![]() |
![]() |
|
|
|
|
#1 | |
|
هيئة التدريس
![]() |
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد الدعاة إلى دين الله -عز وجل- هم أكثر الناس اتصالاً بشرائح المجتمع، وأكثر الناس تفاعلاً وتواصلاً معهم، وأكثر الناس تأثيرًا فيهم وتأثرًا بهم، لذلك فإن طريق الدعوة طريق شاق وطويل ومليء بالآفات والمعوقات التي تعترض طريق الداعية وتعيق سيره إلى الله، ومن أهم هذه الأمراض التي تعترض طريق الدعاة الأمراض القلبية التي تصيب النفوس والأرواح والقلوب والعزائم والإرادات، وهي أشد فتكًا وأعظم خطرًا من الأمراض البدنية، فأمراض البدن تظهر أعراضها ويشعر المريض بآلامها، أما أمراض القلوب فتنمو وتستفحل يومًا بعد يوم وصاحبها لا يشعر بها ولا يعاني من آلامها، أمراض الأبدان لها أطباء وحكماء وخبراء في كل باب، أما أمراض القلوب فأطباؤها قليلون وخبراؤها نادرون، لذلك كان الوقوف على أسباب الأمراض القلبية ومعرفة دواعيها ومظاهرها وتداعياتها وآثارها على الدعوة والداعية والمجتمع بأسره من أولويات العمل الدعوي، ومن ثمّ كانت هذه السلسلة التي تتناول أشهر الآفات النفسية والأمراض القلبية التي تعتري بعض الدعاة أثناء سيرهم على طريق الدعوة. وأول مرض نبدأ به هذه السلسلة هو "التصدر وطلب الرئاسة". ولا غرابة في حرص أهل الدنيا على الإمارة والولايات؛ فذلك أمر تعوّده الناس منهم، حتى أفضى الأمر إلى نزاعات وخلافات ومفاسد وفتن كثيرة، وأدى كثير منها إلى سقوط بعض الدول، كسقوط الأندلس وغيرها. لكن المؤلم أن يتسلل هذا الداء إلى داخل التجمعات الدعوية، ويسيطر على بعض النفوس المريضة، شعرت أم لم تشعر، حتى يصـيـر همّ الواحد منهم أن يسود على بضعة أفراد، دون التفكير بتوابع ذلك وخطورته. وربما يتعجب البعض من البدء بهذا المرض تحديدًا دون غيره، ويرى أمراضًا أخرى أكثر أهمية وأشد خطرًا، ولكن الواقع يشهد أن طلب الرئاسة والبحث عن التصدر أكثر الأمراض شيوعًا بين الدعاة، بل إن طلب الرئاسة هو آخر ما يخرج من قلوب الصالحين كما قال أهل العلم، والتطلع للصدارة وطلب الرئاسة ليس مذمومًا في ذاته إذا كان الأمر متعلقًا بأمور الآخرة؛ إذ إنه البحث عن الأفضل وطلب المعالي، وفيه معاني التقدم والسبق والتنافس في مرضات الله -عز وجل- والريادة في الصالحات، وإنما المذموم منه ما اقترن بالتنافس على مناصب الدنيا والتكالب عليها طمعًا في الوجاهة، وهو ما ورد به النهي والذم في أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في كتاب الأحكام ومسلم في كتاب الإمارة من حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنّا والله لا نولي على هذا العمل أحدًا سأله، ولا أحدًا حرص عليه". وأيضًا حديث أبي ذر الشهير الذي قال له فيه رسول الله: "يا أبا ذر: إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها". أخرجه مسلم في الإمارة. ولا تعارض في هذا النهي مع طلب يوسف -عليه السلام- المنصب في قوله -عز وجل-: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) [يوسف: 55]، لأن السؤال هنا ليس لحظ النفس إنما لله -عز وجل-، وسدًّا لفراغ في المنصب شغله يوسف -عليه السلام-، كما أنه سيقوم بالحق ويدافع عنه ويوصل الحقوق إلى أهلها، كما أن الإنسان لو وجد في نفسه استعدادًا وكفاءة وأحقية صادقة واستكمل أسباب الولاية عندها لا يكون ثمة موانع أو مكروهات لتوليه وطلبه، أما لو سعى للرئاسة وهو ليس لها بأهل، ولم يتحصل على أي سبب من أسبابها، وقعد عن واجباتها فعندها يكون سعيه وطلبه للرئاسة مذمومًا بذاته. والمقصود أن الداعية المخلص يكره التصدر والإمارة والشهرة بطبعه؛ لإخلاصه وبعده عن الرياء، ولكنه في نفس الوقت هو صاحب المبادرة الخيرة، وهو فارس الميدان إذا تعيّن عليه التصدر؛ وقد حكى الله من دعاء المؤمنين قولهم: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَاماً) [الفرقـان: 74]، أي: أئمة هـدى يُقتدى بأفعالهم، وهذا لشدة محبتهم لله، وتعظيمهم لأمره، ونصحهم له، ليكون الدين كله لله، وليكون العباد ممتثلين لأمره. وهناك العديد من المظاهر والأمارات التي تدل على أن الداعية ممن يبحث عن الزعامة والتصدر مهما كانت العواقب، وتكشف مكنونات صدره وتطلعات نفسه، ومن هذه المظاهر: أولاً: العجب بالنفس، وكثرة مدحها، والحرص على وصفها بالألقاب المفخمة كالشيخ، والأستاذ، والداعية، وطالب العلم، ونحوها، وإظهار محاسنها من علم وخُلُق وغيره. ثانيًا: بيان عيوب الآخرين -وخاصة الأقران- والغيرة منهم عند مدحهم، ومحاولة التقليل من شأنهم في المحافل وأمام التلاميذ والأتباع. ثالثًا: الشكوى المستمرة من عدم نيله لمنصب ما، وكثرة سؤاله عن الأسس والمعايير لتقلّد بعض المناصب، وفي نفس الوقت يحرص على تقلّد الأمور التي فيها تصدّر وبروز؛ كالإمامة والخطابة والتدريس، وهي من فروض الكفاية، لا بد لها ممن يقوم بها، مع مراعاة أحوال القلب، والتجرد من حظوظ النفس؛ كما هو حال السلف. رابعًا: التكاسل في تنفيذ الأوامر والتكاليف، وعدم المشاركة بجدية عندما يكون مرؤوسًا، والتهرب من التكاليف التي لا بروز له فيها. خامسًا: كثرة النقد بسبب وبغير سبب، ومحاولة التقليل من أهمية المبادرات والآراء والأفكار الصادرة من غيره والعمل على إخفاقها، مع الإصرار على رأيه، وعدم التنازل عنه، وإن ظهرت له أدلة بطلانه. سادسًا: الجرأة على الفتوى، والحرص عليها، والمسارعة إليها، والإكثار منها؛ ليشتهر أمره، ويذيع صيته بين الناس بأنه مفتي النوازل الذي عنده من الإجابات ما لا يوجد عند غيره من أهل العلم، وقد كان السلف يتدافعون الفتوى كثيرًا ويتورعون عنها أشد التورع؛ ومن ذلك ما قاله عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما كان منهم محدّث إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث، ولا مفتٍ إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا". ولو نظرنا إلى رغبة بعض الدعاة في الصدارة والرئاسة لوجدنا أن معظم الأسباب الداعية لهذا المرض هي أسباب نفسية مرتبطة بالغفلة عن تبعات الرئاسة والصدارة وأثرها البالغ على من طلبها وسعى من أجلها أشد السعي، فالرئيس والصدر والقائد عليه من التبعات والمهمات والواجبات أكبر من غيره، فالقائد يتحمل مسؤولية ضخمة، فهو يسهر حيث ينام الآخرون، ويجوع ويشبع الآخرون، ويتعب ويرتاح الآخرون، ثم هو مسؤول عنهم جميعًا، وفي الحديث: "إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه أحفظ أم ضيّع"، وسيرة الرسول القائد -صلى الله عليه وسلم-، كبير الدعاة إلى الله، خير دليل على معنى القيادة المسؤولة، فهذا علي -رضي الله عنه- صهره وابن عمه وألصق الناس به يصف الرسول القائد وقت الأزمات فيقول: "كنا إذا احمّر البأس، ولقي القومُ القومَ، اتّقينا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما يكون منا أحد أدنى من العدو منه". أخرجه مسلم في كتاب الجهاد والسير. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق الناس قبل الصوت، فاستقبلهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد سبق الناس إلى الصوت، وهو يقول: "لن تراعوا، لن تراعوا"، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، وفي عنقه سيفه". أخرجه البخاري في كتاب الأدب. وكان في الأزمات يربط الناس على بطونهم حجرًا ويربط الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحجرين، وعندما يأتي الطعام أو الشراب يكون -بأبي هو أمي صلى الله عليه وسلم- آخر الطاعمين. وهذه هي مسؤولية القائد وتبعات القيادة والرئاسة التي يغفل عنها بعض الدعاة الذين يلهثون خلفها ولا يبالون بمغبتها وتبعاتها. وقد تكون هناك بعض العوامل الأخرى التي تدفع بعض الدعاة لطلب الرئاسة والبحث عن التصدر، من عدم الاعتياد على الطاعة وتنفيذ الأوامر، والرغبة في التملص من التكاليف والأعباء الدعوية، ومنها العجب بالنفس والتعاظم في تقدير ملكاتها ومواهبها، والإحساس الزائد عن الحد بالنفس، ومنها الرغبة في تحصيل بعض أعراض الدنيا ومتاعها، ومنها الرغبة في التسلط على الآخرين وإذلالهم بالتكاليف الشاقة والأوامر الصارمة. وكما أسلفنا في مقدمة الحديث أن هذه الأمراض لا تؤثر على الداعية فحسب، ولكن تؤثر على الدعوة كلها والمجتمع بأسره، ومن آثارها على الداعية نفسه: أولاً: الحرمان من التوفيق الإلهي: فمن السنن الماضية أن من طلب الإمارة فإن الله -عز وجل- يسلبه التوفيق ويحرمه التأييد، ويكله إلى نفسه وتدبيرها ليرى قدره ويعرف إمكاناته على حقيقتها، ذلك أن التطلع إلى الصدارة يعني الثقة الزائدة في النفس والاعتماد عليها وعلى طاقاته وقدراته، ومن اعتمد على غير الله -عز وجل- وكله الله إلى ما يعتمد عليه، وهذا الأمر ظاهر جليّ في حديث عبد الرحمن بن سمرة الذي رواه البخاري ومسلم، وفيه قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا عبد الرحمن: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها". ثانيًا: قسوة القلب وكثرة الهموم: فإن مسؤولية القيادة تلقي على القلب ظلالاً من الهم والحزن بسبب عظم المسؤولية وجسامة التبعة، ومكابدة أعباء المناصب القيادية تحتاج إلى طاقة نفسية وإيمانية هائلة تبقي مادة حياة القلوب من إخبات وإنابة وتوكل واستعانة وتواضع، والقيادة فتنة وهموم ومسؤولية جسيمة، فالقائد في موضع اقتداء وتقليد، فإذا لم يكن محترزًا في كل أفعاله وحركاته وقراراته كان مسؤولاً عمن اقتدى به ولو على سبيل الخطأ، لذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة". ثالثًا: إيغار الصدور وإثارة الضغائن: فمن وصل إلى منصب أو رئاسة، تعرض لملامة الآخرين وسهام الناقدين، واشتعلت عليه نار الحسد والحقد، والحسد بين الأقران شهير وله آثار كثيرة، وكم من عالم وفقيه ومحدث تعرض لحسد الأقران حتى راح ضحية لهذه الأحقاد!! وما جرى للإمام البخاري -رحمه الله- خير دليل على ذلك، فما بالنا لو كان صاحب المنصب ليس له بأهل ويفتقر للكفاءة والمهارة، فعندها تكون الملامة أشد والعداوة أوثق، فيزداد التشاجر والتناحر، وربما وصل الأمر للقتال، والتاريخ حافل بآلاف النماذج التي تطلعت إلى الصدارة وطلب الريادة، ولم تنل مرادها، وانتهى بها الحال مجندلة في التراب بين نفي وتشريد وتقتيل. [mklb1]رابعًا: المداهنة في دين الله -عز وجل- بالسكوت عما يجب قوله والقيام به من الحق، وربما بقول الباطل من تحليل حرام، أو تحريم حلال، أو قول على الله بلا علم، وذلك باتباع الهوى الذي يدعوه لفعل كل ما يمكن فعله من أجل الحفاظ على منصبه، وقد رأينا من العلماء الرسميين والمفتين الموظفين الكثير من البلايا والرزايا ثمنًا وقربانًا لرضا الحكام والطغاة حتى يبقوهم في مناصبهم ووظائفهم الدينية والدعوية. [/mklb1] أما عن آثار طلب الرئاسة والبحث عن الصدارة على الدعوة نفسها، فيكفي أن نعرف أن هذا الداء كفيل بأن يمنع التمكين للدعوات، ويبطل جهود المخلصين فيها، فالتمكين لا يكون إلا للدعوة الخالصة التي صفت من الأكدار والشوائب التي تعلق بقلوب العاملين فيها ومن أجلها، ولو ازدحم على طريق الدعوة الكثيرون بحثًا عن رئاسة أو زعامة فارغة فمن يبقى للعمل والسعي وخدمة الدعوة، وأنّى للصف أن يستقيم وفيه طالبو الزعامة والباحثين عن الشهرة، وهل يصح أن يكون للدعوة مئات القادة وعشرات الجنود!! وحتى تعالج هذه الآفة جيدًا وتستأصل شأفتها من قلوب الدعاة فلابد من خطة عمل تبدأ منذ الصغر عن خطورة القيادة وعظم المسؤولية عنها، ودوام التذكير بتبعاتها وعواقبها في الدنيا والآخرة، والنظر في سنته وهديه -صلى الله عليه وسلم- التي تزخر بعشرات الآثار التي تنهى عن سؤال الإمارة والرئاسة والفرار منها، وآثار السلف وسيرتهم العاطرة في التعامل مع المناصب التي كانت تعرض عليهم عرضًا فيفرون منها فرارهم من الأسد، والتربية من الصغر على التواضع وحسن الخلق والإيثار وهضم حقوق النفس وإيثار مصلحة الدعوة الإسلامية على ما سواها، والتربية على قبول التكاليف مهما صغرت كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث أغبر، ومغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشَفّع". البخاري في كتاب الجهاد. اثبت وجودك
..
|
|
|
|
|
|
|
#2 | |
|
هيئة التدريس
![]() |
من الأمراض التي قلّ من سلم منها معاشر الدعاة، وخاصة في هذه الأيام التي أصبح تناقل الخبر والمعلومة فيها يتم من أقصى الكرة الأرضية إلى أدناها في طرفة عين؛ مرض "العجلة في الحكم وترك التثبت والتيقن من الأمر"، ونظرًا لخطورة هذا المرض وانتشاره وآثاره الخطيرة على الدعوة والداعية، أفردنا الحديث عنه في موضوع مستقل ولم نضعه ضمن آثار مرض الاستعجال الذي سبق أن تحدثنا عنه في مرة فائتة.
عدم التثبت وترك التبيّن في اللغة يدور على ثلاثة معانٍ: الأول: طلب ما يكون به الثبات على الأمر، أي لزومه وعدم التحول عنه أو تجاوزه إلى غيره، أي طلب الدليل الموصل إلى الثبات على الأمر. الثاني: فحص الدليل الموصل إلى الثبات في الأمر، فيقال: أثبت الأمر أي حققه وصححه، فأثبت الكتاب أي سجّله، وأثبت الحق أي أقام حجته، وأثبت الشيء أي عرفه حق المعرفة. الثالث: التأني والتريث وعدم الاستعجال، والتثبت والتبيّن بمعنى واحد في اللغة، والدليل على ذلك الاستعمال القرآني للفظتين في موضع واحد للدلالة على معنى واحد، في قوله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ) [الحجرات: 6]، ففي قراءة متواترة وهي قراءة أهل المدينة (فتثبتوا) بدلاً من (فتبينوا)، قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري معلقًا: "والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، متقاربتا المعنى، فأيهما قرأ القارئ فمصيب". أما في الاصطلاح فعدم التثبت وترك التبين معناه: السرعة والعجلة في إصدار الأحكام والأوصاف على الناس، وتناقل هذه الأحكام والأوصاف دون فهم أو روية أو ضوابط، ودون اعتبار للواقع، على أنها أحكام نهائية غير قابلة للنقض، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم في سورة النور واصفًا لحال من تناقل خبر الإفك، دون تثبت أو تبين، فقال -عز وجل-: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) [النور: 15]، والوصف القرآني بالغ الدقة والروعة؛ إذ من المعلوم أن التلقي يكون بالأذن ثم يعرض على العقل والقلب، بعدها يصدر الأمر إلى اللسان بالكلام أو عدمه، فإذا وصف القرآن التلقي بأنه كان بالألسن فمعناه سرعة نقل الخبر والتحدث بما سمع دون تمحيص وتفكير وتقييم، لذلك كان المتحدث بكل ما سمع أحد الكاذبين كما قال -صلى الله عليه وسلم-، ونقل الكلام دون تمحيص هو صورة من صور الإفك، وفيها من الخفة والاستهتار والجراءة على أعظم الأمور وأخطرها، وهي الأعراض والأوصاف. ولعدم التثبت وترك التيقن العديد من الصور والمظاهر التي تدل على عجلة صاحبها وتسرعه في القرار واتخاذ المواقف السلبية، من هذه الصور: أولاً: معاداة الأقران من الدعاة والأفراد والهيئات، والتفتيش عن عيوبهم، والاستجابة للحملات المغرضة ضدهم، والاشتراك في تشويه صورتهم أمام العامة، ورفض إقالة عثراتهم، وإشاعة عيوبهم، وذلك كله دون تمحيص وتحقيق للخبر الدائر والأمر الرائج. ثانيًا: اتخاذ مواقف سريعة بالسلب أو بالإيجاب تأثرًا ببعض الأخبار والإشاعات، دون بحث في مدى دقة هذه الأخبار، ودون دراسة لآثار هذه القرارات المتعجلة. ثالثًا: المبادرة بالتنفيذ لمجرد صدور التكاليف والأوامر، دون إحاطة تامة بكل ظروفه وملابساته، ودون معرفة دقيقة بمن يحق له التوجيه وإصدار التكاليف. أولاً: النشأة الأولى، فقد ينشأ المرء في بيئة يغلب عليها التسرع وعدم التثبت، والعجلة في اتخاذ القرارات والمواقف، والمرء في صغره يتأثر أيما تأثُّر، وينطبع في ذهنه ومخيلته هذا السلوك، ويصبح سمتًا لازمًا له طوال حياته، لذلك قالوا قديمًا: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"، والرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الكذب على الصغير عندما رأى الأنصارية تنادي على ولدها لتعطيه؛ لأن ذلك سيؤثر سلبًا على الطفل الصغير، فينشأ معتادًا على الكذب وأجوائه. هذه بعض مظاهر عدم التثبت من الخبر، أما عن أسبابه الدافعة له فكثيرة؛ منها: ثانيًا: الصحبة الفاسدة؛ فالمرء على دين خليله، والصاحب ساحب، والطباع سرّاقة، وكلما كان المرء ضعيف الشخصية كان إمعة في سلوكه، فيحاكي ويقلد بلا روية ولا بصيرة. ثالثًا: الاغترار ببريق الألفاظ؛ فقد يقرع أذن المرء طائفة من الألفاظ المعسولة والعبارات الخلابة، وإذا بالمرء يغتر بهذه الألفاظ، فيحسبها ذهبًا وهي تراب، ولفت النبي -صلى الله عليه وسلم- النظر إلى هذا السبب حين قال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها". أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، ومسلم وأبو داود في الأقضية. رابعًا: الجهل بأساليب التثبت؛ فقد يجهل الداعية أساليب وطرق التثبت، فيعجل ويتسرع في إصدار القرارات أو يحاكي المتعجلين، ذلك أن للتثبت العديد من الوسائل والطرق؛ منها: [COLOR="Olive"]1- رد الأمر إلى الله ورسوله وإلى أولي العلم وأهل الذكر كما قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83]. [/COLOR] 2- سؤال صاحب الشأن عن صحة الخبر وبواعثه وأسبابه، ولنا فيما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع حاطب بن أبي بلتعة يوم فتح مكة الأسوة الحسنة في ذلك، حيث لم يبادر بعقوبته رغم جسامة ما اقترافه، إنما أحضره وقرره بما فعل، فأقر حاطب، ثم سأله -صلى الله عليه وسلم- عن دوافعه عن الفعل ومبرراته، ورغم أن المبررات لم تكن مقنعة، إلا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد عذره، ووهب فعلته الرديئة لسالف إحسانه وتاريخه النضالي الكبير في خدمة الإسلام. 3- حسن الإصغاء والاستماع الجيد؛ وذلك بالمراجعة والاستفهام لفحوى الكلام وحقيقة الخبر، فقد يتردد كلام وأخبار لا يراد ظاهرها، ولا تدل على معناها الحقيقي، فعندها يحتاج الكلام للإيضاح، حتى لا ينتج عنه آثار ضارة وربما تكون قاتلة، مثلما حدث في قتال المرتدين عندما أمر خالد بن الوليد -رضي الله عنه- جنوده بتدفئة الأسرى من قوم مالك بن نويرة في ليلة باردة، فقال لهم: "دفئوا أسراكم"، وكان الحرس من بني كنانة، وتدفئة الأسرى في لغة كنانة معناها القتل، فقتلوهم جميعًا، فلما سمع خالد الصراخ خرج من خيمته، ولكن بعد فوات الأمر، فعنف أبو بكر الصديق الخليفة خالدًا بسبب ذلك تعنيفًا شديدًا، ودفع دية من قتل من الأسرى لأنهم قد تابوا وعادوا من الردة بعد الأسر. 4- التجربة والخبرة والمشاهدة والمقارنة، فمعايشة الأحداث، ومعرفة الأشخاص، تعطي الداعية رصيدًا كبيرًا للتجربة من الفهم والبصيرة بمرامي الكلام وطبائع الأشخاص، والمنافسة بين الأقران، وتمكنه من الحكم ببصيرة على الأخبار والآراء بحق الأشخاص والهيئات. خامسًا: الانبهار والاغترار بشخصية المتكلم، والالتفات لسمته ودله الظاهر، وترك تقييم الكلام وزنته وفحصه، فالناس من طبائعها تصديق ذوي الهيئات التي تدل على الصلاح، والثقة فيما يقولون، وقد لا يدركون أن النفوس محتقنة، والثارات قديمة بين المتكلم والمتكلم فيه، وأيضًا قد يدرون طبيعة كلام الأقران في بعضهم البعض، لذلك قال أهل العلم: إن القاضي لا يحكم بعلمه حتى يسمع الدليل ويفحص القضية، وقالوا أيضًا: إن الكلام في الناس لابد أن يكون بإنصاف وعدل وعلم. سادسًا: الولاء والبراء للمشايخ والرؤساء والكبراء زعماء الجماعات وقادة التيارات الدعوية، بحيث لا يمكن مراجعة قراراتهم وتصنيفاتهم الدعوية، لهذا الداعية أو هذا الخطيب، فيكون الدليل والحجة عند كثير من شباب اليوم "هذا ما قاله الشيخ فلان" أو "هذا ما ذهب إليه الداعية المشهور علان"، وهذا الأمر تحديدًا من أكثر أسباب شيوع حالة التنافر والتجاذب بين الجماعات والتيارات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية، فكم من داعية أو خطيب قد وأدته الشائعات، وقتلته التصنيفات، وقُضي على علمه وخيره، بسبب الوشايات والشائعات والتسرع في الحكم عليه. سابعًا: الحماس والعاطفة غير الراشدة، فقد تؤدي الحماسة والغيرة الفطيرة إلى عدم التثبت من الخبر والمسارعة باتخاذ القرارات، والحماسة إذا لم تكن موزونة بميزان الشرع تحولت لوابل على صاحبها؛ لأنها تسلبه الحكمة والإدراك، وتجعله أهوج كثير الخطأ، مثلما حدث يوم الجسر سنة 13هـ في القتال بين المسلمين والفرس عندما قرر القائد أبو عبيد الثقفي أن يعبر النهر إلى الفرس، وبحجة أن لا يكون الفرس أجرأ على الموت من المسلمين، ورفض أن يستمع لصوت العقل من مساعديه الذين قالوا له: إن هذا القرار خاطئ من الناحية التكتيكية الحربية، ويضع المسلمين في مأزق، فأصر القائد المتحمس على قراره، والنتيجة هزيمة قاسية للمسلمين، يقتل فيها ستة آلاف مسلم وهو عدد ضخم لم يقع من المسلمين مثله في معركة واحدة في مقدمتهم القائد أبو عبيدة نفسه، فانظر إلى عاقبة الحماسة والعاطفة الطائشة. ثامنًا: الحقد والحسد؛ فقد يكون من أهم أسباب عدم التثبت الحقد والمنافسة وتصفية ثارات قديمة، أو الغلو في حب شيء، فإن حب الشيء يعمي ويصم، ويحول بين الإنسان وبين استطلاع الموقف وتبين الحقيقة، كما وقع في حادثة مقتل عامر بن الضبط على يد ملجم بن جثامة والتي أنزل الله -عز وجل- فيها قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [النساء: 94]. وخطورة هذا المرض أنه يؤدي إلى آثار مدمرة على الدعوة والداعية، فهو يؤدي إلى اتهام الأبرياء من الناس زورًا وبهتانًا، مثلما حدث مع أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، في حادثة الإفك التي تعتبر مثالاً سائرًا في عاقبة عدم التثبت والمشاركة في الشائعات وترديد الأكاذيب، وقد يؤدي لسفك الدماء وسلب الأموال، كما حدث من أسامة بن زيد مع الرجل الجهني الذي قتله بعد أن نطق بالشهادة، التعرض للعقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، كما حدث مع من خاض في حادثة الإفك من الصحابة مثل مسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت، الذين أقيم عليهم الحد، ومنها اضطراب الصف الإسلامي وكثرة الانشقاقات فيه، وتعثر سير الدعوة بسبب هذه الخلافات، وهدر الكثير من الطاقات والإمكانات في معالجة آثار هذه الانشقاقات، ومنها التراخي والفتور في همم الدعاة الذين وجدوا أنفسهم في مرمى نيران اتهامات كثيرة بسبب عدم التثبت من جانب غيرهم من الدعاة والشيوخ، ومنها فتح المجال أمام ذوي النفوس المريضة والدخلاء لارتقاء منابر الدعاة ومناصبهم، ومنها شيوع حالة التدابر والتباغض بين أنصار الشيوخ والدعاة. وإن تقوية ملكة التقوى والمراقبة لله -عز وجل- هي حجر الزاوية في القضاء على هذا المرض الخطير، والتحلي بأخلاق الإنصاف والتجرد والتروي وضبط اللسان وتقديم حسن الظن، ومطالعة سيرة الرسول الكريم وأصحابه وسلف هذه الأمة، كلها عوامل رئيسة في مقاومة هذا المرض المستشري بين صفوف كثير من دعاة هذا الزمان. |
|
|
|
|
|
|
#3 | |
|
هيئة التدريس
![]() |
من الأمراض التي قلّ من سلم منها معاشر الدعاة، وخاصة في هذه الأيام التي أصبح تناقل الخبر والمعلومة فيها يتم من أقصى الكرة الأرضية إلى أدناها في طرفة عين؛ مرض "العجلة في الحكم وترك التثبت والتيقن من الأمر"، ونظرًا لخطورة هذا المرض وانتشاره وآثاره الخطيرة على الدعوة والداعية، أفردنا الحديث عنه في موضوع مستقل ولم نضعه ضمن آثار مرض الاستعجال الذي سبق أن تحدثنا عنه في مرة فائتة.
عدم التثبت وترك التبيّن في اللغة يدور على ثلاثة معانٍ: الأول: طلب ما يكون به الثبات على الأمر، أي لزومه وعدم التحول عنه أو تجاوزه إلى غيره، أي طلب الدليل الموصل إلى الثبات على الأمر. الثاني: فحص الدليل الموصل إلى الثبات في الأمر، فيقال: أثبت الأمر أي حققه وصححه، فأثبت الكتاب أي سجّله، وأثبت الحق أي أقام حجته، وأثبت الشيء أي عرفه حق المعرفة. الثالث: التأني والتريث وعدم الاستعجال، والتثبت والتبيّن بمعنى واحد في اللغة، والدليل على ذلك الاستعمال القرآني للفظتين في موضع واحد للدلالة على معنى واحد، في قوله -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ) [الحجرات: 6]، ففي قراءة متواترة وهي قراءة أهل المدينة (فتثبتوا) بدلاً من (فتبينوا)، قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري معلقًا: "والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، متقاربتا المعنى، فأيهما قرأ القارئ فمصيب". أما في الاصطلاح فعدم التثبت وترك التبين معناه: السرعة والعجلة في إصدار الأحكام والأوصاف على الناس، وتناقل هذه الأحكام والأوصاف دون فهم أو روية أو ضوابط، ودون اعتبار للواقع، على أنها أحكام نهائية غير قابلة للنقض، وإلى هذا المعنى أشار القرآن الكريم في سورة النور واصفًا لحال من تناقل خبر الإفك، دون تثبت أو تبين، فقال -عز وجل-: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) [النور: 15]، والوصف القرآني بالغ الدقة والروعة؛ إذ من المعلوم أن التلقي يكون بالأذن ثم يعرض على العقل والقلب، بعدها يصدر الأمر إلى اللسان بالكلام أو عدمه، فإذا وصف القرآن التلقي بأنه كان بالألسن فمعناه سرعة نقل الخبر والتحدث بما سمع دون تمحيص وتفكير وتقييم، لذلك كان المتحدث بكل ما سمع أحد الكاذبين كما قال -صلى الله عليه وسلم-، ونقل الكلام دون تمحيص هو صورة من صور الإفك، وفيها من الخفة والاستهتار والجراءة على أعظم الأمور وأخطرها، وهي الأعراض والأوصاف. ولعدم التثبت وترك التيقن العديد من الصور والمظاهر التي تدل على عجلة صاحبها وتسرعه في القرار واتخاذ المواقف السلبية، من هذه الصور: أولاً: معاداة الأقران من الدعاة والأفراد والهيئات، والتفتيش عن عيوبهم، والاستجابة للحملات المغرضة ضدهم، والاشتراك في تشويه صورتهم أمام العامة، ورفض إقالة عثراتهم، وإشاعة عيوبهم، وذلك كله دون تمحيص وتحقيق للخبر الدائر والأمر الرائج. ثانيًا: اتخاذ مواقف سريعة بالسلب أو بالإيجاب تأثرًا ببعض الأخبار والإشاعات، دون بحث في مدى دقة هذه الأخبار، ودون دراسة لآثار هذه القرارات المتعجلة. ثالثًا: المبادرة بالتنفيذ لمجرد صدور التكاليف والأوامر، دون إحاطة تامة بكل ظروفه وملابساته، ودون معرفة دقيقة بمن يحق له التوجيه وإصدار التكاليف. أولاً: النشأة الأولى، فقد ينشأ المرء في بيئة يغلب عليها التسرع وعدم التثبت، والعجلة في اتخاذ القرارات والمواقف، والمرء في صغره يتأثر أيما تأثُّر، وينطبع في ذهنه ومخيلته هذا السلوك، ويصبح سمتًا لازمًا له طوال حياته، لذلك قالوا قديمًا: "التعليم في الصغر كالنقش على الحجر"، والرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الكذب على الصغير عندما رأى الأنصارية تنادي على ولدها لتعطيه؛ لأن ذلك سيؤثر سلبًا على الطفل الصغير، فينشأ معتادًا على الكذب وأجوائه. هذه بعض مظاهر عدم التثبت من الخبر، أما عن أسبابه الدافعة له فكثيرة؛ منها: ثانيًا: الصحبة الفاسدة؛ فالمرء على دين خليله، والصاحب ساحب، والطباع سرّاقة، وكلما كان المرء ضعيف الشخصية كان إمعة في سلوكه، فيحاكي ويقلد بلا روية ولا بصيرة. ثالثًا: الاغترار ببريق الألفاظ؛ فقد يقرع أذن المرء طائفة من الألفاظ المعسولة والعبارات الخلابة، وإذا بالمرء يغتر بهذه الألفاظ، فيحسبها ذهبًا وهي تراب، ولفت النبي -صلى الله عليه وسلم- النظر إلى هذا السبب حين قال: "إنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها". أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغصب، ومسلم وأبو داود في الأقضية. رابعًا: الجهل بأساليب التثبت؛ فقد يجهل الداعية أساليب وطرق التثبت، فيعجل ويتسرع في إصدار القرارات أو يحاكي المتعجلين، ذلك أن للتثبت العديد من الوسائل والطرق؛ منها: [COLOR="Olive"]1- رد الأمر إلى الله ورسوله وإلى أولي العلم وأهل الذكر كما قال تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) [النساء: 83]. [/COLOR] 2- سؤال صاحب الشأن عن صحة الخبر وبواعثه وأسبابه، ولنا فيما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع حاطب بن أبي بلتعة يوم فتح مكة الأسوة الحسنة في ذلك، حيث لم يبادر بعقوبته رغم جسامة ما اقترافه، إنما أحضره وقرره بما فعل، فأقر حاطب، ثم سأله -صلى الله عليه وسلم- عن دوافعه عن الفعل ومبرراته، ورغم أن المبررات لم تكن مقنعة، إلا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد عذره، ووهب فعلته الرديئة لسالف إحسانه وتاريخه النضالي الكبير في خدمة الإسلام. 3- حسن الإصغاء والاستماع الجيد؛ وذلك بالمراجعة والاستفهام لفحوى الكلام وحقيقة الخبر، فقد يتردد كلام وأخبار لا يراد ظاهرها، ولا تدل على معناها الحقيقي، فعندها يحتاج الكلام للإيضاح، حتى لا ينتج عنه آثار ضارة وربما تكون قاتلة، مثلما حدث في قتال المرتدين عندما أمر خالد بن الوليد -رضي الله عنه- جنوده بتدفئة الأسرى من قوم مالك بن نويرة في ليلة باردة، فقال لهم: "دفئوا أسراكم"، وكان الحرس من بني كنانة، وتدفئة الأسرى في لغة كنانة معناها القتل، فقتلوهم جميعًا، فلما سمع خالد الصراخ خرج من خيمته، ولكن بعد فوات الأمر، فعنف أبو بكر الصديق الخليفة خالدًا بسبب ذلك تعنيفًا شديدًا، ودفع دية من قتل من الأسرى لأنهم قد تابوا وعادوا من الردة بعد الأسر. 4- التجربة والخبرة والمشاهدة والمقارنة، فمعايشة الأحداث، ومعرفة الأشخاص، تعطي الداعية رصيدًا كبيرًا للتجربة من الفهم والبصيرة بمرامي الكلام وطبائع الأشخاص، والمنافسة بين الأقران، وتمكنه من الحكم ببصيرة على الأخبار والآراء بحق الأشخاص والهيئات. خامسًا: الانبهار والاغترار بشخصية المتكلم، والالتفات لسمته ودله الظاهر، وترك تقييم الكلام وزنته وفحصه، فالناس من طبائعها تصديق ذوي الهيئات التي تدل على الصلاح، والثقة فيما يقولون، وقد لا يدركون أن النفوس محتقنة، والثارات قديمة بين المتكلم والمتكلم فيه، وأيضًا قد يدرون طبيعة كلام الأقران في بعضهم البعض، لذلك قال أهل العلم: إن القاضي لا يحكم بعلمه حتى يسمع الدليل ويفحص القضية، وقالوا أيضًا: إن الكلام في الناس لابد أن يكون بإنصاف وعدل وعلم. سادسًا: الولاء والبراء للمشايخ والرؤساء والكبراء زعماء الجماعات وقادة التيارات الدعوية، بحيث لا يمكن مراجعة قراراتهم وتصنيفاتهم الدعوية، لهذا الداعية أو هذا الخطيب، فيكون الدليل والحجة عند كثير من شباب اليوم "هذا ما قاله الشيخ فلان" أو "هذا ما ذهب إليه الداعية المشهور علان"، وهذا الأمر تحديدًا من أكثر أسباب شيوع حالة التنافر والتجاذب بين الجماعات والتيارات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية، فكم من داعية أو خطيب قد وأدته الشائعات، وقتلته التصنيفات، وقُضي على علمه وخيره، بسبب الوشايات والشائعات والتسرع في الحكم عليه. سابعًا: الحماس والعاطفة غير الراشدة، فقد تؤدي الحماسة والغيرة الفطيرة إلى عدم التثبت من الخبر والمسارعة باتخاذ القرارات، والحماسة إذا لم تكن موزونة بميزان الشرع تحولت لوابل على صاحبها؛ لأنها تسلبه الحكمة والإدراك، وتجعله أهوج كثير الخطأ، مثلما حدث يوم الجسر سنة 13هـ في القتال بين المسلمين والفرس عندما قرر القائد أبو عبيد الثقفي أن يعبر النهر إلى الفرس، وبحجة أن لا يكون الفرس أجرأ على الموت من المسلمين، ورفض أن يستمع لصوت العقل من مساعديه الذين قالوا له: إن هذا القرار خاطئ من الناحية التكتيكية الحربية، ويضع المسلمين في مأزق، فأصر القائد المتحمس على قراره، والنتيجة هزيمة قاسية للمسلمين، يقتل فيها ستة آلاف مسلم وهو عدد ضخم لم يقع من المسلمين مثله في معركة واحدة في مقدمتهم القائد أبو عبيدة نفسه، فانظر إلى عاقبة الحماسة والعاطفة الطائشة. ثامنًا: الحقد والحسد؛ فقد يكون من أهم أسباب عدم التثبت الحقد والمنافسة وتصفية ثارات قديمة، أو الغلو في حب شيء، فإن حب الشيء يعمي ويصم، ويحول بين الإنسان وبين استطلاع الموقف وتبين الحقيقة، كما وقع في حادثة مقتل عامر بن الضبط على يد ملجم بن جثامة والتي أنزل الله -عز وجل- فيها قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [النساء: 94]. وخطورة هذا المرض أنه يؤدي إلى آثار مدمرة على الدعوة والداعية، فهو يؤدي إلى اتهام الأبرياء من الناس زورًا وبهتانًا، مثلما حدث مع أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، في حادثة الإفك التي تعتبر مثالاً سائرًا في عاقبة عدم التثبت والمشاركة في الشائعات وترديد الأكاذيب، وقد يؤدي لسفك الدماء وسلب الأموال، كما حدث من أسامة بن زيد مع الرجل الجهني الذي قتله بعد أن نطق بالشهادة، التعرض للعقاب في الدنيا والعذاب في الآخرة، كما حدث مع من خاض في حادثة الإفك من الصحابة مثل مسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، وحسان بن ثابت، الذين أقيم عليهم الحد، ومنها اضطراب الصف الإسلامي وكثرة الانشقاقات فيه، وتعثر سير الدعوة بسبب هذه الخلافات، وهدر الكثير من الطاقات والإمكانات في معالجة آثار هذه الانشقاقات، ومنها التراخي والفتور في همم الدعاة الذين وجدوا أنفسهم في مرمى نيران اتهامات كثيرة بسبب عدم التثبت من جانب غيرهم من الدعاة والشيوخ، ومنها فتح المجال أمام ذوي النفوس المريضة والدخلاء لارتقاء منابر الدعاة ومناصبهم، ومنها شيوع حالة التدابر والتباغض بين أنصار الشيوخ والدعاة. وإن تقوية ملكة التقوى والمراقبة لله -عز وجل- هي حجر الزاوية في القضاء على هذا المرض الخطير، والتحلي بأخلاق الإنصاف والتجرد والتروي وضبط اللسان وتقديم حسن الظن، ومطالعة سيرة الرسول الكريم وأصحابه وسلف هذه الأمة، كلها عوامل رئيسة في مقاومة هذا المرض المستشري بين صفوف كثير من دعاة هذا الزمان. |
|
|
|
|
|
|
#4 | |
|
هيئة التدريس
![]() |
من أخطر الأدواء والآفات والأمراض على طريق الدعوة إلى الله، وأكبر العقبات على سبيل التمكين؛ اليأس والقنوط من رحمة الله، فمع اليأس يرتدي الداعية منظارًا أسود يرى به كل الأمور من حوله قاتمة لا نور فيها، ميتة لا حياة فيها، بائسة لا أمل فيها، مع اليأس يتحول الداعية من شعلة نشاط إلى رماد فاتر، ومن منارة للهدى إلى حطام إنسان، لا يفكّر ولا يعمل ولا يحلم، بل لا يفكر حتى في الحلم، حاله كحال الشاعر عندما قال:
يا قـوم لا تتكلـموا *** إن الكـلام محـرم ناموا ولا تستـيقظوا *** مـا فـاز إلا النُّوَّمُ وتأخروا عـن كل ما *** يقضي بأن تتقدموا ودعوا الـتفهم جانبًا *** فالخير أن لا تفهموا وتثـبتوا في جهلكم *** فالشـر أن تتعلموا أما السياسة فاتركوا *** أبـدًا وإلا تـندموا بالجملة المرء مع اليأس هو والعدم سواء، وحياته وموته سيان، لذلك كان من أهم أولويات الدعاة الحذر من مزالق هذا المرض الخطير وآثاره وتداعياته وظواهره وأسبابه. اليأس في اللغة العربية يدور على عدة معانٍ؛ منها: انقطاع الأمل من شيء، وانتفاء الطمع منه، ومنه قولنا: يئست المرأة، أي انقطع حيضها، كما في قوله: (وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ...) [الطلاق: 4]، ومنها أيضًا الذل والقهر والخضوع، واللين والتصاغر، فنقول: أيس أيسًا بمعنى ذل وخضع، وأيس فلان فلانًا أي قهره وأذله. أما في الاصطلاح فاليأس هو انقطاع الرجاء من الفرج، وانقطاع الطمع من الخروج من الشدائد، وذلك بسبب غلبة العدو، واستطالة الباطل، وتأخر النصر، وضعف النتائج، أما القنوط فهو أشد اليأس أو قمة اليأس، ومنها قوله -عز وجل-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا) [الشورى: 28]. الإسلام قد وقف من اليأس والقنوط موقفًا حاسمًا قويًا؛ إذ عدّه من الكبائر المهلكة، وذهب بعض أهل العلم لاعتبار اليأس من الكفر المخرج من الملة إذا اقترن معه شك في قدرة الله وحكمته، كما ذهب لذلك صاحب الطحاوية، وقد حرّم الإسلام الوقوع في حبائل هذا المرض الخطير، ومن باب أولى الدعوة إليه، والقرآن أفاض في التحذير من اليأس والقنوط ومظاهره وآثاره، وذلك في آيات كثيرة منها: قوله -عز وجل- (يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ) [يوسف: 87]، وفي آية أخرى بيّن الله -عز وجل- أن اليأس من صفات وأخلاق الكافرين فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُوْلَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [العنكبوت: 23]، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنْ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ) [الممتحنة: 13]، وبيّن المولى في آيات أخرى أن اليأس هو شعار من يعبد الله على حرف، فإن أصابه الخير استبشر، وإن أصابه الضر يئس وتضجر، فقال: (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) [هود: 9]، وقال: (لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) [فصلت: 49]، وبيّن المولى في موضع آخر أن القنوط واليأس هو شعار الضالين الحائدين عن طريق الهداية والرشاد، فقال -عز وجل-: (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنْ الْقَانِطِينَ * قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ) [الحجر: 55، 56]. واليأس داء نفسي خطير يصيب كثيرًا من الناس، وله عليهم آثار خطيرة، ولكن آثاره ومظاهره على الدعاة والعاملين في حقل الدعوة أشد خطورة وأعظم ضررًا، وهناك مظاهر كثيرة تدل على اليأس والقنوط في العمل الدعوي؛ من أبرزها: الأول: الهزيمة النفسية؛ وهي تعتبر من أبرز مظاهر اليأس والقنوط من رحمة الله، فاليأس يفل القلوب ويأسر النفوس ويغتال الأحلام ويقتل الآمال، فيتحول الداعية لمهزوم نفسيًّا، وينعكس ذلك على قراراته وخطواته وتحركاته وخططه ومشروعاته، وتنعكس هذه الهزيمة أيضًا على سلوكه وهديه وسمته ودله، فترى كثيرًا من المنهزمين نفسيًّا أسرى الأوهام والظن، ويتولد عندهم فقدان ثقة وشك في صحة المنهج والطريق والعاقبة. الثاني: الانبهار بما عند الغير -خاصة الغرب- من قوة وتقدم، والشعور المتنامي بالدونية أمام جبروت الخصوم وقوتهم، والثقة المطلقة بأعداء الأمة أنهم قادرون على إنفاذ مخططاتهم ومؤامراتهم ضد الأمة، وأنهم ممسكون بزمام الأمور في العالم بأسره، ويستتبع ذلك أيضًا تصديق لأعداء الأمة في كل ما يروجونه من أباطيل وأراجيف، لاسيما ما يتعلق بتاريخنا العظيم الذي تعمّد الغرب تشويهه وإهالة التراب على نقاطه المضيئة. الثالث: القعود عن العمل والدعوة والتربية والبناء، بدعوى أن لا فائدة من هذا العمل ما دام أعداء الأمة ظاهرين وقاهرين لنا، وهذا ينعكس في صور كثيرة من أبرزها التخلي عن السنن والآداب الإسلامية، امتلاء القلوب بالخوف والفزع من قوة الخصوم، الانشغال بأمور الدنيا والانغماس في مباحاتها وشهواتها، تثبت همم الدعاة والمخلصين والعاملين لدين الله، بدعوى أنه لا فائدة من كل هذه الجهود، وأنها ستذهب أدراج الرياح. وربما يتعجب البعض من هذا المرض الفتاك، كيف له أن يتسلل بين صفوف الدعاة والعاملين لدين الله، على الرغم من التحذير السماوي منه؟! وكيف يصل هذا الداء القتّال إلى القلوب المخلصة والهمم المرابطة، وهي تعيش في أجواء القرآن والسنة والالتزام بهدي الإسلام ومنهجه؟! والحقيقة أن هناك الكثير والكثير من أسباب وبواعث الوقوع في اليأس خاصة في هذا الحقل المليء بالمتاعب والهموم، ولكن ذلك كله لا يبرر مطلقًا لأحد من الدعاة أن يسمح لنفسه أن يسترسل مع هذه الآفة الخطيرة ويسمح لها بالاستيلاء على قلبه، والاستحواذ على نفسه، ومن هذه الأسباب: أولاً: عدم معرفة الله -عز وجل- حق المعرفة؛ ذلك أن من عرف ربه بأسمائه وصفاته، وأنه سبحانه منزه عن كل نقص، موصوف بكل كمال، واستقرأ هذه الصفات والمعارف الربانية في كتابه العزيز، علم أن الله ناصر المؤمنين، ومخزي الكافرين، وأن جند الله -عز وجل- هم المفلحون وهم الغالبون، علم أن من توكل على الله -عز وجل- وحده كفاه من شر كل ذي شر، وكيد كل ذي كيد، فالله كافٍ عبده، وناصر جنده، شريطة أن يكونوا أهلاً لهذا النصر، متحلين بالتقوى والقوة واليقين والصبر؛ لأن الطريق طويل، والساقطون على جنباته كثير، لا ينجو إلا المخلصون، ومن تخلّفت عنه هذه المعارف، ساء ظنه بربه -عز وجل-، كما قال الله -عز وجل-: (وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ...) [آل عمران: 154]، وقوله: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ...) [الفتح: 6]، قال ابن القيم -رحمه الله-: "فمن ظنّ بأنه لا ينصر رسوله، ولا يتم أمره، ولا يؤيده، ويؤيد حزبه ويعليهم، ويظفرهم بأعدائه، ويظهرهم عليهم، وبأنه لا ينصر دينه وكتابه، وأنه يديل الشرك على التوحيد، والباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها التوحيد والحق اضمحلالاً، فقد ظن بالله ظن السوء، ونسبه إلى خلاف ما يليق بكماله وجلاله وصفاته ونعوته". ثانيًا: كثرة الإخفاقات والفشل: تكرار الفشل، ودوام التعثر من الأمور التي تصيب الدعاة بالإحباط وتجعل اليأس يتسرب إلى قلوبهم، وما من عمل إلا وهو عرضة للفشل والنجاح، ومن منّا قضى حياته كلها في نجاحات مستمرة؟! وكذلك العكس، فالحياة ما هي إلا حلقات متواصلة من النجاح والفشل، والفوز والإخفاق، وبالنظر إلى أحوال أمتنا الإسلامية عبر العصور يجدها كانت ظاهرة منتصرة قوية في أوائل أمرها، ثم أخذت في التراجع والانحدار شيئًا فشيئًا، ولكنها في كل مرة كانت تتعرض فيها لكبوة أو نازلة، كانت سرعان ما تسرد عافيتها، وتواصل مسيرتها، ولو وقفت يومًا عند مصائبها وهزائمها، ودب اليأس إليها؛ ما ظلت على قيد الحياة لوقتنا الحاضر، وإلى قيام الساعة. أيضًا الفشل والإخفاق هذا ليس من حظ الأمة الإسلامية وحدها، فأعداء الأمة يألمون ويفشلون ويخفقون، وقمة إخفاقهم أنهم لم يستطيعوا حتى الآن القضاء على الأمة الإسلامية، ولهذا المعنى أشار المولى -جل وعلا- في كتابه الحكيم: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) [النساء: 104]، فأعداء الأمة والمتربصون بالدعاة مهما بلغت قوتهم، فهم أمام قوة الله وقضائه وقدره لا شيء مطلقًا، ومجتمعاتهم الموصوفة بالتقدم والرقي والازدهار، تعج بالجريمة والفساد والانحراف والإلحاد، بل وتعج باليأس والتيه والإحباط، ولعل معدلات الانتحار في هذه المجتمعات الراقية! خير دليل على مدى الفشل الذي عليه هذه المجتمعات. ثالثًا: الانفراد: فالعمل الجماعي الذي تتكامل فيه الجهود، وتتناسق فيه الخطط والاستراتيجيات، ويشترك فيه أطياف التيار الدعوي الكبير في الأمة، عمل تتزايد فيه فرص النجاح، ما سيحجم فرص ظهور داء اليأس بين الصفوف، وفي المقابل فإن العمل بصورة فردية، وشيوع ثقافة الاعتداد بالنفس، والانفراد بالرأي، والإصرار على العمل بصورة فردية؛ أدى لسلسلة متتابعة من الإخفاقات، دفعت ثمنها الدعوة الإسلامية والعمل الخيري والتطوعي، والنتيجة الطبيعية الشعور بالإحباط واليأس، وإذا دبّت القطيعة بين أبناء الأمة الواحدة، وعلتها الفرقة والاختلاف؛ زال الأمل في الإصلاح، وخفت صوت الرجاء والتفاؤل، وحل اليأس والإحباط. رابعًا: معايشة اليائسين: فالطباع سرّاقة، وأمراض القلوب معدية، والصاحب ساحب، ومعايشة ذوي الهمم الساقطة والعزائم الخائرة تقود حتمًا إلى الفشل واليأس، وجيش الأرانب الذي يقوده الأسد، ينتصر على جيش الأسود الذي يقوده الأرنب، فضعف الهمم وفتور العزائم ونزول الإرادات كلها مغذيات لليأس والإحباط؛ لأن الدنيا مليئة بالصعاب والعقبات التي تحتاج إلى العزيمة الصادقة والهمة العالية حتى يتجاوزها المرء، وبدونها يبقى خلف الحواجز أبد الدهر أسير ضعفه وخنوعه. اليأس والإحباط أصبح اليوم ظاهرة كونية عالمية لا يعاني منها بعض الدعاة فقط، بل يعاني منها الكثيرون من أبناء الأمة الإسلامية، لذلك فروشتة علاج هذا الداء الفتاك تبدأ من تقوية العقيدة في قلوب المسلمين، وتربيته على الصلة القوية بربهم -جل في علاه-، فالمعرفة الحقة بأسماء الله وصفاته ونعوته وآلائه وسننه في الكون والخلق والحياة تورث الإنسان يقينًا راسخًا وإيمانًا حيًّا. أيضًا لابد من مطالعة سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والتعرف على أيامه ولياليه وكفاحه وجهاده في سبيل الله، كيف مرت به الشدائد والمحن والابتلاءات وهو راسخ كالطود العظيم، صابرًا محتسبًا متفائلاً موقنًا بأمر ربه، لا يعرف اليأس إلى قلبه سبيلاً، وعلى دربه سار الصحب الكرام، صادفتهم الشدائد والنوازل الكبرى من حركات للردة، وفتن واضطرابات وتكالب للعدو داخل الجزيرة وخارجها، ومع ذلك فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، فالقلوب بربها موصولة، وبوعده واثقة، لذلك بنوا الأمجاد وشيدوا الحضارات وأقاموا الممالك الكبرى. أيضًا يجب علينا أن ننظر إلى فضل الله وكرمه ولطفه الخفي، وكيف أن الدين ينتصر وينتشر بكل قوة رغم قلة الإمكانات وكثرة المؤامرات، والإحصائيات الحديثة عن أعداد من اعتنق الإسلام في دول الغرب تبعث في قلوب أشد الناس يأسًا أملاً في نصر الله -عز وجل- لهذا الدين. ا كتبه : شريف عبدالعزيز |
|
|
|
|
|
|
#5 |
![]() ![]() |
[frame="2 80"]
جزاك الله خيرا غاليتي ![]() بارك اللــــــــــــــــــــــــه فيك ![]() ![]() [/frame] |
|
|
|
|
|
#6 | |
|
هيئة التدريس
![]() |
وفيك بارك الله شكرا لمرورك أختي
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| موسوعة الامراض الجلدية كاملة | ام بكر | روضة الصحة العامة | 3 | 13th August 2014 04:07 AM |
| علو الهمة في الدعوة إلى الله غاليتي | نسائم مكة | إعداد وتأهيل الأخت الداعية | 5 | 3rd March 2014 12:44 PM |
| أختي تحلي بالأخلاق العالية | نسائم مكة | إعداد وتأهيل الأخت الداعية | 2 | 16th January 2014 09:39 AM |
| عبر تربوية من سيرة مرحلة الجهر بالدعوة | نسائم مكة | السيرة النبويه العطرة | 2 | 3rd January 2014 01:18 AM |
| نشأة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله | غسق الليل | سيرة الأنبياء والسلف الصالح والأعلام | 9 | 10th December 2013 01:45 PM |
|
|