بسم الله الرحمن الرحيم
العبادة لغةً: من الخضوع والانقياد والتذلل، يُقال بعير مُعبّد أو طريق مُعبّد: أي مُذلّل سلس سهل الانقياد.
وهي شرعاً: غاية الحب مع غاية الذل .
والعبادة كما عرفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هي : اسم جامع لكل ما يُحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. أمَّا العـلامة ابن القيم رحمه الله، عرفها بأنها: غاية الحب لله عزَّ وجلَّ مع غاية الذل له، التي تحث على العمل لطاعته، والانزجار عن نواهيه.
فالعبادة هي غاية الذل لأنَّها هي طاعة وإنقياد وخضوع لأوامر الله عزوجل ونواهيه على وجه التعظيم له سبحانه وتعالى. وهي غاية الحب لأنَّها هي عمل الطاعات التي يُحبها الله عزوجل وترك المعاصي التي يكرهها سبحانه وتعالى؛ فبها يتقرب العبد إلى حبيبه المعبود بما يُحب ويرضى.
فيتبين من ذلك أن عبادة الله عزوجل تكون بالتذلل له وبتعظيمه وتنزيهه وتقديسه فهو الملك العظيم الذي ليس كمثله شيء؛ فجميع من في السموات والأرض يعظمه ومن أوجه تعظيم المخلوقات لخالقها العظيم الآتي:
1) تعظيم السموات والأرض لله العظيم: قال تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (الأحزاب:72)؛ فالسموات والأرض أبت حمل أمانة العبادة شفقًا منها أن لا تقوم بالواجب عليها إجلالاً وتعظيمًا لله عزوجل. وقال تعالى (تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا) (مريم:90-91)؛ تكاد السماوات يتشققن قطعا وتكاد الأرض تنشق فتتصدع وتكاد الجبال يسقط بعضها على بعض من قيلهم (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) إجلالاً وتعظيمًا لله عزوجل.
2) تعظيم الملائكة لله العظيم: قال تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل:50)؛ يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات ، وما في الأرض من دابة، ربهم من فوقهم، أن يعذّبهم إن عَصَوا أمره ،ويفعلون ما يؤمرون إجلالاً وتعظيمًا له سبحانه وتعالى. وقال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) (الأنبياء:28) يعلم ما قدّم الملائكة وما أضاعوا من أعمالهم ولا يشفعوا إلا لمن رضي الله عنه، وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون إجلالاً وتعظيمًا له سبحانه وتعالى. وقال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ) (غافر:7)؛ الذين يحملون عرش الله من ملائكته, ومن حول عرشه, ممن يحفّ به من الملائكة يصلون لربهم بحمده وشكره ويقرّون بالله أنه لا إله لهم سواه, ويشهدون بذلك, لا يستكبرون عن عبادته إجلالاً وتعظيمًا له سبحانه وتعالى.
3) تعظيم الجن لله العظيم: قال تعالى عن الجن (وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا * وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا) (الجن:3-4)؛ يقول الجن المؤمنون بأنه تعالى أمر ربنا وسلطانه وقُدرته، فلا يكون له صاحبة ولا ولد إجلالاً وتعظيمًا له سبحانه وتعالى. وأنَّ السفيه إبليس كان يقول على الله عزوجل جورًا وظلمًا كبيرًا بزعم ونسب الصاحبة والولد له سبحانه وتعالى.
4) تعظيم إبليس لله العظيم: قال تعالى عن إبليس (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (ص:82)؛ فحتى إبليس اللعين أقسم بعزة الله إجلالاً وتعظيمًا له سبحانه وتعالى على إغواء الناس أجمعين إلا عباد الله المخلصين؛ رغم أنه أساء الأدب مع الله عزوجل في قول آخر وهو قوله تعالى عن إبليس وتمرده وعتوه (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ) (الحجر:39).
5) تعظيم الإنسان لله العظيم: من الناس من نازع الله في إلوهيته وربوبيته وعظمته فقسمه الله المنتقم الجبار وانتقم منه كما انتقم من فرعون ونمرود اللعينينِ؛ فذلك قوله تعالى عن فرعون اللعين (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) (النازعات:24)، وقوله تعالى (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي) (القصص:38)، وقوله تعالى عن نمرود (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) (البقرة:258).
ومنهم من آمن بالله العظيم وعظمه وعبده وأطاعه رغبًا ورهبًا وحبًا وخشيةً وهؤلاء هم الأنبياء عليهم الصلاةو السلام ومن تبعهم من المؤمنين بإحسان إلى يوم الدين؛ قال تعالى عن الرسول صلى الله عليه وسلم (وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (يونس:15)، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ) (الشعراء:82)، وقال تعالى عن عيسى عليه السلام (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) (المائدة:116)، وقال تعالى عن موسى عليه السلام (وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) (الأعراف:155)، وقال تعالى عن نوح عليه السلام (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ۖ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ) (هود:47)، وقال تعالى عن آدم عليه السلام وزوجه (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الأعراف:23)، وقال تعالى عن داود عليه السلام (وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) (ص:24)، وقال تعالى عن يونس عليه السلام (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:87)، وقال تعالى عن المؤمنين من أهل الكتاب (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء:107-109)، وقال تعالى عن المؤمنين من المسلمين (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23)، وكذلك قال تعالى عنهم (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ) (المؤمنون:60).
خلاصة القول أن عبادة الله عزوجل يجب أن تكون عن تذلل وخضوع وحب وخشية مقرونينَ بتعظيم الله الملك العظيم على القدر اللائق بجلال قدره وعظمة منزلته سبحانه وتعالى، فهو من يسجد لهُ من في السموات و من في الأرض والشمسُ والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثيرٌ من الناس وكثيرٌ حق عليه العذاب. وكذلك يجب أن تكون عن طاعة واستسلام لأوامر الله عزوجل ونواهيه كما يُطيع العبد سيدَه ولله عزوجل المثل الأعلى؛ فالله سبحانه وتعالى هو الملك العظيم مالكُ الملك، ومالك الدنيا والآخرة وما فيهما، وهو الخالق العظيم، خالق الدنيا والآخرة وما فيهما، فهو يملك الإنسان والمخلوقات جميعها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المراجع:
1) تفسير الطبري
الكاتب: أخوكم خالد صالح أبودياك.
المصدر...