![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 184 - 186)
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=364611 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ فِيهَا كَانَ مَقْتَلُ جَعْفَرَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ بْنِ بَرْمَكَ , أَبُو الْفَضْلِ الْبَرْمَكِيُّ , الْوَزِيرُ ابْنُ الْوَزِيرِ , وَفِيهَا كَانَ دَمَارُ دِيَارِ الْبَرَامِكَةِ , وَانْدِثَارُ آثَارِهِمْ , وَذَهَابُ صِغَارِهِمْ وَكِبَارِهِمْ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا أَبُو جَعْفَرَ بْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ فَمِمَّا قِيلَ : إِنَّ الرَّشِيدَ كَانَ قَدْ سَلَّمَ يَحْيَى بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ إِلَى جَعْفَرَ الْبَرْمَكِيِّ , فَسَجَنَهُ عِنْدَهُ فَمَا زَالَ يَحْيَى يَتَرَقَّقُ لَهُ , حَتَّى أَطْلَقَهُ جَعْفَرُ فَنَمَّ الْفَضْلُ بْنُ الرَّبِيعِ عَلَى جَعْفَرَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ : وَيْلَكَ , لَا تَدْخُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ جَعْفَرَ , فَلَعَلَّهُ أَطْلَقَهُ عَنْ أَمْرِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ . ثُمَّ سَأَلَ الرَّشِيدُ جَعْفَرَ عَنْ ذَلِكَ فَصَدَقَهُ الْحَالَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ وَحَلَفَ لَيَقْتُلَنَّهُ , وَكَرِهَ الْبَرَامِكَةَ وَمَقَتَهُمْ , وَقَلَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ , بَعْدَمَا كَانُوا أَحْظَى النَّاسِ عِنْدَهُ وَأَحَبَّهُمْ إِلَيْهِ . وَكَانَتْ أُمُّ جَعْفَرَ وَالْفَضْلِ , أُمَّ الرَّشِيدِ مِنَ الرَّضَاعَةِ , فَحَصَلَ لَهُمْ مِنَ الرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا وَكَثْرَةِ الْمَالِ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَيْءٌ كَثِيرٌ , لَمْ يَحْصُلْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْوُزَرَاءِ , وَلَا لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأَكَابِرِ وَالرُّؤَسَاءِ , بِحَيْثُ إِنَّ جَعْفَرَ بَنَى دَارًا غَرِمَ عَلَيْهَا عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ , وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا نَقَمَهُ عَلَيْهِ الرَّشِيدُ . وَيُقَالُ : إِنَّ الرَّشِيدَ كَانَ لَا يَكَادُ يَمُرُّ بِبَلَدٍ وَلَا إِقْلِيمٍ فَيَسْأَلُ عَنْ قَرْيَةٍ أَوْ مَزْرَعَةٍ أَوْ بُسْتَانٍ إِلَّا قِيلَ : هَذَا لِجَعْفَرَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْبَرَامِكَةَ كَانُوا يُرِيدُونَ إِبْطَالَ خِلَافَةِ الرَّشِيدِ وَإِظْهَارَ الزَّنْدَقَةِ . رَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ الرَّشِيدَ سُئِلَ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَهْلَكَ الْبَرَامِكَةَ فَقَالَ : لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ قَمِيصِي يَعْلَمُ ذَلِكَ لَأَحْرَقْتُهُ . وَقِيلَ : بِسَبَبِ الْعَبَّاسَةِ ( أخت الرشيد ) . وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ ابْنُ جَرِيرٍ قَدْ ذَكَرَهُ . وَقَدْ كَانَ جَعْفَرُ يَدْخُلُ عَلَى الرَّشِيدِ بِغَيْرِ إِذْنٍ , حَتَّى كَانَ رُبَّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْفِرَاشِ مَعَ حَظَايَاهُ , وَهَذِهِ وَجَاهَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ , وَكَانَ مِنْ أَحْظَى الْعُشَرَاءِ عَلَى الشَّرَابِ - فَإِنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَسْتَعْمِلُ فِي أَوَاخِرِ مُلْكِهِ الْمُسْكِرَ , وَكَأَنَّهُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ - ( أي : الخمر الذي يحلله بعض المذاهب , بحجة أنه ليس من خمر العنب , فالخمر عندهم ما كان من العنب أو التمر لأن نص القرآن في العنب والتمر { ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سَكَرا ورزقا حسنا } النحل فإذا سَكِر المرء مِن خمر غير هذين الصنفين , فإنه لا يُعتبر شارب خمر , ولا يُقام عليه الحد , بل يُكره له ذلك فقط !! وبعض الفقهاء للأسف كان يتعاطى المسكر بهذه الحجة الواهية وقد ثبت أن النبي صصص قال : " كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ " أخرجه مسلم في صحيحه لكنهم أباحوا المُسكر للناس , والتفوا على النصوص , فأعجب هذا الرأي الرشيد , فعمل به هو وغيره من الناس , فما كانت إلا مدة يسيرة من السنين , حتى نزلت على المسلمين عقوبات شديدة من رب العالمين ) وَكَانَ الرشيد أَحَبَّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ أُخْتُهُ الْعَبَّاسَةُ بِنْتُ الْمَهْدِيِّ , وَكَانَ يُحْضِرُهَا مَعَهُ , وَجَعْفَرُ الْبَرْمَكِيُّ حَاضِرٌ أَيْضًا , فَزَوَّجَهُ بِهَا لِيَحِلَّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا , وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأْهَا , فَكَانَ الرَّشِيدُ رُبَّمَا قَامَ وَتَرَكَهُمَا وَهُمَا ثَمِلَانِ مِنَ الشَّرَابِ , فَرُبَّمَا وَاقَعَهَا جَعْفَرُ , فَاتَّفَقَ حَمْلُهَا مِنْهُ , فَوَلَدَتْ وَلَدًا , وَبَعْثَتْهُ مَعَ بَعْضِ جَوَارِيهَا إِلَى مَكَّةَ , فَكَانَ يُرَبَّى بِهَا . ثُمَّ إِنَّ وَالِدَهُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ جَعَلَ يُضَيِّقُ عَلَى عِيَالِ الرَّشِيدِ فِي النَّفَقَةِ , حَتَّى شَكَتْهُ زُبَيْدَةُ إِلَى الرَّشِيدِ مَرَّاتٍ , ثُمَّ أَفْشَتْ لَهُ سِرَّ الْعَبَّاسَةِ فَاسْتَشَاطَ غَضَبًا وَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْوَلَدَ قَدْ أَرْسَلَتْ بِهِ الْعَبَّاسَةُ إِلَى مَكَّةَ , حَجَّ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى تَحَقَّقَ الْأَمْرَ . وَقَدْ حَجَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ الْوَزِيرُ , وَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْغَضَبَ مِنَ الرَّشِيدِ عَلَيْهِ , فَجَعَلَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَعْبَةِ : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ يُرْضِيكَ عَنِّي سَلْبُ مَالِيَ وَوَلَدِي وَأَهْلِي , فَافْعَلْ ذَلِكَ بِي , وَأَبْقِ عَلَيَّ مِنْهُمُ الْفَضْلَ . ثُمَّ خَرَجَ , فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ رَجَعَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ وَالْفَضْلُ مَعَهُمْ , فَإِنِّي رَاضٍ بِرِضَاكَ عَنِّي , وَلَا تَسْتَثْنِ مِنْهُمْ أَحَدًا . فَلَمَّا قَفَلَ الرَّشِيدُ مِنَ الْحَجِّ صَارَ إِلَى الْحِيرَةِ , ثُمَّ رَكِبَ فِي السُّفُنِ إِلَى الْعُمْرِ مِنْ أَرْضِ الْأَنْبَارِ وَقَدْ كَانَ الرَّشِيدُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَتَلَ فِي آخِرِهِ جَعْفَرَ , هُوَ وَإِيَّاهُ رَاكِبَيْنِ فِي الصَّيْدِ , وَقَدْ خَلَا بِهِ دُونَ وُلَاةِ الْعُهُودِ , وَطَيَّبَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْغَالِيَةِ بِيَدِهِ , وَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَوَدَّعَهُ الرَّشِيدُ , ضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : لَوْلَا أَنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ خَلْوَتِي بِالنِّسَاءِ مَا فَارَقْتُكَ , فَاذْهَبْ إِلَى مَنْزِلِكَ وَاشْرَبْ وَاطْرَبْ لِتَكُونَ عَلَى مِثْلِ حَالِي . فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَشْتَهِي ذَلِكَ إِلَّا مَعَكَ . فَانْصَرَفَ عَنْهُ جَعْفَرُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ بَعْضُهُ , حَتَّى أَرْسَلَ الرَّشِيدُ مَسْرُورًا الْخَادِمَ , وَمَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَالِمٍ , أَبُو عِصْمَةَ , فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْجُنْدِ , فَأَطَافُوا بِجَعْفَرَ بْنِ يَحْيَى لَيْلًا , فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَسْرُورٌ الْخَادِمُ , وَعِنْدَهُ بُخْتَيَشُوعُ الْمُتَطَبِّبُ , وَأَبُو زَكَّارٍ الْأَعْمَى الْمُغَنِّي الْكَلْوَذَانِيُّ , وَهُوَ فِي أَمْرِهِ ( سكران ) وَأَبُو زَكَّارٍ يُغَنِّيهِ : فَلَا تَبْعُدْ فَكُلُّ فَتًى سَيَأْتِي . . . عَلَيْهِ الْمَوْتُ يَطْرُقُ أَوْ يُغَادِي فَقَالَ الْخَادِمُ لَهُ : يَا أَبَا الْفَضْلِ , هَذَا الْمَوْتُ قَدْ طَرَقَكَ , أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَقَامَ إِلَيْهِ جَعْفَرُ فَقَبَّلَ قَدَمَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى أَهْلِهِ فَيُوصِيَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَسْرُور : أَمَّا الدُّخُولُ فَلَا سَبِيلَ إِلَيْهِ فَأَوْصَى جَعْفَرُ , وَأَعْتَقَ جَمَاعَةً مِنْ مَمَالِيكِهِ وَجَاءَتْ رُسُلُ الرَّشِيدِ تَسْتَحِثُّ الْخَادِمَ فَأَخْرَجَهُ مَسْرُورٌ إِخْرَاجًا عَنِيفًا يَقُودُهُ , حَتَّى أَتَى الْمَنْزِلَ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرَّشِيدُ , فَحَبَسَهُ وَقَيَّدَهُ بِقَيْدِ حِمَارٍ , وَأَعْلَمَ الرَّشِيدَ بِمَا كَانَ فَعَلَ فَأَمَرَهُ الرَّشِيدُ بِضَرْبِ عُنُقِهِ فَجَاءَ إِلَى جَعْفَرَ فَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِكَ فَقَالَ : يَا أَبَا هَاشِمٍ , لَعَلَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَكْرَانُ , فَإِذَا صَحَا عَاتَبَكَ عَلَى ذَلِكَ , فَعَاوِدْهُ ( تأكد منه ) . فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , لَعَلَّكَ مَشْغُولٌ . فَقَالَ : وَيْحَكَ يَا مَاصَّ بَظْرِ أُمِّهِ ! ائْتِنِي بِرَأْسِهِ . فَكَرَّرَ عَلَيْهِ جَعْفَرُ الْمُعَاوَدَةَ فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ : بَرِئْتُ مِنَ الْمَهْدِيِّ , لَئِنْ لَمْ تَأْتِنِي بِرَأْسِهِ , لَأَبْعَثَنَّ مَنْ يَأْتِينِي بِرَأْسِكَ وَرَأْسِهِ . فَرَجَعَ مَسْرُورٌ إِلَى جَعْفَرَ فَحَزَّ رَأْسَهُ , وَجَاءَ بِهِ إِلَى الرَّشِيدِ , فَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَكَانَ عُمْرُ جَعْفَرَ إِذْ ذَاكَ سَبْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً , وَكَانَ لَهُمْ فِي الْوِزَارَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَبَعَثَ الرَّشِيدُ بِرَأْسِ جَعْفَرَ وَجُثَّتِهِ , ثُمَّ قُطِعَتْ بِاثْنَيْنِ , فَنُصِبَ الرَّأْسُ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَعْلَى , وَشِقُّ الْجُثَّةِ عِنْدَ الْجِسْرِ الْأَسْفَلِ , وَشِقُّهَا الْآخَرُ عِنْدَ الْجِسْرِ الْآخَرِ , ثُمَّ أُحْرِقَتْ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَرْسَلَ الرَّشِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ الْبُرُدَ فِي الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْبَرَامِكَةِ جَمِيعِهِمْ بِبَغْدَادَ وَغَيْرِهَا , وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ بِسَبِيلٍ فَأُخِذُوا كُلُّهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ , فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَحَبَسَ الرَّشِيدُ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ فِي مَنْزِلِهِ , وَحَبَسَ الْفَضْلَ بْنَ يَحْيَى فِي مَنْزِلٍ آخَرَ , وَأَخَذَ جَمِيعَ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ , وَالْمَوَالِي , وَالْحَشَمِ , وَالْخَدَمِ , وَاحْتِيطَ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ , وَنُودِيَ فِي بَغْدَادَ : أَنْ لَا أَمَانَ لِلْبَرَامِكَةِ وَلَا لِمَنْ آوَاهُمْ , إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ , فَإِنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنْ بَيْنِ الْبَرَامِكَةِ لِنُصْحِهِ لِلْخَلِيفَةِ . وَشُحِنَتِ السُّجُونُ بِالْبَرَامِكَةِ , وَاسْتُلِبَتْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا . وَلَمَّا جَاءَ الْخَبَرُ إِلَى أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ بِقَتْلِهِ , قَالَ : قَتَلَ اللَّهُ ابْنَهُ . وَلَمَّا قِيلَ لَهُ : قَدْ خُرِّبَتْ دَارُكَ . قَالَ : خَرَّبَ اللَّهُ دُورَهُ . وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَمَّا نَظَرَ إِلَى دَارِهِ وَقَدْ هُتِكَتْ سُتُورُهَا , وَاسْتُبِيحَتْ قُصُورُهَا , وَانْتُهِبَ مَا فِيهَا , قَالَ : هَكَذَا تَقُومُ السَّاعَةُ . وَقَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يُعَزِّيهِ فِيمَا وَقَعَ فَكَتَبَ جَوَابَ التَّعْزِيَةِ : أَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ رَاضٍ , وَبِالْخِيَارِ عَالِمٌ , وَلَا يُؤَاخِذُ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَّا بِذُنُوبِهِمْ , وَمَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ , وَمَا يَغْفِرُ اللَّهُ أَكْثَرُ , وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَأَتَى الرَّشِيدُ بِأَنَسِ بْنِ أَبِي شَيْخٍ - وَكَانَ يُتَّهَمُ بِالزَّنْدَقَةِ , وَكَانَ مُصَاحِبًا لِجَعْفَرَ الْبَرْمَكِيِّ - وَذَلِكَ لَيْلَةَ قُتِلَ جَعْفَرُ , فَدَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ كَلَامٌ , فَأَخْرَجَ الرَّشِيدُ سَيْفًا مِنْ تَحْتِ فِرَاشِهِ , وَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ بِهِ , وَجَعَلَ يَتَمَثَّلُ بِبَيْتٍ قِيلَ فِي أَنَسٍ قَبْلَ ذَلِكَ : تَلَمَّظَ السَّيْفُ مِنْ شَوْقٍ إِلَى أَنَسٍ . . . فَالسَّيْفُ يَلْحَظُ وَالْأَقْدَارُ تَنْتَظِرُ فَضُرِبَتْ عُنُقُ أَنَسٍ , فَسَبَقَ السَّيْفُ الدَّمَ فَقَالَ الرَّشِيدُ : رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُصْعَبٍ . فَقَالَ النَّاسُ : إِنَّ السَّيْفَ كَانَ سَيْفَ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ . وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ مِنَ الْمَرَاثِي فِي الْبَرَامِكَةِ , فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الرَّقَاشِيِّ - وَيُذْكَرُ أَنَّهَا لِأَبِي نُوَاسٍ - : أَلَانَ اسْتَرَحْنَا وَاسْتَرَاحَتْ رِكَابُنَا . . . وَأَمْسَكَ مَنْ يُجْدِي وَمَنْ كَانَ يَجْتَدِي فَقُلْ لِلْمَطَايَا قَدْ أَمِنْتِ مِنَ السُّرَى . . . وَطَيِّ الْفَيَافِي فَدْفَدًا بَعْدَ فَدْفَدِ وَقُلْ لِلْمَنَايَا قَدْ ظَفِرْتِ بِجَعْفَرَ . . . وَلَنْ تَظْفَرِي مِنْ بَعْدِهِ بَمُسَوَّدِ وَقُلْ لِلْعَطَايَا بَعْدْ فَضْلٍ تَعَطَّلِي . . . وَقُلْ لِلرَّزَايَا كُلَّ يَوْمٍ تَجَدَّدِي وَدُونَكِ سَيْفًا بَرْمَكِيًّا مُهَنَّدًا . . . أُصِيبَ بِسَيْفٍ هَاشِمِيٍّ مُهَنَّدِ وَقَالَ الرَّقَاشِيُّ وَقَدْ نَظَرَ إِلَى جَعْفَرَ وَهُوَ عَلَى جِذْعِهِ مَصْلُوبٌ : أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا خَوْفُ وَاشٍ . . . وَعَيْنٌ لِلْخَلِيفَةِ لَا تَنَامُ لَطُفْنَا حَوْلِ جِذْعِكَ وَاسْتَلَمْنَا . . . كَمَا لِلنَّاسِ بِالْحَجَرِ اسْتِلَامُ فَمَا أَبْصَرْتُ قُبْلَكَ يَا ابْنَ يَحْيَى . . . حُسَامًا فَلَّهُ السَّيْفُ الْحُسَامُ عَلَى اللَّذَّاتِ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا . . . وَدَوْلَةِ آلِ بَرْمَكٍ السَّلَامُ فَاسْتَدْعَى بِهِ الرَّشِيدُ وَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! كَمْ كَانَ يُعْطِيكَ جَعْفَرُ كُلَّ عَامٍ ؟ قَالَ : أَلْفُ دِينَارٍ . فَأَمَرَ لَهُ بِأَلْفَيْ دِينَارٍ . وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَمِّهِ مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ : لَمَّا قُتِلَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى وَقَفَتِ امْرَأَةٌ عَلَى حِمَارٍ فَارِهٍ ( فخم ) فَقَالَتْ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ : وَاللَّهِ لَئِنْ صِرْتَ الْيَوْمَ آيَةً , فَلَقَدْ كُنْتَ فِي الْمَكَارِمِ غَايَةً . ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ : وَلَمَّا رَأَيْتُ السَّيْفَ خَالَطَ جَعْفَرَ . . . وَنَادَى مُنَادٍ لِلْخَلِيفَةِ فِي يَحْيَى بَكَيْتُ عَلَى الدُّنْيَا وَأَيْقَنْتُ أَنَّمَا . . . قُصَارَى الْفَتَى يَوْمًا مُفَارَقَةُ الدُّنْيَا وَمَا هِيَ إِلَّا دَوْلَةٌ بَعْدَ دَوْلَةٍ . . . تُخَوِّلُ ذَا نُعْمَى وَتُعْقِبُ ذَا بَلْوَى إِذَا أَنْزَلَتْ هَذَا مَنَازِلَ رِفْعَةٍ . . . مِنَ الْمُلْكِ حَطَّتْ ذَا إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى قَالَ : ثُمَّ حَرَّكَتْ حِمَارَهَا , فَذَهَبَتْ فَكَأَنَّهَا كَانَتْ رِيحًا لَا أَثَرَ لَهَا , وَلَا يُعْرَفُ أَيْنَ ذَهَبَتْ . وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ جَعْفَرَ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا : فَنْفَنَةُ . مُغَنِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الدُّنْيَا نَظِيرٌ , كَانَ مُشْتَرَاهَا عَلَيْهِ بِمَنْ مَعَهَا مِنَ الْجَوَارِي مِائَةَ أَلْفِ دِينَارٍ فَطَلَبَهَا مِنْهُ الرَّشِيدُ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمَّا قَتَلَهُ الرَّشِيدُ اصْطَفَى تِلْكَ الْجَارِيَةَ , فَأَحْضَرَهَا لَيْلَةً فِي مَجْلِسِ شَرَابِهِ , وَعِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ جُلَسَائِهِ وَسُمَّارِهِ وَأَحْبَابِهِ , فَأَمَرَ مَنْ مَعَهَا أَنْ يُغَنِّينَ فَانْدَفَعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَغَنِّي , حَتَّى انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَى فَنْفَنَةَ فَأَمَرَهَا الرَّشِيدُ بِالْغِنَاءِ فَأَسْبَلَتْ دَمْعَهَا وَقَالَتْ : أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ ( البرامكة ) فَلَا . فَغَضِبَ الرَّشِيدُ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا , وَأَمَرَ بَعْضَ الْحَاضِرِينَ أَنْ يَأْخُذَهَا إِلَيْهِ , فَقَدْ وَهَبَهَا لَهُ , ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ قَالَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ : لَا تَطَأْهَا . فَفَهِمُوا أَنَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ كَسْرَهَا . فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَهَا الرَّشِيدُ , وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنْهَا , وَأَمَرَهَا بِالْغِنَاءِ فَامْتَنَعَتْ وَأَرْسَلَتْ دُمُوعَهَا وَقَالَتْ : أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا . فَغَضِبَ الرَّشِيدُ أَشَدَّ مِنَ الْأَوَّلِ , وَقَالَ : النِّطْعُ ( الحبل ) وَالسَّيْفُ . فَجَاءَ السَّيَّافُ فَوَقَفَ عَلَى رَأْسِهَا فَقَالَ لَهُ الرَّشِيدُ : إِذَا أَمَرْتُكَ ثَلَاثًا وَعَقَدْتُ أَصَابِعِي ثَلَاثًا فَاضْرِبْ ( اقتلها ) . ثُمَّ قَالَ لَهَا : غَنِّي . فَبَكَتْ وَقَالَتْ : أَمَّا بَعْدَ السَّادَةِ فَلَا . فَعَقَدَ أُصْبَعَهُ الْخِنْصَرَ , ثُمَّ أَمَرَهَا الثَّانِيَةَ , فَامْتَنَعَتْ , فَعَقَدَ اثْنَتَيْنِ فَارْتَعَدَ الْحَاضِرُونَ , وَأَشْفَقُوا غَايَةَ الْإِشْفَاقِ , وَأَقْبَلُوا عَلَيْهَا يَسْأَلُونَهَا أَنْ لَا تَقْتَلَ نَفْسَهَا , وَأَنْ تُجِيبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مَا يُرِيدُ مِنْهَا . ثُمَّ أَمَرَهَا الثَّالِثَةَ فَانْدَفَعَتْ تَغَنِّي : لَمَّا رَأَيْتُ الدِّيَارَ قَدْ دَرَسَتْ . . . أَيْقَنْتُ أَنَّ النَّعِيمَ لَمْ يَعُدِ فَوَثَبَ إِلَيْهَا الرَّشِيدُ , وَأَخَذَ الْعُودَ مِنْ يَدِهَا , وَأَقْبَلَ يَضْرِبُ بِهِ وَجْهَهَا وَرَأْسَهَا حَتَّى تَكَسَّرَ , وَأَقْبَلَتِ الدِّمَاءُ , وَتَطَايَرْنَا مِنْ حَوْلِهَا وَحُمِلَتِ الْجَارِيَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ , فَمَاتَتْ بَعْدَ ثَلَاثٍ . وَرُوِيَ أَنَّ الرَّشِيدَ كَانَ يَقُولُ : لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَغْرَانِي بِالْبَرَامِكَةِ , فَمَا وَجَدْتُ بَعْدَهُمْ لَذَّةً وَلَا رَاحَةً وَلَا رَخَاءً , وَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّي شُوطِرْتُ نِصْفَ عُمْرِي وَمُلْكِي وَأَنِّي تَرَكْتُهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ . وَحَكَى ابْنُ خِلِّكَانَ أَنَّ جَعْفَرَ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ رَجُلٍ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ فَالْتَفَتَتْ إِلَى بَائِعِهَا وَقَالَتْ لَهُ : اذْكُرِ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَنْ لَا تَأْكُلَ مِنْ ثَمَنِي شَيْئًا . فَبَكَى سَيِّدُهَا وَقَالَ : اشْهَدُوا أَنَّهَا حُرَّةٌ , وَأَنِّي قَدْ تَزَوَّجْتُهَا . فَقَالَ جَعْفَرُ : اشْهَدُوا أَنَّ الثَّمَنَ لَهُ أَيْضًا . قَالَ : وَكَتَبَ جَعْفَرُ إِلَى نَائِبٍ لَهُ : أَمَّا بَعْدُ , فَقَدْ كَثُرَ شَاكُوكَ , وَقَلَّ شَاكِرُوكَ , فَإِمَّا أَنْ تَعْدِلَ , وَإِمَّا أَنْ تَعْتَزِلَ . وَمِنْ أَحْسَنِ مَا وَقَعَ مِنْهُ مِنَ التَّلَطُّفِ فِي إِزَالَةِ هَمِّ الرَّشِيدِ , وَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ مُنَجِّمٌ يَهُودِيٌّ , فَأَخْبَرَ الرَّشِيدَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَحَمَلَ الرَّشِيدُ هَمًّا عَظِيمًا فَدَخَلَ جَعْفَرُ فَسَأَلَ : مَا الْخَبَرُ ؟ فَأُخْبِرَ بِقَوْلِ الْيَهُودِيِّ لِلْخَلِيفَةِ : أَنَّهُ سَيَمُوتُ مِنْ عَامِهِ هَذَا فَاسْتَدْعَى جَعْفَرُ الْيَهُودِيَّ , فَقَالَ لَهُ : كَمْ وَجَدْتَ بَقِيَ لَكَ مِنَ الْعُمْرِ ؟ فَذَكَرَ مُدَّةً طَوِيلَةً فَأَقْبَلَ عَلَى الرَّشِيدِ وَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , اقْتُلْهُ حَتَّى تَعْلَمَ كَذِبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ مَوْتِكَ , كَمَا عَلِمْتَ كَذِبَهُ فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ عُمْرِهِ . فَأَمَرَ الرَّشِيدُ بِالْيَهُودِيِّ فَقُتِلَ , وَسُرِّيَ عَنِ الرَّشِيدِ هَمُّهُ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ , وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَكَانَتْ لِجعفرَ فَصَاحَةٌ وَبَلَاغَةٌ وَكَرَمٌ زَائِدٌ , كَانَ أَبُوهُ قَدْ ضَمَّهُ إِلَى الْقَاضِي أَبِي يُوسُفَ , فَتَفَقَّهُ عَلَيْهِ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى لِلرَّشِيدِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , قَالَ لِي أَبِي يَحْيَى : إِذَا أَقْبَلَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكَ فَأَعْطِ , فَإِنَّهَا لَا تَفْنَى , وَإِذَا أَدْبَرَتْ عَنْكَ فَأَعْطِ , فَإِنَّهَا لَا تَبْقَى . قَالَ جَعْفَرُ : وَأَنْشَدَنَا أَبِي : لَا تَبْخَلَنَّ لِدُنْيَا وَهْيَ مُقْبِلَةٌ . . . فَلَيْسَ يَنْقُصُهَا التَّبْذِيرُ وَالسَّرَفُ فَإِنْ تَوَلَّتْ فَأَحْرَى أَنْ تَجُودَ بِهَا . . . فَالْحَمْدُ مِنْهَا إِذَا مَا أَدْبَرَتْ خَلَفُ قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ : وَقَدْ كَانَ جَعْفَرُ مِنْ عُلُوِّ الْقَدْرِ وَنَفَاذِ الْأَمْرِ وَعِظَمِ الْمَحَلِّ وَجَلَالَةِ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَ الرَّشِيدِ بِحَالَةٍ انْفَرَدَ بِهَا , وَلَمْ يُشَارَكْ فِيهَا , وَكَانَ سَمْحَ الْأَخْلَاقِ , طَلْقَ الْوَجْهِ , ظَاهِرَ الْبِشْرِ . فَأَمَّا جُودُهُ وَسَخَاؤُهُ وَبَذْلُهُ وَعَطَاؤُهُ , فَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ , وَأَبْيَنُ مِنْ أَنْ يَظْهَرَ , وَكَانَ أَيْضًا مِنْ ذَوِي الْفَصَاحَةِ الْمَذْكُورِينَ وَالْبَلَاغَةِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ , عَنْ مُهَذَّبٍ حَاجِبِ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ , صَاحِبِ قَطِيعَةِ الْعَبَّاسِ وَالْعَبَّاسِيَّةِ , أَنَّهُ أَصَابَتْهُ ضَائِقَةٌ , وَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْمُطَالِبُونَ , وَعِنْدَهُ سَفَطٌ فِيهِ جَوْهَرٌ شِرَاؤُهُ عَلَيْهِ أَلْفُ أَلْفِ دِرْهَمٍ , فَحَمَلَهُ إِلَى جَعْفَرَ لِيَبِيعَهُ مِنْهُ , فَاشْتَرَاهُ بِثَمَنِهِ , وَوَزَنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفٍ , وَقَبَضَ مِنْهُ السَّفَطَ , وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِذَا السَّفَطُ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى مَنْزِلِهِ , فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَيْهِ لِيَشْكُرَهُ , فَوَجَدَهُ مَعَ أَخِيهِ الْفَضْلِ عَلَى بَابِ الرَّشِيدِ يَسْتَأْذِنَانِ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرُ : إِنِّي قَدْ ذَكَرْتُ أَمْرَكَ لِلْفَضْلِ , وَقَدْ أَمَرَ لَكَ بِأَلْفِ أَلْفٍ , وَمَا أَظُنُّهَا إِلَّا قَدْ سَبَقَتْكَ إِلَى أَهْلِكَ , وَسَأُفَاوِضُ فِيكَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . فَلَمَّا دَخَلَ ذَكَرَ أَمْرَهُ وَمَا لَحِقَهُ مِنَ الدُّيُونِ فَأَمَرَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ . هَذَا , وَقَدْ كَانَ يُبَخَّلُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَخِيهِ الْفَضْلِ , إِلَّا أَنَّ الْفَضْلَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْهُ مَالًا . وَقَدْ دَخَلَتْ عُبَادَةُ أُمُّ جَعْفَرَ عَلَى أُنَاسٍ فِي يَوْمِ عِيدِ أَضْحَى تَسْتَمْنِحُ مِنْهُمْ جِلْدَ شَاةٍ تَتَدَفَّأُ بِهِ فَسَأَلُوهَا عَنْ أَمْرِهِمْ فَقَالَتْ : أَذْكُرُ أَصْبَحْتُ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ , وَإِنَّ عَلَى رَأْسِي أَرْبَعَمِائَةِ وَصِيفَةٍ , وَإِنِّي لَأَقُولُ : إِنَّ ابْنِي جَعْفَرَ عَاقٌّ بِي . حِكَايَةٌ غَرِيبَةٌ ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمُنْتَظَمِ " أَنَّ الْمَأْمُونَ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ إِلَى قُبُورِ الْبَرَامِكَةِ , فَيَبْكِي عَلَيْهِمْ وَيَنْدُبُهُمْ فَبَعَثَ مَنْ جَاءَهُ بِهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَدْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ ( توقع أن يقتله المأمون لأجل حبه للبرامكة ) فَقَالَ لَهُ : وَيْحَكَ ! مَا يَحْمِلُكَ عَلَى صَنِيعِكَ هَذَا ؟ فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّهُمْ أَسْدَوْا إِلَى مَعْرُوفًا وَخَيْرًا كَثِيرًا , وَلِي خَبَرٌ طَوِيلٌ . فَقَالَ : قُلْ . قَالَ : أَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُغِيرَةِ , مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ , كُنْتُ فِي نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ , فَزَالَتْ عَنِّي حَتَّى أَفْضَى بِي الْحَالُ إِلَى أَنْ بِعْتُ دَارِي , وَلَمْ يَبْقَ لِي شَيْءٌ , فَأَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِي عَلَيَّ بِقَصْدِ الْبَرَامِكَةِ , فَأَتَيْتُ بَغْدَادَ وَمَعِي نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً وَصَبِيًّا , فَأَنْزَلْتُهُنَّ فِي مَسْجِدٍ , ثُمَّ قَصَدْتُ مَسْجِدًا أَصلِّي فِيهِ , فَإِذَا فِيهِ جَمَاعَةٌ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُمْ , فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ , فَجَعَلْتُ أُدِيرُ فِي نَفْسِي كَلَامًا أَطْلُبُ بِهِ مِنْهُمْ قُوتًا لِلْعِيَالِ , فَيَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ ذُلُّ السُّؤَالِ , فَبَيْنَا أَنَا كَذَلِكَ , إِذَا بِخَادِمٍ قَدْ أَقْبَلَ فَاسْتَدْعَاهُمْ , فَقَامُوا كُلُّهُمْ وَقُمْتُ مَعَهُمْ , فَدَخَلُوا دَارًا عَظِيمَةً , فَإِذَا الْوَزِيرُ يَحْيَى بْنُ خَالِدٍ فِيهَا , فَجَلَسُوا حَوْلَهُ , فَعَقَدَ عَقْدَ ابْنَتِهِ عَائِشَةَ عَلَى ابْنِ عَمٍّ لَهُ , وَنَثَرُوا عَلَيْنَا سَحِيقَ الْمِسْكِ , وَبَنَادِقَ الْعَنْبَرِ , ثُمَّ جَاءَتِ الْخَدَمُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ بِصِينِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهَا أَلْفُ دِينَارٍ , وَمَعَهَا فُتَاتُ الْمِسْكِ , فَأَخَذَهَا الْقَوْمُ وَنَهَضُوا , وَبَقِيَتْ بَيْنَ يَدَيَّ الصِّينِيَّةُ الَّتِي وَضَعُوهَا لِي , وَأَنَا أَهَابُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ عَظَمَتِهَا عِنْدِي فَقَالَ لِي بَعْضُ الْحَاضِرِينَ : أَلَّا تَأْخُذُهَا وَتَقُومُ ؟ فَمَدَدْتُ يَدِي , فَأَخَذْتُهَا فَأَفْرَغْتُ ذَهَبَهَا فِي جَيْبِي وَأَخَذْتُ الصِّينِيَّةَ تَحْتَ إِبِطِي , وَقُمْتُ وَأَنَا خَائِفٌ أَنْ تُؤْخَذَ مِنِّي , فَجَعَلْتُ أَتَلَفَّتُ , وَالْوَزِيرُ يَنْظُرُ إِلَيَّ وَأَنَا لَا أَشْعُرُ , فَلَمَّا بَلَغْتُ السِّتَارَةَ , أَمَرَهُمْ فَرَدُّونِي فَيَئِسْتُ مِنَ الْمَالِ , فَلَمَّا رَجَعْتُ قَالَ لِي : مَا شَأْنُكَ ؟ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرِي فَبَكَى , ثُمَّ قَالَ لِأَوْلَادِهِ : خُذُوا هَذَا فَضَمُّوهُ إِلَيْكُمْ . فَجَاءَنِي خَادِمٌ فَأَخَذَ مِنِّي الذَّهَبَ وَالصِّينِيَّةَ , وَأَقَمْتُ عِنْدَهُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ وَلَدٍ إِلَى وَلَدٍ , وَخَاطِرِي كُلُّهُ عِنْدَ عِيَالِي , وَلَا يُمْكِنُنِي الِانْصِرَافُ , فَلَمَّا انْقَضَتِ الْعَشْرَةُ جَاءَنِي خَادِمٌ فَقَالَ : أَلَا تَذْهَبُ إِلَى أَهْلِكَ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى وَاللَّهِ . فَقَامَ يَمْشِي أَمَامِي وَلَمْ يُعْطِنِي الذَّهَبَ فَقُلْتُ : يَا لَيْتَ هَذَا كَانَ قَبْلَ هَذَا ( يتمنى أنه رجع قبل أن يأخذوا منه الذهب ) . فَسَارَ يَمْشِي أَمَامِي إِلَى دَارٍ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهَا , فَإِذَا عِيَالِي يَتَمَرَّغُونَ فِي الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ فِيهَا , وَقَدْ وَصَلَ إِلَيْهِمْ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ , وَعَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ , وَكِتَابٌ فِيهِ تَمْلِيكُ الدَّارِ بِمَا فِيهَا , وَبِقَرْيَتَيْنِ جَلِيلَتَيْنِ لَهُمْ , فَكُنْتُ مَعَ الْبَرَامِكَةِ فِي أَطْيَبِ عَيْشٍ , فَلَمَّا أُصِيبُوا , أَخَذَ مِنِّي عَمْرُو بْنُ مَسْعَدَةَ الْقَرْيَتَيْنِ , وَأَلْزَمَنِي بِخَرَاجِهِمَا , فَكُلَّمَا لَحِقَتْنِي فَاقَةٌ , قَصَدْتُ دَوْرَهُمْ وَقُبُورَهُمْ فَبَكَيْتُ عَلَيْهِمْ . فَأَمَرَ الْمَأْمُونُ بِرَدِّ الْقَرْيَتَيْنِ عَلَيْهِ وَخَرَاجِهِمَا . فَبَكَى الشَّيْخُ بُكَاءً شَدِيدًا فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ : أَلَمْ أَسْتَأْنِفْ بِكَ جَمِيلًا ؟ قَالَ : بَلَى , وَلَكِنْ هُوَ مِنْ بَرَكَةِ الْبَرَامِكَةِ . فَقَالَ الْمَأْمُونُ : امْضِ مُصَاحَبًا , فَإِنَّ الْوَفَاءَ مُبَارَكٌ , وَحُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ . المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|