![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
فقه الاعتكاف (2) أ. د. خالد بن علي المشيقح الفصل الثالث الخروج من المسجد ومبطلات الاعتكاف وفيه مبحثان: المبحث الأول: الخروج من المسجد. المبحث الثاني: مبطلات الاعتكاف. المبحث الأول الخروج من المسجد [1] وفيه مطالب: المطلب الأول: أقسامه. المطلب الثاني: اشتراطه. المطلب الثالث: قضاء زمن الخروج للاعتكاف الواجب. المطلب الأول: أقسامه. وفيه مسائل: المسألة الأولى: الخروج ببعض البدن. المسألة الثانية: الخروج بجميع البدن بلا عذر. المسألة الثالثة: الخروج لعذر معتاد شرعًا أو طبعًا. المسألة الرابعة: الخروج لعذر غير معتاد. المسألة الخامسة: الخروج لقربة من القرب. المسألة الأولى: الخروج ببعض البدن. إذا أخرج المعتكف بعض بدنه لم يبطل اعتكافه ولا يترتب عليه شيء باتفاق الأئمة[2]، ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله عنها: "أنها كانت ترجل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض وهو معتكف في المسجد وهي في حجرتها يناولها رأسه، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [3]. المسألة الثانية: الخروج بجميع البدن بلا عذر: فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة [4]، لحديث عائشة رضي الله عنها وفيه: "وكان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا"، ولمنافاته لركن الاعتكاف. وقيد الحنفية الخروج المفسد بساعة وهو جزء من الزمان لا جزء من أربع وعشرين جزءًا [5]. وعند الصاحبين: - أبي يوسف، ومحمد - يفسد إذا خرج أكثر النهار [6]، أي أكثر من نصف يوم [7]. المسألة الثالثة: الخروج لأمر لا بد لـه منه شرعًا أو طبعًا وفيها أمور: الأمر الأول: الخروج لقضاء الحاجة ونحو ذلك كالخروج للقيء أو غسل نجاسة: فإذا خرج لما تقدم لم يبطل اعتكافه إجماعًا. قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن للمعتكف أن يخرج عن معتكفه للغائط والبول" [8]. وقال ابن هبيرة: "وأجمعوا على أن يجوز للإنسان الخروج إلى ما لا بد منه كحاجة الإنسان..." [9]. وكذا نقل الإجماع على ذلك الماوردي [10]، لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [11]. وقولها: "لحاجة الإنسان" المراد بذلك: البول والغائط، كنى عنها بذلك؛ لأن الإنسان يحتاج إليهما لا محالة [12]. ولما تقدم قريبًا أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يخرج رأسه وهو معتكف لترجله عائشة رضي الله عنها" فالخروج لقضاء حاجة الإنسان من باب أولى. ولأن هذا مما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فلو بطل الاعتكاف بخروجه لم يصح لأحد اعتكاف. لكن إن طال مكثه بعد حاجته فسد اعتكافه [13]. ولا يكلف الذي خرج لحاجته الإسراع، بل لـه المشي على عادته [14]. ولو كثر خروجه لقضاء الحاجة لعارض يقتضيه كإسهال فالمصحح عند جمهور الشافعية: أنه لا يضره نظرًا إلى جنسه [15]. الأمر الثاني: الخروج للطهارة الواجبة. وفيه فروع: الفرع الأول: أن لا يمكنه التطهر في المسجد. الفرع الثاني: أن يمكنه التطهر في المسجد. الفرع الثالث: تطهره في بيته مع وجود مطهرة قريبة من المسجد. الفرع الأول: أن لا يمكنه ذلك في المسجد: إذا لم يمكنه أن يتطهر الطهارة الواجبة في المسجد فله الخروج لذلك، وهذا لا يبطل الاعتكاف باتفاق الأئمة. قال ابن هبيرة: "وأجمعوا على أنه يجوز للإنسان الخروج إلى ما لا بد منه لحاجة الإنسان والغسل من الجنابة..." [16]. لما تقدم قريبًا من الأدلة على الخروج لقضاء الحاجة، فكذا للطهارة الواجبة. الفرع الثاني: أن يمكنه التطهر في المسجد: فإن أمكنه التطهر في المسجد فهل يلزمه ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يلزمه. وهو قول المالكية [17]، والحنابلة [18]. لحديث عائشة رضي الله عنها وفيه: "وكان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [19]. والوضوء والغسل تابع لحاجة الإنسان. والقول الثاني: يلزمه أن يتطهر بالمسجد. وبه قال الحنفية [20]، والشافعية [21]؛ لأنه خروج لأمر منه بد. ونوقش: بعدم التسليم، بل هو لأمر ليس منه بد، إذ قد يلحقه ضرر بذلك إذا كان يحتشم من ذلك. وقد لا يرغب الوضوء في المسجد خشية تلويثه. الترجيح: الراجح – والله أعلم - أنه لا يلزمه أن يتطهر في المسجد؛ إذ هو داخل في حاجة الإنسان، لكن إذا هناك مطهرة داخل المسجد معدة للتطهر وهو لا يحتشم منها لزمه ذلك. الفرع الثالث: تطهره في بيته مع وجوده مطهرة قريبة من المسجد: إذا كان هناك ميضأة قريبة من المسجد فهل لـه الذهاب إلى بيته؟ فيه أقوال: القول الأول: أنه إذا كان يحتشم منها فلا يكلف التطهر منها لما في ذلك من خرم المروءة، فيكون داخلاً في حديث عائشة: "وكان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان". وإذا كان لا يحتشم منها فيكلف التطهر منها، لعدم الضرر. وهو قول أكثر العلماء [22]. لكن قيده الشافعية [23]، والقاضي من الحنابلة [24]، بما إذا لم يتفاحش بعد البيت؛ لأنه إذا تفاحش بعده خرج عن عادة المعتكفين. ولأنه يذهب جملة من وقت الاعتكاف في الذهاب والمجيء، وهو غير مضطر إليه. القول الثاني: أنه ليس لـه الخروج إلى منزله مطلقًا. وبه قال بعض الحنابلة [25]. وعللوا: بأنه خروج لأمر لـه منه بد. ونوقش: بعدم التسليم إذا كان مثله يحتشم من التطهر في غير منزله. القول الثالث: يجوز لـه الخروج إلى بيته مطلقًا. وهو وجه عند الشافعية [26]. لأنه يشق عليه التطهر في غير بيته. ونوقش: بأنه إذا كان لا يحتشم من التطهر في غير بيته فلا مشقة عليه. الترجيح: الراجح - والله أعلم - ما ذهب إلى جمهور أهل العلم من التفصيل لما عللوا به، والله أعلم. وإذا كان لـه منزلان أو كان هناك مطهرتان لزمه التطهر بالأقرب منهما. وهو مذهب الشافعية [27]، والحنابلة [28]. لعدم الحاجة في الذهاب إلى الأبعد. وفي قول للحنفية والشافعية [29]: لا يلزمه التطهر بالأقرب منهما. لأنه خروج لحاجة الإنسان فجاز للأبعد منهما. ونوقش: بعدم التسليم فلا حاجة في الذهاب إلى الأبعد مع الاستغناء بالأقرب. وعلى هذا فالأقرب: القول الأول. وكذا لا يكلف الطهارة في ببيت صديقه القريب؛ لما في ذلك من المنة وربما احتشم من ذلك وشق عليه [30]. الأمر الثالث: الخروج للأكل والشرب: اختلف العلماء رحمهم الله في خروج المعتكف للأكل والشرب على قولين: القول الأول: أنه ليس لـه ذلك إلا إذا لم يكن هناك من يأتيه به. وبه قول جمهور أهل العلم [31]. القول الثاني: يجوز الخروج للأكل إن كان المسجد مطروقًا، وإن كان مهجورًا فليس لـه الخروج. وأما الشرب فإن كان في المسجد سقاية فلا يجوز لـه الخروج، وإلا جاز. وهو مذهب الشافعية [32]. الأدلة: استدل الجمهور بالأدلة الآتية: 1 - قولـه تعالى: ﴿ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [33]، فدلت الآية أن الأصل مكث المعتكف في مسجده، لعدم الحاجة إلى خروجه إذا كان هناك من يأتيه بطعامه. 2 - حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: "وكان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [34]. وقوله: "إلا لحاجة الإنسان" كناية عن البول والغائط [35]، فدل ذلك على أنه لا يخرج للأكل والشرب. واستدل الشافعية: أن لـه الخروج للأكل إذا كان المسجد مطروقًا؛ لأن الأكل مما يستحيي منه، بخلاف المسجد المهجور. وليس لـه الخروج للشرب إذا كان في المسجد ماء؛ لأن في الأكل تبذلاً بخلاف الشرب. ولأن استطعام الطعام مكروه، واستسقاء الماء غير مكروه [36]. الترجيح: يمكن الجمع بين الرأيين فيقال: إن احتاج إلى الخروج للأكل لعدم من يأتيه به، أو كان يحتشم من الأكل في المسجد لعدم حجرة أو خباء يأكل فيه فله الخروج، وإلا فليس لـه ذلك. وكذا لـه الخروج للشرب إن لم يكن في المسجد سقاية، أو لم يكن من يأتيه به، والله أعلم. فرع: وأجاز ابن حامد من الحنابلة: أن يأكل مع أهله يسيرًا إذا خرج لأمر لا بد لـه منه كقضاء الحاجة؛ لأن ذلك لا يمنعه المرور في طريقه. وقال بعض الحنابلة: ليس لـه ذلك؛ لأنه لبث في غير معتكفه لما لـه منه بُد فأشبه اللبث لمحادثة أهله. فأمَّا إن أكل وهو مار فلا بأس به؛ لأنه له احتباس فيه [37]. الأمر الرابع: الخروج لصلاة الجمعة: وفيه فروع: الفرع الأول: أثره على الاعتكاف. الفرع الثاني: زمن الخروج من المعتكف لصلاة الجمعة. الفرع الثالث: زمن الرجوع إلى المعتكف من صلاة الجمعة. الفرع الأول: أثره على الاعتكاف. إذا تخلل الاعتكاف جمعة في مسجد غير جامع وجب على المعتكف الخروج إلى صلاة الجمعة إذا كان من أهلها، وهذا باتفاق الأئمة [38]. لفرضيتها عليه إجماعًا [39]، وعدم إمكان قضائها جمعة. لكن اختلف العلماء رحمهم الله في بطلان الاعتكاف في الخروج إلى الجمعة على قولين: القول الأول: أنه لا يبطل اعتكافه. وهو مذهب الحنفية [40]، والحنابلة [41]، وبه قال ابن حزم [42]. القول الثاني: أنه يبطل اعتكافه. وهذا مذهب المالكية [43]، والشافعية [44]. لكن قيده الشافعية فيما إذا كان تطوعًا أو نذرًا متتابعًا، فإذا كان نذرًا غير متتابع لم يبطل بخروجه إلى الجمعة. الأدلة: استدل الحنفية والحنابلة بالأدلة الآتية: 1 - ما تقدم من الأدلة الدالة على مشروعية الاعتكاف في مسجد الجماعة[45]. وجه الدلالة: أن الشارع أذن بالاعتكاف في مسجد الجماعة مع إيجاب صلاة الجمعة، فدل ذلك على إذنه للخروج لصلاة الجمعة، وما ترتب على المأذون غير مضمون. 2 - أدلة وجوب صلاة الجمعة كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [46]. وجه الدلالة: دلت هذه الأدلة على عدم بطلان الاعتكاف بالخروج إلى صلاة الجمعة؛ لأن إيجاب الشارع لها يقتضي استثناءها من عدم البطلان بالخروج. 3 - حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: "وكان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [47]. وهذا في معنى حاجة الإنسان. 4 - قول علي رضي الله عنه: "من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب، ويشهد الجمعة والجنازة، وليوصل أهله إذا كانت لـه حاجة وهو قائم لا يجلس عندهم"[48]. 5 - أنه خرج لواجب فلم يبطل اعتكافه كالمعتدة تخرج لقضاء العدة، وكالخارج لإنقاذ غريق وإطفاء حريق. 6 - أنه إذا نذر أيامًا فيها جمعة فكأنه استثنى الجمعة بلفظه [49]. واستدل المالكية والشافعية على بطلان الاعتكاف بالخروج إلى الجمعة: بأنه يمكنه الاحتراز من الخروج بأن يعتكف في مسجد جامع [50]. ونوقش: بأنه وإن أمكنه ذلك فلا يلزم منه بطلان اعتكافه بالخروج إلى صلاة الجمعة، لإذن الشارع في الاعتكاف في غير مسجد جامع. الترجيح: الراجح - والله أعلم - عدم بطلان الاعتكاف بالخروج إلى صلاة الجمعة؛ لقوة الدليل على ذلك في مقابلة مناقشة دليل القول الآخر. الفرع الثاني: زمن الخروج: تقدم أن المعتكف لـه الخروج إلى صلاة الجمعة؛ لأن هذا أمر لا بد لـه منه شرعًا فيكون داخلاً في حاجة الإنسان، لكن اختلف العلماء القائلون بعدم فساد اعتكافه إذا خرج في وقت خروجه إلى الجمعة، على أقوال: القول الأول: أن لـه التبكير إلى صلاة الجمعة، فيستحب أن يخرج في الوقت الذي يستحب الخروج إلى صلاة الجمعة [51]. وبه قال أبو الخطاب، وابن عقيل [52]. القول الثاني: أن لـه التبكير إلى صلاة الجمعة، ولا يستحب. وهو مذهب الحنابلة [53]. القول الثالث: أنه يخرج وقت زوال الشمس إن قرب مكان اعتكافه، وإن بعد خرج في وقت يدركها ويصلي قبلها أربعًا. وهو مذهب الحنفية [54]. الأدلة: استدل من قال باستحباب التبكير إلى الجمعة: بالأدلة الدالة على استحباب التبكير إلى صلاة الجمعة؛ كحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنه، ومن راح في السعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة" [55]، وهذا يشمل المعتكف وغيره. واستدل الحنابلة على أن لـه التبكير: أنه خروج جائز فجاز تعجيله، كالخروج لحاجة الإنسان [56]. ولعل دليلهم على استحباب عدم التبكير: أنه مشغول بعبادة شرع فيها فكانت أولى. واستدل الحنفية: بأن الخطاب بالصلاة لا يتوجه إلا بعد الزوال [57]. ونوقش هذا الاستدلال: بأن هذا خطاب الوجوب، أما خطاب السعي المستحب للجمعة فمن أول النهار. الترجيح: الراجح - والله أعلم - استحباب تبكير المعتكف لصلاة الجمعة؛ لعموم أدلة استحباب التبكير لصلاة الجمعة، وصلاحية المكان للاعتكاف، فإن اللبث حاصل سواء بالمسجد الجامع أو مسجد اعتكافه، فلا إخلال بركن الاعتكاف. الفرع الثالث: زمن الرجوع إلى المعتكف: لو تأخر المعتكف في الجامع الذي خرج إليه لأداء صلاة الجمعة لم يفسد اعتكافه عند القائلين بعدم فساد اعتكافه بالخروج إلى صلاة الجمعة؛ لصلاحية الموضع للاعتكاف. لكن هل يكره مكثه أكثر من ذلك؟ اختلف العلماء - رحمهم الله - في ذلك على قولين: القول الأول: أنه لا يكره ذلك، لكن لا يستحب أن يطيل المقام بعد الجمعة. وهو مذهب الحنابلة [58]. وقال ابن قدامة: ويحتمل أن تكون الخيرة إليه في تعجيل الرجوع وتأخيره [59]. وعللوا ذلك: بصلاحية الموضع للاعتكاف [60]. القول الثاني: أنه يكره لـه المكث بعد صلاة الجمعة والسنة الراتبة بعدها. وهو مذهب الحنفية [61]. وعللوا ذلك: بأن فيه مخالفة لما التزمه من الاعتكاف في المسجد الأول؛ لأنه لما ابتدأ الاعتكاف فيه فكأنه عينه لذلك فيكره تحوله عنه مع إمكان الإتمام فيه. الترجيح: الراجح - والله أعلم - عدم كراهة المقام في الجامع بعد صلاة الجمعة؛ لأن الكراهة حكم شرعي يفتقر إلى دليل شرعي ولم يرد. المسألة الرابعة: الخروج لعذر غير معتاد وذلك يشمل صورًا: كالخروج بسبب الخوف على نفسه، أو حرمته، أو ماله من عدو أو لص أو حريق، وكالخروج لانهدام المسجد، والخروج لأداء أو تحمل شهادة تعينت عليه، ولإقامة حد، أو طلب سلطان، ولنفير متعين، وخروج المعتكفة لقضاء عدة الفراق ولمرض شديد تشق معه المقام في المسجد، فإن كان يسيرًا لا يشق معه المقام في المسجد فخروجه مبطل ونحو ذلك. وهذه الصور نص عليها فقهاء الحنابلة، فلا يبطل الاعتكاف بالخروج لشيء من ذلك عند الحنابلة. والقول الثاني: إن خرج باختياره كخروجه لأداء شهادة، وكخروج المعتكفة لقضاء العدة - فإنه يجب عليها أن تكمل اعتكافها، ثم تخرج لتكمل عدتها - فإنه يبطل الاعتكاف. وإن كان الخروج بغير اختياره كما لو أخرجه الحاكم لدين أو حد لم يبطل إلا إن اعتكف هربًا من ذلك، وكذا لو خرج لأمر لا يمكن المقام معه كحيض ومرض. وهذا مذهب المالكية [62]. القول الثالث: أنه يبطل الاعتكاف بالخروج لأداء الشهادة، إلا إن تعين عليه التحمل والأداء وكان نذرًا متتابعًا فلا يبطل، ولا يبطل الاعتكاف بخروج المعتكفة لقضاء العدة إلا إن كانت العدة بسببها كأن علق طلاقها بمشيئتها فقالت وهي معتكفة: قد شئت. فإن تعين عليه التحمل أو الأداء بطل، إلا إن كان تحمله قبل الشروع في الاعتكاف فلا يبطل. وكذا لا يبطل بالمرض الشديد الذي يشق معه المقام في المسجد، ويبطل باليسير الذي لا يشق معه المقام في المسجد. وهذا مذهب الشافعية [63]. القول الرابع: أنه يبطل اعتكافه بالخروج لذلك كله. وهو مذهب الحنفية [64]. إذ الأصل عند أبي حنيفة: أن الخروج لغير قضاء الحاجة من بول ونحوه، والطهارة الواجبة، وصلاة الجمعة والعيدين - إذ يرون وجوب صلاة العيدين وجوبًا عينًا - أنه مبطل عندهم. إلا أنه في البدائع: إن انهدم المسجد أو أخرجه سلطان أو غيره فخرج منه مباشرة إلى مسجد آخر لم يبطل اعتكافه استحسانًا [65]. الأدلة: أدلة الحنابلة: استدل الحنابلة على ما ذهبوا إليه من عدم البطلان بطروء الأعذار المتقدمة ونحوها بما يلي: 1 - حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: "وكان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [66]. فألحقوا الخروج لهذه الأعذار بالخروج لحاجة الإنسان. 2 - حديث صفية رضي الله عنها: "أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله وكبُر عليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يلقي في أنفسكما شيئًا"[67]. وفي رواية: "كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عنده أزواجه فرحن فقال لصفية بنت حيي: لا تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة بن زيد فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه رجلان.."[68]. وجه الدلالة: أن قولها: "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم معها" صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معها من المسجد، وأن قولها: "حتى بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة" تعني بابًا غير الباب الذي خرج منه فإن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كان شرقي المسجد وقبلته، وكان للمسجد عدة أبواب فيمر على الباب بعد الباب، والرجلان رأيا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه المرأة خارج المسجد فإنه لو كان في المسجد لم يحتج إلى هذا الكلام. وقوله: "لا تعجلي حتى أنصرف معك" وقيامه معها ليقلبها: دليل على أن مكانها بينه وبين المسجد مسافة يخاف فيها من سير المرأة وحدها ليلاً، وهذا قبل أن تكون حجرتها قريبًا من المسجد، ولهذا قال: "وكان بيتها في دار أسامة بن زيد"، وهذا كله مبين لخروجه من المسجد فإن خروجه إلى مجرد باب المسجد لا فائدة فيه ولا خصوص لصفية فيه لو كان منزلها قريبًا دون سائر أزواجه، فهذا خروج للخوف على أهله فيلحق به كل حاجة [69]. 3 - ولأنه خروج متعين فكان عليه الخروج إليه كالخروج إلى الجمعة [70]. واستدل المالكية: بأنه إذا خرج لأداء الشهادة كان خروجه باختياره؛ إذ يمكن أداؤها في المسجد إما بحضور القاضي، أو نقلها عن المعتكف [71]. ونوقش: أن خروج المعتكف وإن كان باختياره فهو بإيجاب الشارع فلم يبطل الاعتكاف. واستدل الشافعية: لما ذهبوا إليه بما يلي: 1 - أنه إذا تعين عليه التحمل والأداء لم يبطل اعتكافه إذا كان نذرًا متتابعا ً؛ لاضطراره إلى الخروج وإلى سببه. 2 - أنه يبطل اعتكافه المتتابع إذا تعين عليه الأداء أو التحمل؛ لأن خروجه باختياره. ويناقش هذا التعليل: بما نوقش به تعليل المالكية. 3 - أنه لا يبطل الاعتكاف المتتابع بخروجه للشهادة إذا كان تحمله قبل الشروع فيه قياسًا على ما إذا نذر صوم الدهر ففوته لصوم كفارة لزمته قبل النذر فلا يلزمه القضاء. 4 - أنه يبطل اعتكافه إذا كان تطوعًا أو نذرًا غير متتابع: لأن خروجه باختياره [72]. ويناقش: كما تقدم في مناقشة تعليل المالكية. وأما تعليلهم لخروج المعتكفة أو من لزمه حد فنحو ما تقدم. واستدل الحنفية: بحديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: "وكان - أي النبي صلى الله عليه وسلم - لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [73]. فدل على أن الخروج المباح إنما هو لحاجة الإنسان من بول أو غائط، وما يتبع ذلك من طهارة واجبة، وكذا الخروج لصلاة الجمعة لإيجاب الشارع لها [74]. ونوقش هذا الاستدلال: إذا سلم أن قولها رضي الله عنها: "لحاجة الإنسان" محصور بما يحتاجه من بول أو غائط، فأنتم لم تطردوا هذا الأصل فأجزتم الخروج لصلاة الجمعة، وهذه الأعذار في معنى ذلك. الترجيح: الراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه الحنابلة، وهو عدم بطلان الاعتكاف بالأعذار الطارئة لقوة ما استدلوا به. المسألة الخامسة: الخروج لقربة من القرب كعيادة مريض، وصلاة جنازة، وغسل جمعة على القول باستحبابه دون وجوبه، وتجديد وضوء، وحضور مجلس علم ونحو ذلك. ويتبين هذا في إيراد خلاف أهل العلم في خروج المعتكف لعيادة مريض أو صلاة جنازة. القول الأول: أنه ليس لـه ذلك إلا بالشرط، إلا إن تعينت عليه صلاة الجنازة أو تغسيله أو دفنه. وهذا مذهب الحنابلة [75]. القول الثاني: أنه ليس لـه الخروج إلى ذلك إلا بالشرط، ولو تعين عليه ذلك. وهذا مذهب الحنفية [76]، والشافعية [77]. القول الثالث: أن لـه الخروج إلى ذلك بلا شرط. وبه قال الحسن البصري وسعيد بن جبير والنخعي [78]، وهو رواية عن الإمام أحمد [79]. القول الرابع: أنه يجب عليه الخروج لعيادة والديه وجنازتهما، ويبطل اعتكافه. وهو مذهب المالكية [80]. الأدلة: أدلة الرأي: استدل لهذا الرأي: 1 - حديث عائشة رضي الله عنها، وفيه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا" [81]. فعلم أن هذه سنة الاعتكاف، وأن الخروج المباح للمعتكف الخروج لقضاء الحاجة، وما في معنى ذلك من الطهارة الواجبة، وصلاة الجمعة ونحو ذلك كما تقدم، دون الخروج لسائر القرب. وفعله صلى الله عليه وسلم يفسر الاعتكاف المذكور في القرآن. 2 - حديث عائشة، وفيه: "والسنة في المعتكف أن لا يخرج إلا للحاجة التي لا بد منها، ولا يعود مريضًا، ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة، والسنة فيمن اعتكف أن يصوم". وتقدم هل هو من قول عائشة، أو مدرج من الزهري؟ وهو الأقرب [82]. 3 - حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بالمريض وهو معتكف فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه" [83]. ونوقش: بأنه حديث ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم [84]. 4 - قول عائشة رضي الله عنها: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا وأنا مارة" [85]. فعدم سؤال عائشة رضي الله عنها عن المريض إلا وهي مارة دون تعريج عليه إذا دخلت البيت لحاجة دليل على عدم قصد الخروج لعيادة المريض من باب أولى. 5 - أنه خروج لما لـه منه بد فلم يجز كما لو خرج لزيارة والديه، أو صديقه أو طلب العلم، ونحو ذلك من القرب [86]. ودليل جواز ذلك بالشرط: ما سيأتي بحثه في حكم الشرط في الاعتكاف قريبًا. ودليل جواز الخروج إذا تعين عليه ذلك: ما تقدم من الأدلة على جواز الخروج للأعذار الطارئة [87]. ودليل الحنفية والشافعية: أنه ليس لـه الخروج إلا بالشرط ولو تعين عليه: أما الحنفية: فلأن الأصل عند أبي حنيفة: أنه لا يخرج المعتكف إلا بحاجة الإنسان من بول وغائط، وما يتبعه من طهارة واجبة، وكذا صلاة الجمعة، لحديث عائشة رضي الله عنها، وقد تقدم مناقشته [88]. وأما الشافعية: فلأنه خروج باختياره فكان مبطلاً، فلم يكن لـه ذلك إلا بالشرط. ونوقش هذا التعليل: بأنه إذا تعين عليه ذلك كان من الأعذار الطارئة وقد تقدم الدليل على الخروج للأعذار الطارئة [89]. دليل الرأي الثالث: 1 - حديث أنس مرفوعًا: "المعتكف يتبع الجنازة ويعود المريض" [90]. ونوقش: بأن في إسناده: عنبسة بن عبد الرحمن الأموي، متروك الحديث [91]. 2 - ما رواه عاصم بن ضمرة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "من اعتكف فلا يرفث ولا يساب، ويشهد الجمعة والجنازة، وليوصل أهله إذا كانت لـه حاجة وهو قائم لا يجلس عندهم" [92]. قال الإمام أحمد: عاصم بن ضمرة عندي حجة. ونوقش: بمخالفته لظاهر القرآن والسنة. كما أنه مخالف لقول عائشة رضي الله عنها. وأما دليل المالكية: فيخرج لعيادة والديه لوجوب برهما، ويبطل اعتكافه؛ لأنه خرج باختياره [93]. ولا يخرج لعيادة أو جنازة غيرهما مطلقًا؛ لعدم تجويزهم الشرط في الاعتكاف [94]. الترجيح: الراجح - والله أعلم - جواز الخروج بالشرط لكل قربة لما تقدم من الدليل على ذلك. يتبع المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|