل مرَّتين في سورة واحدة هي: سورة البقرة في الآيتين الثامنة والخمسين بعد المائة، والرَّابعة والثَّمانين بعد المائة، وورد بصيغة الاسم في الآية التاسعة والسبعين: ففي الآية الأولى: يقول الله - سبحانه: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [10] دلالة على أنَّ التَّطوع خير لصاحبه، ليس في أداء المناسك أو الطواف بالصفا والمروة فحسب؛ وإنما هو خير لصاحبه في جميع ما يعمل ويتقرب به إلى الله - سبحانه - من أعمال. يقول البغوي - رحمه الله - في الآية السابقة: "قال مجاهد: معناه: فإن تطوَّع بالطواف بالصفا والمروة، وقال مقاتل والكلبي: فمن تطوع؛ أي: زاد في الطواف بعد الواجب، وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه، وقال الحسن وغيره: أراد سائر الأعمال، يعني: فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات، وقوله تعالى: {فَإِنَّ اللهَ}؛ أي: مجاز لعبده بعمله، {عَلِيمٌ} بنيَّته، والشكر من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق، يشكر اليسير، ويعطي الكثير" [11]. وفي الآية الثانية: يقول الله - تعالى - {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [12]؛ دلالة كذلك على ما في التطوع - أيًّا كان نوع العمل فيه - من خير لصاحبه. ولقد نقل الطبري في تفسيره أراء أهل العلم في الآية السابقة، فذكر أنَّ فريقًا منهم قد رأى أن التَّطوع هنا يكون في زيادة عدد المساكين المطعومين، أو إطعام المسكين صاعًا، أو إطعام مساكين عن كل يوم، حيث ذكر ما روي عنِ ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}؛ أي: فزاد طعام مسكين آخر فهو خير له، وما رُوِي عنِ ابن طاوس عن أبيه قال: إطعام مساكين عن كل يوم فهو خير له، وقال كذلك: من أطعم مسكينًا آخر، وما رُوِي عن طاوس، قال: طعام مسكين، وما رُوِيَ عنِ السدي... قال: فإن أطعم مسكينين فهو خير له، ورأى فريق آخر أنَّ المعنى: فمن تطوع خيرًا فصام مع الفدية، وذكر الطبري ما روي عن ابن شهاب... قال: يريد: أن من صام مع الفدية فهو خير له. وكذلك رأى فريق ثالث أن المعنى: فمن تطوع خيرًا فزاد المسكين على قدر طعامه، كما ذكر ما روي عن مجاهد... قال: فمن تطوع خيرًا فزاد طعامًا فهو خير له. ثم قال الطبري بعد أن ذكر الآراء السابقة: "والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره عمَّم بقوله: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}، فلم يخصص بعض معاني الخير، وزيادة مسكين على جزاء الفدية من تطوع الخير، وجائز أن يكون الله تعالى ذكره عني بقوله: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا}؛ أي: هذه المعاني تطوع به المفتدي من صومه فهو خير له؛ لأن كل ذلك من تطوع الخير ونوافل الفضل" [13]. أمَّا لفظة "المطَّوِّعين" فقد وردت في سورة التَّوبة في الآية التاسعة والسبعين؛ إذ يقول الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[14]، والمعنى: الذين يعيبون على المطوعين ويتهمونهم ويسخرون من الذين يتصدَّقون بالقليل الذي عندهم، وذلك أنَّ عبدالرحمن بن عوف تصدَّق بنصف ماله وكان ماله ثمانية آلاف، فتصدَّق منها بأربعة آلاف، فقال قوم: ما أعظم رياءه، فأنزل الله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ}، وجاء رجل من الأنصار بنصف صبرة من تمر، فقالوا: ما أغنى الله عن هذا، فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلاَّ جُهْدَهُمْ} [15]، وقد ذكر القرطبي [16] - رحمه الله - أنَّ الفقير الذي نزلت الآية فيه هو أبو عقيل، واسمه الحبحاب، وذكر الطبري [17] أنه أبو عقيل الأراشي أخو بني أنيف، كما ذكر ابن كثير [18] أن اسمه: عبدالرحمن بن عبدالله بن ثعلبة، والمقصود بلفظ "المطوعين" في الآية الكريمة: الذين يفعلون الشيء تبرعًا من غير أن يجب عليهم. وقد أورد الطبري - رحمه الله - القصَّة كاملة مرويَّة عن ابن عباس - رضي الله عنهما، فذكر ما جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله - تعالى -: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الناس يومًا فنادى فيهم: ((أن اجمعوا صدقاتكم))، فجمع الناس صدقاتهم، ثم جاء رجل من أحوجهم بمنٍّ من تمر فقال: يا رسول الله، هذا صاع من تمر بت ليلتي أجر بالجرير الماء حتى نلت صاعين من تمر، فأمسكت أحدهما وأتيتك بالآخر، فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينثره في الصدقات، فسخر منه رجال، وقالوا: والله إنَّ الله ورسوله لغنيَّان عن هذا، وما يصنعان بصاعك من شيء، ثم إن عبدالرحمن بن عوف رجل من قريش من بني زهرة، قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل بقي من أحد من أهل هذه الصدقات؟ فقال: ((لا))، فقال عبدالرحمن بن عوف: إن عندي مائة أوقية من ذهب في الصدقات، فقال له عمر بن الخطاب: أمجنون أنت؟، فقال: ليس بي جنون، فقال: أتعلم ما قلت؟! قال: نعم؛ مالي ثمانية آلاف، أما أربعة فأقرضها ربى، وأما أربعة آلاف فلي، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت))، وكره المنافقون فقالوا: والله ما أعطى عبدالرحمن عطيَّتَه إلا رياءً، وهم كاذبون إنما كان به متطوعًا، فأنزل الله عذره وعذر صاحبه المسكين الذي جاء بالصاع من التمر، فقال الله في كتابه: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [19]. فكأن المعنى: إنَّ الذين يلمزون المطوعين في الصدقة على أهل المسكنة والحاجة بما لم يوجبه الله عليهم في أموالهم، ويَطعَنون فيها عليهم بقولهم: إنَّما تصدقوا به رياء وسُمعةً، ولم يريدوا وجْهَ الله، ويلمزون الذين لا يجدُون ما يتصدقون به إلاَّ جهدهم، وذلك طاقتهم، فينقصونهم، ويقولون: لقد كان الله عن صدقة هؤلاءِ غنيًّا؛ سخرية منهم وبهم، فيسخرون منهم سخِر الله منهم [20]، وهذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأنَّ الجزاء من جِنس العَمَل، فعاملهم معاملة من سخر منهم انتصارًا للمؤمنين فى الدنيا، وأعدَّ للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا؛ لأنَّ الجزاء من جنس العمل [21]. وثمة - غير الآيات الثلاث السابقة التي ورد فيها ذكر التطوع فعلاً أو اسمًا - آياتٌ أخرى تشير ضمنًا إلى معنى التَّطوع في كل ما فيه خير للمصلحة العامة، وهي معانٍ متعددة مثل: التَّصدُّق، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وإصلاح ذات البين، وذلك في قول الله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [22]، وكذلك التَّعاون على البر والتَّقوى، وذلك في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [23]، وكذلك رعاية المحتاجين من ذَوِي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل والتَّصدق عليهم، وذلك في قوله تعالى: {وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [24]، وكذلك إدراك أن كل عمل فيه خير هو خير مهما كان قدره، وذلك في قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه} [25]، وكذلك يدخل معنى التَّطوع في كل ما يفعله المسلم - غير الفرض - من عمل صالح؛ إذ وعد الله سبحانه وتعالى فاعله بالجزاء الحسن في الدنيا والآخرة، وذلك في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [26]؛ لأنَّ العمل الصالح يشمل الفرض ويشمل النَّفل كذلك، وقد طمأن ربنا - سبحانه - صاحب هذا العَمل الصالح، وذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا} [27]، كما وعد الله سبحانه أصحاب الأعمال الصالحة - التي يدخل التَّطوع فيها ضمنًا بالهداية والجنَّة - وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [28]. يتبع المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|