قَالَ الْحَافِظُ الْبَدْرُ الْعَيْنِيُّ «الْمَقَاصِدُ النَّحْوِيَّةُ فِي شَرْحِ شَوَاهِدِ شُرُوحِ الأَلْفِيَّةِ» (4/ 1985) فِي شَوَاهِدِ الْعَدَدِ:
الشَّاهِدُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَالأَلْفِ:
إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَامًا ... فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ وَالْفَتَاءُ (1)
أقول: قَائِلُهُ هُوَ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعِ الْفَزَارِيُّ، وَكَانَ مِنَ الْمُعَمَّرِينَ.
وَهُوَ مِنْ قَصِيْدَةٍ أَوَّلُهَا هُوَ قَوْلُهُ:
ألَا أبْلِغْ بَنِيَّ بَنِي رَبِيعٍ ... فَأَشْرَارُ الْبَنِينَ لَهُمْ فِدَاءُ
بِأَنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَرَقَّ عَظْمِي ... فَلا يَشْغَلْكُمُ عَنِّي النِّسَاءُ
وَإنَّ كَنَائِنِي لَنِسَاءُ صِدْقٍ ... وَمَا أَشْكُو بَنِيَّ فَمَا أَسَاءُوا
إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
وَأَمَّا حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ قُرٍّ ... فَسِرْبَالٌ خَفِيفٌ أَوْ رِدَاءُ
إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَامًا ... فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ وَالْفَتَاءُ
وَهِيَ مِنَ الْوَافِرِ.
قَوْلُهُ: «اللَّذَاذَة» بِفَتْحِ الْلَامِ؛ مِنْ لَذِذْتُ الشَّيْءَ بِالْكَسْرِ لَذَاذَةً وَلَذَاذًا؛ إِذَا وَجَدْتَهُ لَذِيْذًا.
وَيُرْوَى: فَقَدْ ذَهَبَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَتَاءُ. وَ«الْفَتَاءُ» بِالْمَدِّ مِنْ فَتِيَ بِالْكَسْرِ يَفْتَى فَتًى، فَهُوَ فَتِيٌّ بَيِّنُ الْفَتَاءِ، وَقَدْ وُلِدَ لَهُ فِي فَتَاءِ سِنِّهِ أَوْلَادٌ.
الإِعْرَابُ: قَوْلُهُ: «إِذَا» لِلشَّرْطِ. وَ«عَاشَ الْفَتَى»: جُمْلَةٌ مِنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ؛ فِعْلُ الشَّرْطِ. قَوْلُهُ: «مِائَتَيْنِ»: نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ: مِقْدَارَ مِائَتَيْنِ وَنَحْوِهِ، وَ«عَامًا» نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيزِ. قَوْلُهُ: «فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ»: جُمْلَةٌ مِنَ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ وَقَعَتْ جَوَابًا لِلشَّرْطِ. قَوْلُهُ: «وَالْفَتَاءُ»: عَطْفٌ عَلَى اللَّذَاذَةِ.
الاسْتِشْهَادُ فِيهِ:
فِي قَوْلُهُ: «مِائَتَيْنِ عَامًا»، وَذَلِكَ لأَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ إِضَافَةُ الْمِائَتَيْنِ إِلَى الْعَامِ [مِائَتَيْ عَامٍ]، وَهَذَا شَاذٌّ لا يُقَاسُ عَلَيْهِ (2).
[ أَخْبَارُ الرَّبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الْفَزَارِىِّ ]
قَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُوسَوِيُّ الْعَلَوِيُّ فِي أَمَالِيهِ الْمُسَمَّاةِ «غُرَرُ الْفَوَائِدِ وَدُرَرُ الْقَلائِدِ» (1/ 254):
وَمِنَ الْمُعَمَّرِينَ: الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الْفَزَارِىُّ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ بَقِيَ إِلَى أَيَّامِ بَنِي أُمَيَّةَ.
وَرُوِيَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ: يَا رَبِيعُ، أَخْبَرْنِى عَمَّا أَدْرَكْتَ مِنَ الْعُمُرِ وَالْمَدَى، وَرَأَيْتَ مِنَ الْخُطُوبِ الْمَاضِيَةِ؟، قَالَ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ:
هَا أَنَا ذَا آمِّلُ الْخُلُودَ وَقَدْ … أَدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجْرًا
فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: قَدْ رَوَيْتُ هَذَا مِنْ شِعْرِكَ وَأَنَا صَبِيٌّ، قَالَ: وَأَنَا الْقَائِلُ:
إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَامًا … فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ وَالْفَتَاءُ
قَالَ: قَدْ رَوَيْتُ هَذَا مِنْ شِعْرِكَ وَأَنَا غُلَامٌ، وَأَبِيكَ يَا رَبِيعُ، لَقَدْ طَلَبَكَ جَدٌّ غَيْرُ عَاثِرٍ، فَفَصِّلْ لِي عُمُرَكَ، قَالَ: عِشْتُ مِائَتَيْ سَنَةٍ فِى فَتْرَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، وَسِتِّينَ سَنَةً فِى الإِسْلامِ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ مُتَوَاطِئِي الأَسْمَاءِ، قَالَ: سَلْ عَنْ أَيِّهِمْ شِئْتَ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: فَهْمٌ وَعِلْمٌ، وَعَطَاءٌ جَذْمٌ، وَمِقْرًى ضَخْمٌ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حِلْمٌ وَعِلْمٌ، وَطُولُ كَظْمٍ، وَبُعْدٌ مِنَ الظُّلْمِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: رَيْحَانَةٌ طَيِّبَةٌ رِيحُهَا، لَيِّنٌ مَسُّهَا، قَلِيلٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ضُرُّهَا، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: جَبَلٌ وَعْرٌ، يَنْحَدِرُ مِنْهُ الصَّخْرُ، قَالَ: للهِ دَرُّكَ يَا رَبِيعُ، مَا أَعْرَفَكَ بِهِمْ!، قَالَ: قَرُبَ جِوَارِي، وَكَثُرَ اسْتِخْبَارِي.
قَالَ الشَّرِيفُ الْمُرْتَضَى: إِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَرُ صَحِيحًا، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُ عَبْدِ الْمَلِكِ لَهُ إِنَّمَا كَانَ فِى أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ، لَا فِى أَيَّامِ وِلايَتِهِ، لأَنَّ الرَّبِيعَ يَقُولُ فِى الْخَبَرِ: «عِشْتُ فِى الْإِسْلَامِ سِتِّينَ سَنَةً»، وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَلِيَ فِى سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلا بُدَّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ؛ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الرَّبِيعَ أَدْرَكَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ.
وَيُقَالُ: إِنَّ الرَّبِيعَ لَمَّا بَلَغَ مِائَتَىْ سَنَةٍ قَالَ:
ألَا أبْلِغْ بَنِيَّ بَنِي رَبِيعٍ ... فَأَشْرَارُ الْبَنِينَ لَكُمْ فِدَاءُ
بِأَنِّي قَدْ كَبِرْتُ وَرَقَّ عَظْمِي ... فَلا تَشْغَلْكُمُ عَنِّي النِّسَاءُ
وَإنَّ كَنَائِنِي لَنِسَاءُ صِدْقٍ ... وَمَا آلَى بَنِيَّ وَلَا أَسَاءُوا
إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
وَأَمَّا حِينَ يَذْهَبُ كُلُّ قُرٍّ ... فَسِرْبَالٌ خَفِيفٌ أَوْ رِدَاءُ
إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَامًا ... فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ وَالْفَتَاءُ
وَقَالَ حِينَ بَلَغَ مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً:
أَصْبَحَ مِنِّي الشَّبَابُ قَدْ حَسِرَا … إِنُ يَنْأَ عَنِّي فَقَدْ ثَوَى عَصْرَا (3)
وَدَّعْنَا قَبْلَ أَنْ نُوَدِّعَهُ … لَمَّا قَضَى مِنْ جِمَاعِنَا وَطَرَا
هَا أَنَا ذَا آمِّلُ الْخُلُودَ وَقَدْ … أَدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجْرَا
أَبَا امْرِئِ الْقَيْسِ هَلْ سَمِعْتَ بِهِ … هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ طَالَ ذَا عُمُرَا
أَصْبَحْتُ لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا ... أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيْرِ إِنْ نَفَرَا
وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا
مِنْ بَعْدِ مَا قُوَّةٍ أُسَرُّ بِهَا … أَصْبَحْتُ شَيْخًا أُعَالِجُ الْكِبَرَا
قَوْلُهُ: «عَطَاءٌ جَذْمٌ» أَىْ سَرِيعٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ تَسَرَّعْتَ فِيهِ فَقَدْ جَذَمْتَهُ، وَفِى الْحَدِيثِ:
«إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاجْذِمْ»، أَىْ: أَسْرِعْ. وَالْمِقْرَى: الإِنَاءُ الَّذِي يَقْرِى فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: «فَمَا آلَى بَنِيَّ وَلا أَسَاءُوا»، أَىْ: لَمْ يُقَصِّرُوا، وَالآلِيُّ: الْمُقَصِّرُ.
_____ هامش _____
[1] * (إِذَا عَاشَ الْفَتَى مِائَتَيْنِ عَامًا ... فَقَدْ ذَهَبَ اللَّذَاذَةُ وَالْفَتَاءُ)
الْبَيْتُ مِنَ الْوَافِرِ، وَهُوَ لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ فِي الْكِتَابِ لِسِيبَوَيْهِ (1/ 208 و 2/ 162)، وَالْمُعَمَّرُونَ وَالْوَصَايَا لأبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ (ص 2)، وَأَمَالِي الشَّرِيْفِ الْمُرْتَضَى (1/ 254)، وَخِزَانَةِ الْأَدَبِ وَلُبِّ لُبَابِ لِسَانِ الْعَرَبِ (7/ 379، 380، 381، 385، والدرر 4/ 14)، وَشَرْحِ التصريح 2/ 273)، وَشَرْحِ عمدة الحافظ ص 525، وَلِسَانِ الْعَرَبِ (15/ 145.فتا)، وَالْمَقَاصِدِ النَّحْوِيَّةِ فِي شَرْحِ شَوَاهِدِ شُرُوحِ الأَلْفِيَّةِ لِلْبَدْرِ الْعَيْنِيِّ (4/ 481)، وَهَمْعِ الْهَوَامِعِ للسُّيُوطِيِّ (1/ 135).
وَبِلَا نِسْبَةٍ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ لابْنِ قُتَيْبَةَ (ص 299)، وَالْمُقْتَضَبِ لِلْمُبَرِّدِ (2/ 169)، وَمَجَالِسِ ثَعْلَبٍ (ص 333)، وَجَمْهَرَةِ اللُّغَة لابْنِ دُرَيْدِ (ص 1032)، وَالْمَقْصُورِ وَالْمَمْدُودِ لابْنِ وَلَّادٍ (ص 17)، وَشَرْحِ الْمُفَصَّلِ لابْن يَعِيش (6/ 21)، وَأَوْضَحَ الْمَسَالِكِ إِلَى أَلْفِيَّةِ ابْنِ مَالِكٍ لابْنِ هِشَامٍ (4/ 255)، وَشَرْحِ الأَشْمُونِيِّ عَلَى الأَلْفِيَّةِ (3/ 623).
[2] الشَّاهِدُ فِيهِ: إِثْبَاتُ النُّونِ فِي مِائَتَيْنِ ضَرُورَةً، وَنَصْبُ مَا بَعْدَهَا عَلَى التَّمْيِيزِ، وَهُوَ عَامٌ، شَبَّهَهُ بِعِشْرِينَ وَثَلاثِينَ، وَكَانَ القياس: حَذْفَ النُّونِ، وَخَفْضَ عَامٍ [مِائَتَيْ عَامٍ].
[3] * (هَا أَنَا ذَا آمِّلُ الْخُلُودَ وَقَدْ … أَدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجْرَا)
(أَبَا امْرِئِ الْقَيْسِ هَلْ سَمِعْتَ بِهِ … هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ طَالَ ذَا عُمُرَا)
الْبَيْتَانِ مِنَ الْمُنْسَرِحِ، وَهُمَا لِلرَّبِيعِ بْنِ ضَبُعٍ الْفَزَارِيِّ فِي النَّوَادِرِ فِي اللُّغَةِ لأَبِي زَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ (ص 447)، وَأَمَالِي الشَّرِيْفِ الْمُرْتَضَى (1/ 255)، وَحَمَاسَةِ الْبُحْتُرِيِّ (ص 201)، وَفَصْلِ الْمَقَالِ فِي شَرْحِ كِتَابِ الأَمْثَالِ لأَبِي عُبَيْدٍ الْبَكْرِيِّ (ص 176)، وَالاقْتِضَابِ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكِتَابِ لِلْبَطَلْيُوسِيِّ (1/ 197)، وَالدُّرِّ الْفَرِيدِ وَبَيْتِ الْقَصِيدِ لِلْمُسْتَعْصِمِيِّ (3/ 396)، وَخِزَانَةِ الْأَدَبِ وَلُبِّ لُبَابِ لِسَانِ الْعَرَبِ (7/ 384).
وَبِلَا نِسْبَةٍ فِي الْمُقْتَضَبِ لِلْمُبَرِّدِ (3/ 183)، وَالأَزْمِنَةِ وَالأَمْكِنَةِ لِلْمَرْزُوقِيِّ (ص 471).
المصدر...