رُواة العلــوم كثيــر، ورعاتــها قليــل!!
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه.. وبعد؛ فقد ذكر أهل العلم أن من طلبة العلم من يكون همُّهُ في الطلب مصروفًا إلى الرواية (أي: الحفظ)، ومنهم من يكون همُّهُ مصروفًا إلى الدِّراية (أي: الفهم والاستنباط والتصحيح والتضعيف).. وقالوا: وكلٌّ ميسرٌ لما خُلِقَ له.. استحسانًا منهم لكلا السبيلين. فصاحبُ الرواية ممدوحٌ مأجورٌ على أدائه للعلم بعد تحمُّلِهِ إياه؛ طالما كان يتقن ما يحفظه ويضبطه، سواء كان حِفْظُهُ للعلم حِفْظَ صدرٍ أو حِفْظَ كتابٍ. وهذا الصنف يقوم بدور الزاملة (أي: الناقة التي تحمل الماء وتنقله)، ورُبَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورُبَّ حامل فقه إل مَن هو أفقه منه، وكذلك صاحبُ الدراية ممدوحٌ مأجورٌ، وهو يقوم بدور المستثمر الذي يقوم بفلاحة الأرض وحرثها وسقيها وغير ذلك.. حتى يَخْرُجَ نباتُها ويَبْدُوَ صلاحُ ثِمارِهَا.. وفي حديث أبي موسى في الصحيح: «مَثَلُ ما بعثني اللهُ به من الهُدَى والعِلْم، كمَثَلِ الغَيْثِ الكثير أصاب أرضًا، فكانتْ منها نقية (وفي رواية: طائفة طيبة) قَبِلَتِ الماءَ، فأنبتَتِ الكَلَأَ والعُشْبَ الكثير. وكانتْ منها أجادِبُ أمسكتِ الماءَ، فَنَفَعَ اللهُ بها الناس، فشربوا وسقَوْا وزرعوا...» الحديث.
غير أنهم ذكروا أنه وإن جاز لطالب العلم أن يُغَلِّب جانبًا على آخر غير أنه لا يجوز أن يشغل أحدُ الجانبين طالبَ العلم عن تحصيل الحدِّ الأدنى من الجانب الآخر والذي لا يسع طالب العلم أن ينفك عنه.. ويظهر ذلك (على سبيل التمثيل) في اشتراط من أجاز رواية الحديث بالمعنى أن يكون راويه عالمًا بما يُحيلُ ويغير معاني الألفاظ.. وعلى الجانب الآخر (على سبيل التمثيل أيضًا)؛ ما الذي جعل أصحاب الحديث يحملون ويُشَنِّعون أشد التشنيع على أصحاب الرأي من فقهاء العراق من الأحناف وغيرهم سوى أنهم لم يعتنوا بالرواية؛ تحصيلًا وحفظًا وضبطًا ونقدًا..؟!
وعلى كلٍّ فقِوام العلم على هاتين الساقين؛ الرواية والدراية..
ونحن نلحظ ونرى في هذه الأيام انتشارًا لمجالس السماع والقراءة واعتناءً متزايدًا بها من المشايخ وإقبالًا عليها من الطلاب.. وهذا أمرٌ طيبٌ محمودٌ، نفرح به ولا نطالب بتقليله فضلًا عن إهماله؛ فهي مجالسُ مباركةٌ، نافعةٌ،.. ولو لم يكن فيها من فائدةٌ سوى ذكر الله عز وجل والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، واقتناء الحاضرين لهذه المجالسِ الكتابَ المسموعَ؛ لكفى!!
غير أننا لا نريد من طلبة العلم أن تقصر همتهم عند هذا، اكتفاءً منهم بإجازةٍ يحصل عليها كل من حضر مجلس السماع؛ صغيرًا أو كبيرًا، والفاهمُ اليَقِظُ وغير الفاهم اليقظ، والقادرُ على قراءة الكتاب بمتنه وإسناده ورجاله وصيغ الداء بإتقان.. وغيرُهم؛ ممن لا يحسن شيئًا من ذلك!! فهذه والله إجازة لا ثِقَلَ لها عند التحقيق، ولا فائدة منها سوى شرفِ الانتساب إلى أصحاب الحديث، ورواية وأداء الكتاب بعد ذلك بإسناده..
أما أن يُطارَ بهذه الإجازة فرحًا، ويُتباهى بها زورًا، وتُتَّخَذُ وسيلةً للاستعلاء بها على المبتدئين من طلبة العلم ولمنافسة الأقران؛ فهذا (والله) سوء القصد وسوء العمل!! ولن يبوء صاحب هذا المسلك إلا بالإثم؛ وحسبُهُ أنه قد استكثر من حجج الله عليه..
ورحم الله الخطيب البغدادي لما أوصى بما يصح أن نجعله نوعًا ثالثًا من أنواع حفظ العلوم؛ وهو (حفظ الرعاية) فقال رحمه الله في وصيته لطالب الحديث: «..وليجعلْ حفظَهَ للحديث حفظَ رعايةٍ لا حفظَ رواية، فإنَّ رواةَ العلومِ كثيرٌ، ورُعاتُها قليلٌ، ورُبَّ حاضرٍ كالغائب، وعالمٍ كالجاهل، وحاملٍ للحديث ليس معه منه شيءٌ؛ إذ كان في إطراحه لحكمه بمنزلة الذاهب عن معرفته وعلمه..». الجامع (1/87).
نسأل الله حسن الفهم وحسن العمل.
المصدر...