![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
بقلم: د. عمر بن الجيلاني الشبلي الزيتوني التونسي
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الزيتونة العامرة بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه؛ وبعد، شاهدت ليلة البارحة السبت 4 فيفري 2017 برنامجا على احدى القنوات الفضائية التونسية استُضيف فيه رجلٌ معمّمٌ يلبس جبّةً قيل أنّه شيخٌ، فاستدرجه مقدّم البرنامج إلى الحديث عن مسائل الغناء والمعازف.. وهي من المسائل الفقهية المثيرة للجدل قديما وحديثًا وقد تكلّم حولها العلماء وكتبوا فيها الكتب والرسائل.. فمنهم من يحلّ ومنهم من يحرّم وآخرون أحلّوا ذلك بضوابط... وغيرهم.. وهذا النقاش بين الفقهاء لا يعنيني وليس هو من اختصاصي ومن أراد معرفة الحكم الشرعي وتفاصيل أقوالهم فليراجع كتب الفقه.. .. ولكن الغريب والعجيب أن يأتي هذا الرجل إلى برنامج يستضيف فيه المقدم فنانات بلباس غير محتشم (عاريات) ثم يستضيف بعدهم مباشرة هذا المتمشيخ ليدّعي على الإمام مالك بأنه كان يتعلم الغناء والموسيقى ويخرجه في صورة قبيحة بلا دليل ولا إثبات بل لم يحمّل نفسه حتى مجرّد التثبّت في هذه الحكايات المنسوبة لإمام دار الهجرة!!، وإنما هي افتراءات مكذوبة مبثوثة في كتب الأدب ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني الذي حشره بأقوال قبيحة نسبها لإمام دار الهجرة وأنّه كان يتتبع المغنيات والراقصات (والتي سنأتي عليها كلها)... يعني وكأنّ هذا الرجل المتمشيخ بكلامه عن إباحة الغناء في سياق ذلك البرنامج كأنّه يريد أن يقول إن الشّرع يبارك آداء الفنّانات والراقصات اللاتي حضرن معه تلك الليلة في ذلك البرنامج.. والغريب أيضًا أن يستدل بالمقامات القرآنية لإباحة الغناء !! وهو لا يعرف أنّ الإمام مالك كان يكره القراءة بها وخاصّة علماء تونس وقرّاءها.. ثمّ حتى ولو ذهب إلى إباحته لماذا لا يتحدث عن ضوابطه؟ مثلما فعل مبيحوه كالقرضاوي وغيره؟ نعم وضعوا ضوابط شرعية وأصّلوا فتاويهم فيه واستثنوا وقيّدوا.. أمّا هذا الرجل فهو وإن كان غير مؤهّل للفتوى فقد أباح بإطلاق وكأنه يريد إرضاء مقدم البرنامج فقط ليحسّن صورته فيخرج إمامًا معتدلاً وسمحًا ووسطيًّا وووو.. وللأسف هذا هو طريق الكثير من المتمشيخين اليوم لا يهمهم إلاّ الظهور.. نسأل الله تعالى السلامة والعافية.. وإنّ مثل هذه الدّعاوى القبيحة في حقّ إمامنا الجليل وقدوتنا مالك بن أنس الذي جعلناه حجّة بيننا وبين الله تعالى هي في الحقيقة دعاوى قديمة حشرها أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني دون تثبّت في أسانيدها باعتباره كتابًا أدبيًّا موضوعه الشعراء والأغاني والمغنيات وكل من اشتهر بذلك ولا صلة له بالعلم الشرعي وليس هذا بالغريب على الباحثين المشتغلين بالعلوم الدينيّة لأنّ كتب الأدب لم يشترط أصحابها التثبت في كلّ ما أوردوه فيها، ومن هنا يأتي الكلام عن مسؤوليّة الباحث في التثبّت كل النصوص المقتبسة من هذه الكتب سيّما التي أراد الاستدلال بها وهو ما نعيبه على هذا الرّجل المتمشيخ الذي ساق حكايات عن الإمام مالك تحطّ من قدره من دون أن يورد مصدره في ذلك. ومن هنا كان واجبًا عليّ التنبيه على كذب هذه الحكايات من خلال بيان مصدرها ونقضها نقضًا علميًّا أكاديميّا، فأقول مستعينًا بالله العليم: إنّ خرافة "الإمام مالك كاد أن يكون مغنيًا" قصّةٌ باطلةٌ مكذوبةٌ على الإمام مالك ولا أساس لها من الصّحة بتاتًا، وكلّ من يزعم بصحّتها عليه إثباتها وإلاّ فهو جاهلٌ لا عِلم له بعلوم الحديث والأخبار ووسائل التثبت والتيقّن من الرّوايات ولا معرفة له بالحقائق التاريخيّة، وهذه الخرافة ومثيلاتها كثيرًا ما يدندن حولها المستشرقون أمثال جوزيف شاخت وكارل بروكلمان، ثمّ تلقّاها عنهم أتباعهم من الباحثين العرب وأخذت هذه الخرافات في الانتشار حتى بلغت صاحبنا المتمشيخ هذا الذي تقبّلها بقبول حسنٍ وأخذ يكرّرها ليُساهم (عن قصدٍ أو غير قصد) في الحطّ من قدر الإمام مالك، كما أنّه لا يعلم أنّ كثيرًا من الشيعة تلقّف هذه الخرافات وشنّعوا على أهل السنّة بها، ونالوا من الإمام مالك بسببها. حتى قال صاحب كتاب "بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة" (7/3266): "فممّن تسمّى عالمًا و ليس به من أئمّتهم الأربعة، مالك بن أنس الذي كان مُغنّيًا من تلامذة طويس المغني كما في ( الأغاني ) و كان قبيح الوجه ، فأشارت أمه إليه بطلب الفقه، فصار إمام ضلال".اهـ كذا قال !! عليه من الله ما يستحقّ ؟ ! فالمستشرق بروكلمان مثلاً ترجم للإمام مالك في كتابه تاريخ الأدب العربي (3/274)، وتحدّث عن اسمه ومولده ونسبه في ثلاثة أسطر ثمّ حشر أحد هذه الخرافات المنسوبة إليه والتي نقلها عن كتاب الأغاني للأصفهاني قائلاً: " وروي أن مالكا كان يعاشر في شبابه مغني المدينة فقالت له أمّه: يا بنيّ إنّ المغني إذا كان قبيح الوجه لم يلتفت أحدٌ إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه فإنّه لا يضر معه قبح الوجه، فترك المغنيين واتّبع الفقهاء"، وكما ذكرت أنّ العجيب في هذا الموضوع هو تكرار مجموعة من الكتّاب لها من غير تمحيص ولا تدقيق، رغم أنّ مصدرها كتاب أدب وهو كتاب الأغاني، ولا توجد في أيّ كتاب من الكتب المعتمدة والموثوق بها والمعتبرة لدى الأوساط العلميّة الأكاديميّة. وسيأتي الكلام على ضعفها بعد حين. وقال المستشرق جوزيف شاخت في ترجمة الإمام مالك في دائرة المعارف الإسلامية: "وجاء في كتاب الأغاني إنه كان يريد في البدء أن يكون مغنيا، وأنه غيّر مسار حياته إلى دراسة الفقه، بناء على نصيحة أمه، ولا نعرف إلاّ القليل من المعلومات المؤكدة عن دراسته". كذا قال وإنّ كتب السير وكل من ترجم للإمام مالك فصّل الكلام على طلبه للعلم ودراسته.. إذن كما ترى أيها القارئ الكريم كل هذه الخرافات أصلها واحد وهو كتاب الأغاني للأصفهاني، ولنشرع الآن في نقد هذه الروايات نقدًا علميًّا، وهي تتلخص في حكايتين: الأولى أن مالكًا كاد يكون مغنيًّا ولكن أمّه نصحته بطلب الفقه ومعها قصة مالك مع طويس المغني الذي أصلح له المقام كما ذكر ذاك الرجل المتمشيخ ، والثانية أنّ مالكًا كان يغنّي في عرس رجل بالمدينة اسمه حنظلة: 1_ حكاية مالك مع أمّه ومع طويس المغنّي: قال الأصفهاني في كتابه الأغاني (4/159):"أخبرني محمد بن عمرو العتابي، قال: حدثنا محمد بن خلف بن المرزبان -ولم أسمعه أنا من محمد بن خلف-، قال: حدثني إسحاق بن محمد بن أبان الكوفي، قال: حدثني حسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة فخلا لي الطريق وسط النهار فجعلت أتغنّى: ما بالُ أهلكِ يا رَبابُ ... خُزْراً كأنّهم غِضابُ. قال: فإذا خوخة قد فُتِحَتْ، وإذا وجهٌ قد بدا تتبعه لحية حمراء، فقال: يا فاسق أسأتَ التأدية، ومنعتَ القائلة، وأذعتَ الفاحشة، ثم اندفع يغنّيه، فظننت أن طُوَيْسًا قد نشر بعينه، فقلت له: أصلحك الله من أين لك هذا الغناء ؟ فقال: نشأتُ وأنا غلام حدث أتبع المغنّين وآخذ عنهم، فقالت لي أمي: يا بنيّ، إنّ المغني إذا كان قبيح الوجه لم يُلْتَفَتْ إلى غنائه، فدع الغناء واطلب الفقه؛ فإنه لا يضر معه قبح الوجه، فتركت المغنين واتبعت الفقهاء، فبلغ الله بي عز وجل ما ترى، فقلت له: فَأَعِدْ جعلت فداءك، قال: لا، ولا كرامة أتريد أن تقول أخذته عن مالك بن أنس، وإذا هو مالك بن أنس". إنّ المنهج العلمي الأكاديمي الذي يحتكم إليه الباحثون، يقتضي التثبت في نقل الأخبار عن المشاهير، ولكننا نرى جوزيف شاخت، ينقل هذه القصة من كتب الأدب، ويعرض عن كتب التراجم، فالأصل أن يعتمد في ترجمة الإمام مالك على كتب السير والتراجم المتخصصة والتي أطنبت في الكلام على سيرته؛ ولأنها أوثق المصادر وأقربها للحقيقة العلمية، كطبقات ابن سعد المتوفى سنة: 230 هـ وغيره من الكتب القريبة من عصر مالك، فلماذا يترك شاخت عشرات الصفحات التي تحدثت عن الإمام مالك ويترجم له من كتاب الأصفهاني الذي لم يترجم لمالك بل تحدث عنه في فقرة ضمن ترجمة طويس المغنّي؟؟ كما أنّ الأصفهاني هذا رُمي بالتشيع وعُرف بتعصبه ضد العرب وهذا معروف مشهور، و إنما أوردها المستشرقان شاخت وبروكلمان بغرض الحطّ من قدر أئمة الإسلام والتهوين من شأنهم، حتى يقال أن هذا الإمام المعظم عندكم صاحب المذهب، ما هو إلا مغنّ سابق كان يتبع طريق المجون ويتتبع المغنين ويضيّع وقته فيما لا يعني، ثم سلك طريق الفقه من أجل الرفعة والمكانة في مجتمعه، وليس هذا بالغريب عن المستشرقين الذين دأبوا على الدسّ والطعن. ثمّ إنّهم لم يتثبتوا من هذه الرواية رغم ادّعائهم على المحدثين أنهم لا يتقنون نقد الأخبار ويركزون على نقد الإسناد فقط ولا يهتمون بنقد المتن وغيرها من الشبهات الواهية.. ولكن الظاهر أنّهم عندما ظفروا بهذا الكلام الذي يحط من قدر إمام كبير من أئمة السنّة فرحوا به ووضعوا ميزان النقد جانبًا وسارعوا إلى نشر هذه الدعاوي الزائفة من دون تثبت، وليس هذا بالغريب أيضًا على هؤلاء.. فهذا الطريق الذي ساقه الأصفهاني أغلب رجاله مجاهيل لا يعرفون، ومدارها على إسحاق بن محمد النخعي الأحمر هذا، وهو كذّاب وضّاع من الزنادقة الذي تنسب إليه الفرقة الإسحاقية الذين يقولون بألوهية علي بن أبي طالب. ولهذا قال الخطيب البغدادي في تاريخه (3/290): "وهو إسحاق الأحمر وكان من الغلاة وإليه تنسب الطائفة المعروفة بالإسحاقية وهي ممن يعتقد في علي الإلهية ". وقال ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين (1/103): "كان كذابا من الغلاة في الرفض". وقال الذهبي (في المغني في الضعفاء 1/73): "رافضي كذّابٌ مارقٌ". "وقال الحافظ ابن حجر (في لسان الميزان 2/71): "إسحاق بن محمد النخعي الأحمر كذابٌ مارقٌ من الغلاة، روى عن عبيد الله بن محمد العيشي، وإبراهيم بن بشار الرمادي، وعنه: ابن المرزبان، وأبو سهل القطان، وجماعة. قال الخطيب: سمعت عبد الواحد بن علي الأسدي، يقول: إسحاق بن محمد النخعي، كان خبيث المذهب يقول إنّ عليًّا هو الله، وكان يطلي برصه بما يغيره، فَسُمِّيَ: الأحمر". وليس هذا هو حاله عند أهل السنة فحسب، بل حتى الشيعة يتبرؤون منه لغلوه وخبث مقالاته، فلقد ذكروا في ترجمته ما يلي: قال النجاشي: هو معدن التخليط وله كتب في التخليط، وقال: ابن الغضائري: إنه كان فاسد المذهب، كذاباً في الرواية، وضاعاً للحديث مشهور. (ينظر: أعيان الشيعة، لمحسن الأمين: 3/278. ومعجم رجال الحديث، للخوئي: 3/ 228) ولقد صرَّح الحافظ ابن حجر العسقلاني في ترجمة هذا الكذّاب، أنه هو الذي اختلق قصة غناء الإمام مالك، وقد بيّن سبب ترجمته له في كتابه (لسان الميزان) مع أنه زنديق رغم أنّ الذهبي ذكر أنّ العلماء لم يذكروه في كتبهم لأنّه زنديق، فقال: "واعتذار المصنف عن أئمة الجرح عن ترك ذكره لكونه زنديقا ليس بعذر؛ لأن له روايات كثيرة موقوفة ومرفوعة، وفي كتاب الأغاني لأبي الفرج منها جملة كبيرة، فكيف لا يذكر ليحذر؟...وإسحاق بن محمد هذا، اسم جده أبان وهو الذي يروي محمد بن خلف بن المرزبان عنه، عن حسين بن دحمان الأشقر قال: كنت بالمدينة فخلا لي الطريق نصف النهار، فجعلت أتغنى: ما (بال أهلك يا رباب) الأبيات، وفيه قصة مالك معه وإخباره عن مالك أنه كان يجيد الغناء في حكاية أظنها مختلقة، رواها صاحب كتاب الأغاني عن المرزبان، ولا يُغْتَرُّ بها فإنها من رواية هذا الكذاب". فهذا من جهة الإسناد وأمّا من جهة المتن فإنّ كلّ من ترجم للإمام مالك لم يذكر بتاتا أنه كان قبيح الوجه بل كان وجهه حسنٌ منوّر بحديث النبي صلى الله عليه وسلّم، وقد قال القاضي عياض (في ترتيب المدارك 1/120): " قال أبو عاصم: ما رأيت محدثاً أحسن وجهاً من مالك، وقال عيسى ابن عمر المديني: ما رأيت قطّ بياضاً ولا حمرة أحسن من وجه مالك، ولا أشد بياض ثوب منه. ووصفه غير واحد من أصحابه، منهم مطرف وإسماعيل والشافعي وبعضهم يزيد على بعض، قالوا كان طويلاً جسيماً عظيم الهامة أبيض الرأس واللحية شديد البياض إلى الصفرة، أعين، حسن الصورة، أصلع، أشم، عظيم اللحية تامها، تبلغ صدره ذات سعة وطول، وكان يأخذ إطار شاربه ولا يحلقه ولا يحفيه ويرى حلقه من المثل... وقال مصعب الزبيري كان مالك من أحسن الناس وجهاً، وأجلاهم عيناً وأنقاهم بياضاً وأتمهم طولاً في جودة بدن...قال محمد بن الضحاك: كان مالك جميل الوجه نقي الثوب رقيقه يكره أخلاف اللباس". وتأمّل قوله كان أبيض اللحية وهو متناقض مع ما جاء في القصة أن لحيته حمراء.. ليتبيّن أنّها مجرّد افتراءات وأكاذيب نابعة عن اتباع الهوى.. 2_ دعوى أنّ الإمام مالك كان يغنّي في عرس رجل بالمدينة اسمه حنظلة: وهذه الأكذوبة أوردها الأصفهاني أيضًا في كتاب الأغاني 2/231 وابن عبد ربه (في العقد الفريد 7/13، وهو كتاب أدب أيضًا) قال الأصفهاني: " يقول (( حدثنا حماد بن إسحاق عن ابيه قال سمعت ابراهيم بن سعد يحلف للرشيد وقد سأله عمن بالمدينة يكره الغناء فقال من قنعه الله يخزيه مالك بن أنس ثم حلف له إنه سمع مالكًا يغني : سليمى أزمعت بينا - فأين تقولها أينا في عرس رجل من أهل المدينة يكنى أبا حنظلة". وذكرها ابن النجار (في ذيل تاريخ بغداد 17/74) قال: "أنبأنا أبو القاسم الأزجي عن أبي الرجاء أحمد بن محمد بن الكسائي قال: كتب إلي أبو نصر عبد الكريم بن محمد بن أحمد الشيرازي قال: حدثنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني قال: حدثنا أَبُو الْحُسَيْن عُبَيْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن إبراهيم ببغداد، حدثنا أَبُو عيسى عُبَيْد اللَّه بْن الفضل بْن هلال، حدثنا الحَسَن بْن عَلِيّ بْن الحَسَن بْن الْحُسَيْن السامري، حدثنا إسحاق بْن إِبْرَاهِيم الموصلي عن إِبْرَاهِيم بْن سعد الزهري قَالَ: قَالَ لي الرشيد أمير المؤمنين: من بالمدينة ممن يحرم الغنا؟ فقلت: من قنعه اللَّه بحزبه، فَقَالَ: بلغني أن مالك بن أنس يحرمه، قلت: ولمالك بْن أنس يا أمير المؤمنين أن يحلل أو يحرم؟ واللَّه! ما كان هَذَا لابن عمك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو أكرم الخلق عَلَى اللَّه عز وجل إلا عَلَى وحي من ربه تعالى، فمن جعل هَذَا لمالك بْن أنس؟ وسماعي من أبي أنه سمع مالك ابن أنس فِي عرس حنظلة الغسيل يتغنى: سليمى أزمعت بينا ... فأين يقولها أينا قَالَ: فتبسّم الرّشيد.". وهذه الحكاية مكذوبة لا تصحّ نسبتها إلى الإمام مالك : فأَبُو القاسم الأزجي هو سَعِيد بْن عَبْد اللَّه بْن مفضل، قال عنه الذهبي (في ذيله على تاريخ بغداد 15/192) قال: "وكان كاتبًا غير محمود الأمر"، وقال (في تاريخ الاسلام 12/553): " وكان كاتبًا مذموم السيرة"، وهو ما يضعف القصة من جهة الإسناد. وهي منكرة المتن أيضًا وذلك أنّ موقف الإمام مالك من الغناء معروف مرويٌّ بالسند المتصل إليه من طريق أشهر تلاميذه وهو الإمام ابن القاسم؛ فقد جاء في المدوّنة أنّ الإمام سحنون سأل ابن القاسم عن إجَارَةِ دَفَاتِرِ الشِّعْرِ أَوْ الْغِنَاءِ قائلا له: "أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَفَاتِرِي فِيهَا نَوْحٌ أَوْ شِعْرٌ وَغِنَاءٌ يُقْرَأُ فِيهَا؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا.قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُبَاعُ دَفَاتِرُ فِيهَا الْفِقْهُ، وَكَرِهَ بَيْعَهَا وَمَا أَشُكُّ أَنَّ مَالِكًا إذَا كَرِهَ بَيْعَ كُتُبِ الْفِقْهِ إنَّهُ لِبَيْعِ كُتُبِ الشِّعْرِ وَالْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ أَكْرَهُ، فَلَمَّا كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ هَذِهِ الْكُتُبِ كَانَتْ الْإِجَارَةُ فِيهَا عَلَى أَنْ يَقْرَأَ فِيهَا غَيْرَ جَائِزَةٍ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَ مَالِكٍ فَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ فِيهِ. قُلْتُ: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْغِنَاءَ؟ قَالَ: كَرِهَ مَالِكٌ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ بِالْأَلْحَانِ، فَكَيْفَ لَا يَكْرَهُ الْغِنَاءَ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْجَارِيَةَ وَيَشْتَرِطُ أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ فَهَذَا مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْغِنَاءَ. قُلْتُ: فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ إنْ بَاعُوا هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَشَرَطُوا أَنَّهَا مُغَنِّيَةٌ وَوَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ كَرِهَهُ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنْ يُفْسَخَ هَذَا الْبَيْعُ". وقال الإمام ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة: " ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك ولا سماع شيء من الملاهي والغناء ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء". وقال الحافظ ابن عبد البر القرطبي المالكي: " وأما الغناء واللهو كله فحرام تعليمه بأجرة وبغير أجرة ". وقال ابن رشد (في البيان والتحصيل 17/202): " سئل مالك عن النفر يكونون في المسجد، فيحف أهل المسجد، فيقولون لرجل حَسَن الصَّوت اقرأْ علينا. يريدون حسن صوته، فكره ذلك وقال: إِنما هذا يشبه الغناء"... وغيرها من أقوال المالكية في هذا الموضوع ويوجد من الفقهاء من يحلّه وليس هذا مقصدي بل أردت التنبيه على تحرير قول مالك في الغناء لبيان أنّ ما نسب إليه من الحكايات كلّها أكاذيب وافتراءات لغرض الحط من قدره، وأنّى لهم ذلك فمالكٌ النجم الثاقب وهو الذي يهابه الأمراء والحكام في أمور أعظم من هذه التفاهات.. غير أنّ العجيب من هؤلاء المتمشيخين الذين إذا طرحت بعض المسائل الفقهية التي لا تروق لهم أقوال المالكية فيها تجدهم يستنجدون بالمذاهب الأخرى ولو كانت غير سنيّة ! وأمّا إذا أعجبهم قول مالك في مسألة فتراهم يتمسّكون به ويتهمون غيرهم بالتشدّد وباستيراد أفكار دخيلة من مذاهب دخيلة عن مذهب أهل البلد؟ وهذا لعمري لهو اتباع الهوى والاتجار في دين الله تعالى.. وإلاّ فالمسائل الفقهيّة التي حصل فيها خلافٌ بين العلماء وجب على الباحث أن ينظر في مختلف أقوالهم وأدلّتهم ثمّ يرجّح القول الذي يراه صوابًا ويرتضيه ويدين الله به مع احترامه للقول المخالف من دون تجريح ولا تفسيق ولا تبديع.. رحم الله إمام الأئمّة وعالم المدينة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.. والله الهادي إلى سواء السبيل.. المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|