هل عمر رضي الله عنه قال " هجر" ؟
أولا: هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن عمر رضي الله عنه أصلاً وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين ، وإنما الثابت فيها ( فقالوا ما شأنه أهجر) هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد ، قال ابن حجر : وَيَظْهَرُ لِي تَرْجِيحُ ثَالِثِ الِاحْتِمَالَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقُرْطُبِيُّ وَيَكُونُ قَائِلُ ذَلِكَ بَعْضَ مَنْ قَرُبَ دُخُولُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَعْهَدُ أَنَّ مَنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ قَدْ يَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ تَحْرِيرِ مَا يُرِيدُ .
ثانياً : الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الاستفهام هكذا (أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر)
فقد نص شراح الحديث على أن الاستفهام هنا جاء على سبيل الإنكار على من قال:( لا تكتبوا) ، قال القرطبي في شرح مسلم بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في التبليغ في كل أحواله، وتَقَرُرِ ذلك عند الصحابة: «وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم (أهجر)، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف أتظن أنه قال: هذيانا، فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه». انظر المفهم 4/559.
قلت: وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على الرسول صلى الله عليه وسلم حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك فيه المخالف، وبه تبطل دعوى الرافضي من أصلها.
ثالثاً : على فرض صحة رواية (هجر) من غير استفهام، فلا مطعن فيها على قائلها، لأن الهجر في اللغة يأتي على قسمين:
قسم لا نزاع في عروضه للأنبياء ، وهو عدم تبيين الكلام لبحّة الصوت، وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة،
وقسم آخر: وهو جريان الكلام غير المنتظم، أو المخالف للمقصود على اللسان لعارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر.
وهذا القسم محل اختلاف بين العلماء في عروضه للأنبياء، فلعل القائل هنا أراد القسم الأول ، وهو أنا لم نفهم كلامه بسبب ضعف ناطقته ،ويدل على هذا قوله بعد ذلك ( استفهموه ).
رابعاً : يحتمل أن تكون هذه اللفظة صدرت عن قائلهاعن دَهَشٍ وحَيْرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم،والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبي صلى الله عليه وسلم قاله القرطبي
قلت: وعلى هذا فقائلها معذور أياً كان معناها، فإن الرجل يعذر بإغلاق الفكر والعقل، إما لشدة فرح أو حزن، كما في قصة الرجل الذي فقد دابته ثم وجدها بعد يأس فقال: ( اللهم أنت عبدي، وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح )
خامساً : هذه اللفظة صدرت بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه، فلم ينكروا على قائلها، ولم يؤثموه، فدل على أنه معذور على كل حال.
المصدر...
اثبت وجودك
..
تقرأ وترحل شارك معنا برد أو بموضوع
|