ما أشبه اليوم بالأمس
د. سلمى هوساوي
كلية الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض
تعتبر الجزيرة العربية موطن العرب، ومهد أمجادهم، ففيها ازدهرت حضارتهم، ومنها توجَّه أبناؤهم حاملين مشعل الحضارة إلى كافة الأقطار المجاورة، ولقد دافع العرب قبل الإسلام عن جزيرتهم دفاعًا شديدًا ضد الأعداء الطامعين، فقد قاوَموا الفرس والروم والأحباش؛ حيث إن بلاد العرب قبل الإسلام كانت محصورة بين أكبر دولتين في العالم في ذلك العصر، وهما: دولة الفرس في الشرق، ودولة الروم في الغرب، وكانت هاتان الدولتان تتحكمان في مصير العالم في عصر ما قبل الإسلام، وتتنازعان السيادة عليه.
وعلاقة الفرس بالعرب تعود إلى عصور مبكرة، منذ سيطرة الفرس على دولة المناذرة العربية، والتي تقع على حدود الجزيرة العربية مما يلي العراق، والتي اتخذها الفرس درعًا واقيًا لهم من هجمات الرومان، والقبائل العربية، وأول صدام دار بين العرب والفرس كان في موقعة ذي قار عام 610م، تلك الموقعة التي انتهت بانتصار العرب، بعدما كانوا يحذرون الصدام مع الفرس، فكسرت هذه الموقعة هاجس الحذر والخوف في قلوب العرب؛ حيث تعتبر هذه المعركة بداية عهد جديد تَمثَّل في الوقوف في وجه الزحف الفارسي على جزيرة العرب، وهي التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: ((هذا أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، ونُصِرت عليهم بي)).
وكانت هذه المعركة في عهد كسرى أبرويز، واليوم نجد في عاصفة الحزم في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - التي بدأت 5/ 6/ 1436هـ - 26/ 3/ 2015م، وانتهت 21/ 4/ 2015م - تَكرارًا لِما فعله العرب قديمًا بوجه الفرس في موقعة ذي قار الشهيرة، التي فيها اتحد العرب من أجل إيقاف الزحف الفارسي على الجزيرة العربية، واليوم في اتحاد دول الخليج - باستثناء سلطنة عمان، والدول العربية الأخرى؛ مثل: مصر والمغرب والسودان والأردن إلى جانب باكستان - نرى ذي قار اليوم، ولكن في عصر آخر وتوقيت مختلف، إلا أن الهدف واحد، وهو الوقوف في وجه إيران ومحاولاتها المتكررة من أجل فرض سيطرتها الإقليمية على منطقة الخليج العربي وحدودها، بعدما سيطرت على العراق وسوريا من جهة الشمال، ومن أجل إحكام السيطرة حاولت إيران أيضًا السيطرة على منطقة الجنوب، إلا أن المملكة العربية السعودية وحلفاءها كانوا لها بالمرصاد، والشيء بالشيء يُذكر هنا، وهو ما فعلته دولة الفرس قديمًا حين سيطرت على دولة المناذرة على حدود بلاد الرافدين من أجل حماية مصالحها الشخصية.
وختامًا: نستطيع القول: إن عاصفة الحزم حقَّقت أهدافها وأوقفت الزحف الإيراني على منطقة الخليج العربي، كما حدث في موقعة ذي قار في العصور القديمة، عندما أوقف التحالف العربي تقدُّمَ الفرس داخل الجزيرة، ولم تتمكن إيران من السيطرة على جزيرة العرب قديمًا، ولن تستطيع اليوم كذلك، ولن تستطيع إلى الأبد!
المصدر...