حديث " كَانَ الرَّجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَيَا، وَأَرَادَا أَنْ يَتَفَرَّقَا، قَرَأَ أَحَدُهُمْ سُورَةَ: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، ثُمَّ سَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخِرِ أَوْ عَلَى صَاحِبِهِ ثُمَّ تَفَرَّقَا " .
رواه حماد بن سلمة عن ثابت واختلف عنه؛ فرواه موسى بن إسماعيل (كما في رواية أبي داود في الزهد 402) وعبيدالله بن عائشة(كما في رواية الطبراني في الأوسط 5124) وابن أبي بكير(كما في رواية البيهقي في الشعب 8639) عن حماد عن ثابت عن أبي مدينة الدارمي به، وخالفهم غيره (ولم نعثر عليه نص عليها البيهقي في الشعب) قال: عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عقبة بن عبدالغافر به.
نجمل الكلام عن هذا الحديث في النقاط الآتية:
1. وقع الاختلاف على حماد في هذا الحديث، غير أننا لم نتبين من رواه عن حماد عن ثابت عن عقبة، واتفق رواة ثلاثة على روايته عن حماد عن ثابت عن أبي مدينة الدرامي به.
2. لم أقف على هذا الحديث في كتب الرواية المعتبرة، فلم أقف عليه في الكتب الستة، ولا التسعة، ولم يذكره أصحاب المسانيد، ولا المعاجم، واقتصرت روايته فيما وقفت عليه على ما سبق ذكره من مصادر.
3. أبو المدينة: عبدالله بن حصن: لم نقف له إلا على هذا المتن فقط، وليس له متون أخرى، ولم يرو عنه إلا ثابت في هذا الحديث فهو من الوحدان.
4. استغرب العلماء هذا الحديث؛ فقال الطبراني: "لَا يُرْوَى هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي مَدِينَةَ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، تَفَرَّدَ بِهِ : حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ " الأوسط 5124. وقال الذهبي: " هذا حديثٌ غريبٌ جدا ورواته مشهورون" تاريخ الإسلام، ترجمة رقم 278.
5. وقع الخلاف بين العلماء في تحديد شخصية أبي مدينة، وقد ورد أن اسمه عبدالله بن حصن، وقد اختلف في نسبه بين اثنين هما: الدارمي، والسدوسي.:
o وقد جعلهما الذهبي واحدا هو السدوسي ونفى عنه الصحبة، فقال: "أبو مدينة السدوسي البصري ، اسمه عبد الله بن حصن . قيل : له صحبة ، ولم يصح". وأورد حديث الطبراني، ولم يتعد بمن ذكر له الصحبة. انظر: تاريخ الإسلام، رقم ترجمة: 278.
o وأما ابن الأثير فقد نقل أثر الطبراني في أسد الغابة ثم قال: " أخرجه أَبُو موسى، وقال: أورده ابن منده وغيره أبا مدينة في الكنى في التابعين، وقال: يروي عن عبد الرحمن بن عوف". (3/ 110). أي أن أبا موسى لم يقنع بقول الطبراني بصحبة أبي مدينة، فنقل ما يخالفه، وقد روى ابن الأثير هذا حديث الطبراني فقال: "أخبرنا أَبُو موسى إجازة، أخبرنا أَبُو علي، أخبرنا أَبُو نعيم، أخبرنا الطبراني، به.." ثم ذكر كلام أبي موسى السابق. انظر أسد الغابة 3/216.
o أما الحافظ ابن حجر فقد شك في أن أبا مدينة الصحابي هو عبدالله بن حصن، فقال في ترجمته: "( قلت ) : وفي التابعين أبو مدينة عبد الله بن حصن السدوسي ، يروي عن أبي موسى الأشعري ، وحديثه في مسند الشافعي ، ذكره البخاري ، وابن أبي حاتم ، وابن حبان ، فإن كان الطبراني ضبط أن اسم الصحابي : عبد الله بن حصن ، ولم يلتبس عليه بهذا التابعي ، فقد اتفقا في الاسم واسم الأب والكنية ، وافترقا في النسبة ، وإلا فالاسم والكنية للتابعي ، وأما الصحابي الدارمي ، فلم يسم".
o قلت: وبهذا يثبت الإشكال في اثبات اسم هذا الراوي وهو الذي يعد مدار هذا الحديث، والمتفرد به. ونجد أن من أثبت له الصحبة إنما اعتمد على رواية الطبراني والتي هي محل حكم ونقد فلا يعقل أن تكون هي القاضي بإثبات الصحبة لأبي مدينة، دون أن تنضم لها قرائن أخرى، ومعلومات موثقة تؤكد الصحبة.
6. أخيرا: متن هذا الحديث الأصل فيه الاشتهار لأنه يصف فعل الصحابة رضوان الله عليهم حال الافتراق، والأصل في مثل هذا المتن أن تصيح به الركبان، لا أن يروى من رواية خجلة فيها ما فيها من الإشكالات السابقة الورود رغم أن ظاهر الحديث السلامة، من هنا فأني أميل إلى عدم صحة هذا الحديث، وفي أقل الأحوال التوقف فيه وذلك للأسباب الآتية:
أ- الخلاف غير محسوم في الرواية عن حماد بن سلمة، رغما أن ثلاثة من الرواة اتفقوا على رواية عنه، إلا أننا لم نقف على المخالف لهم، لا سيما أن هؤلاء الثلاثة ليسوا من كبار أصحاب حماد بن سلمة ولا من المقدمين فيه، قال ابن رجب: " أصحاب حماد بن سلمة، قال عبد الله بن أحمد: سمعت يحيى بن معين يقول: من أراد أن يكتب حديث حماد بن سلمة، فعليه بعفان بن مسلم. وقال النسائي: أثبت أصحاب حماد بن سلمة ابن مهدي، وابن المبارك، وعبد الوهاب الثقفي". شرح علل الترمذي (2/ 707).
ب- وقد ثبت أن عقبة بن عبدالغافر من شيوخ ثابت البناني، فقد أورد ابن سعد بسند قاله: "..حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، قَالَ : مَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ فِي مِسْلاَخِهِ إِلاَّ عُقْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْغَافِرِ ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ أَتَيْنَاهُ ، فَقَالَ : مَا أَعْرِفُكُمْ". الطبقات الكبرى كاملا 230 (7/ 225).
ت- لم يعتد مسلم _ والذي تفرد دون البخاري بالرواية عن حماد بن سلمة (إلا رواية معلقة أخرجها البخاري له)_ برواية هؤلاء الثلاثة عن حماد بن سلمة.
ويذكر أن الألباني صححه.
هذا والله أعلم، نسعد بالملاحظات. و كتبه د.عبدالسلام أحمد أبوسمحة.
المصدر...