![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
حرب الصورة صادق محمد مهيوب الهادي تعيشُ المجتمعات المسلمة في ظل العولمة والتغريب، وفي ظل هذا العصر -عصر الصورة كما يُقال- حرباً غير مُعلنة في إفساد المجتمعات، وبخاصة الشباب والشابات، والفتيان والفتيات، من خلال الصورة الموجَّهة والمتنوعة (الثابتة والمتحركة) بتفاصيلها، ودقتها، وإثارتها؛ إذ لا ينكر أهمية الصورة وتأثيرها إلا مكابر أو جاهل، فكثير من القيم الفاضلة يمكن أن تُبنى بواسطة الصورة، وكثير من القيم الفاسدة يمكن أن تُنشر من خلالها أيضاً، وكما قيل: ربُّ صورة أبلغ من ألف كلمة؛ لأنها تخاطب الوجدان والعاطفة قبل العقل، ثم تتكوَّن بعد ذلك بين تلك المشاهد والصور علاقات ذهنية، تُثير الغرائز، وتُحرك الشهوات، وتفسد الأخلاق، فالصورة أصبحت تتكلَّم، والمشاهد صارت تتحدَّث، ومعظمها للأسف اهتمت بالجانب السفلي الجنسي المادي في الإنسان، وأهملت الجانب العلوي الروحي منه، وهو العقل، والقيم المثلى العليا. ففي ظل هذا الكم من اللهو المحرم، الذي وسيلته الصورة، ومادته المرأة، من: "غناءٍ، ورقصٍ، وأفلامٍ ماجنة، ومسلسلات هابطة، وقنوات تافهة، واستار أكاديمي... إلخ", والتي انتشرت انتشاراً واسعاً، وتنوَّعت تنوعاً كبيراً، يُخشى أن تغرق المجتمعات في بحور الشهوات، ومستنقع اللذات, وبخاصة إذا قلَّ الناصحون، وعدم المـُنكِرون، وأَلِفَ الناس هذه المنكرات، وتكاثرت عليهم، واعتادوا سماعها، ورؤيتها، وقلَّ مُنكِروها. فلا بد على الدعاة والمصلحين والمحتسبين من جهود مبذولة، وأدوار فاعلة، في مواجهة ذلك؛ لكي نحفظ مجتمعاتنا وشبابنا، ونقي أنفسنا نزول العذاب والعقاب، أقول: لا بد لنا أمام هذا السيل الجارف من اللهو المحرم من وسائل، وخُطط لإزالته من المجتمعات المسلمة، أو التقليل منه، والحد من آثاره، وهذه بعض النقاط المقترحة في ذلك: •- عدم اليأس من إنكار هذه المنكرات وإن كثُرت وتكررت: على القائمين على أمر الحسبة، والدعاة إلى الله، وكل مسلم غيور على دينه، القيام بواجبه تجاه هذه المنكرات، بإنكارها، والسعي في تغييرها وإزالتها، أو التقليل منها، وعدم الاستسلام لها، والعجز أمامها، بل يجب دفعها ومدافعتها، بكل الوسائل المشروعة، وبالحكمة والموعظة الحسنة، مهما تكاثرت وتكررت؛ حتى لا تصير شيئاً مألوفاً، وواقعاً معتاداً، فتغرق المجتمعات في مستنقع اللهو الماجن، واللغو الباطل. ولا يسعهم السكوت عنها، ولا التساهل معها، ولا التسليم بالأمر الواقع؛ بحجة أنَّ البلاء قد عم وطم، بل الواجب الأخذ بالأسباب، ومدافعة المنكرات بقدر الطاقة، وقد وُجد من الصالحين من يتغاضى عن المنكرات، وهي تفعل بمرأى منه، ويسكت عنها رغم فظاعتها أحياناً؛ بحجة أنَّ الكلام صار غير مسموع، وأنَّ هذه المنكرات صارت في كل مكان، وهذا من الخطأ البين، والتقصير الواضح، فلا ينبغي السكوت إلا بعد استنفاذ السبل المتاحة، واستفراغ الطاقة، واستبراء الذمة؛ لأنَّ في السكوت مفاسد عظيمة، وآفات كبيرة؛ إذ إنَّ السكوت عنها مُؤذنٌ بتكاثرها، ومجاهرة الناس بها، وإلفهم لها، ويُوهِم إقرار الدعاة لها، والرضا بها.. إلى غير ذلك من المفاسد. •- تجديد وتوسيع الأساليب في إنكار هذه المنكرات: هذه المنكرات من أسهل المنكرات إنكاراً؛ وأصحابها أكثر الناس استجابة للنصح والوعظ؛ لأنَّ دافعها هو ميل النفس، وغلبة الشهوة، فإذا ذُكِّروا بالله ذَكَرَوا غالباً، وليست كالمنكرات التي تكون من قبل البدع والشبهات، فأصحابها يتميزون بالعناد والتكبر. ومما ينبغي في دعوة هؤلاء: الوعظ: ببيان مفاسد اللهو المحرم على القلب، وما فيه من تضييع للزمان، وإتعاب للأبدان، في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا، ولا في الآخرة. الكتابة: كتابة المنشورات التوعوية، والمطويات الإرشادية، التي تُبيِّن حُرمة مثل هذا المـُلهيات المحرمة، وبيان خطرها على دين المرء، وقلبه، وعقله، وأخلاقه، وتحث على الحفاظ على الأوقات، وإعمارها بالنافع المفيد، ووضعها في الأماكن العامة، والاستراحات، والملتقيات، والمقاهي، وعلى وسائل النقل العامة والخاصة. المتابعة الأسرية: على كل أبٍ، أو مسؤول أسرة، متابعة ما يُبث لها، ومراقبته، والنصح والإرشاد. على أصحاب الأعمال، والفنادق، والمطاعم.. وغيرها ضبط قنوات البث على ما يرضي الله تعالى، ومراقبتها ومتابعتها. •- شُغل أوقات الشباب بالمفيد والنافع: فأكثر الشباب هرولة نحو النظر المحرم، والسماع المحرم، والفعل المحرم، هو الفراغ، وصدق الشاعر إذ يقول: لقد هاج الفراغ عليه شغلاً *** وأسباب البلاء من الفراغ(1). فهكذا هي حالة النفوس الفارغة، لا يهمها إلا اللهو والتمتع، وقضاء شهواتها ولو بالحرام، ثم يتبع ذلك حسرة وندامة يوم القيامة، والمقصود: أنَّ القضاء على الفراغ والبطالة الذي يعيشه الناس، وبخاصة الشباب والشابات مما يبعدهم ذلك عن الاشتغال بما يضرهم من اللهو المحرم. •- بيان حدود اللهو المحرم، والمباح، وبيان ضوابط كل منهما؛ حتى لا يلتبس عليهم، فيقعوا فيما حرَّم الله تعالى، ويخرجوا عما حدَّه لهم في هذه المسألة، فاللهو لهوان: أ- مباح: وهو ما رخَّص الشارع به، على خلاف الأصل لعلةٍ، ففي العرس لإعلان النكاح، وفي العيد فرحاً بجائزة الله -عز وجل- لعباده على تمام العبادة، والحداء إنَّما يكون في السفر لأجل الحاجة إليه في السير في الليل؛ لطرد النعاس، واهتداء الإبل إلى الطريق بصوت الحادي، والارتجاز عند الضجر؛ لمزاولة الأعمال الشاقة: كالبناء.. ونحوه، وإنشاد الشعر المشتمل على مدح الإسلام، وذم الكفر، وهجاء الكفار إنما أبيح لنصرة الإسلام، والرد على أعدائه، وكل هذا إنما أبيح بصفةٍ مؤقتة، عند وجود داعيه، ولا فرق في هذه الحالة بين إنشاده، وسماعه، وإسماعه(2). وقد أخرج البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها-: "أنَّها زَفّت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((يا عائشة! ما كان معكم لهو؟ فإنَّ الأنصار يعجبهم اللهو))(3). وجاء عن عائشة –رضي الله عنها- أنَّها قالت: "فاقدرُوا قدرَ الجاريةِ الحديثةِ السنِّ الحريصةِ على اللهوِ"(4). وتعني نفسها، عندما كانت تنظر إلى الحبشة، وهم يلعبون في المسجد. ب- محرم: وهو أنواع وأشكال كثيرة، وضابطه: كل لهو مشتمل على معصية، أو ما يؤول إلى معصية، ويدخل في ذلك: "الغناء، والرقص، والمسلسلات، والأفلام الفاسدة، والصور الفاضحة.. وغيرها مما هو منتشر اليوم", فلا بد من بيان هذه الحدود، وهذه الضوابط، وخطورة ذلك على دين المسلم وأخلاقه؛ حتى يعرف الجاهل، ويتنبه الغافل. •- إيجاد البديل المباح النافع من اللهو: فالنفس إنْ لم تُشغل بالنافع انشغلت بالضار، وإن لم تُشغل بالخير انشغلت بالباطل، هكذا يقال وهو صحيح، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كان في البدعة من الخير فعوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان؛ إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه، وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به، بل الدين هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، فلا ينهى عن منكر إلا ويؤمر بمعروف يُغني عنه، كما يؤمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، وينهى عن عبادة ما سواه؛ إذ رأس الأمر شهادة أن لا إله إلا الله، والنفوس خلقت لتعمل لا لتترك، وإنما الترك مقصود لغيره، فإن لم يشتغل بعمل صالح، وإلا لم يترك العمل السيئ أو الناقص(5). والمقصود: أنَّ إيجاد البدائل الشرعية عن هذا اللهو المحرم، فيه مصالح عديدة: ففي ذلك مندوحة عن اللهو المحرم، وفيه إبعاد للناس عنه، وغنية لمن ابتلي بسماعه ومشاهدته. فيجب إنشاء قنوات متنوعة تهتم بميولات الشباب والشابات، وتقوم بتقديم برامج ترفيهية، وتسالي مباحة، وقصص نافعة، ومسابقات متنوعة، بشرط أن تكون مُوجَّهة وهادفة؛ بحيث تشغل الشباب عن هذا المستنقع العفن، والسيل الجارف من الملهيات. •- التذكير بالحياة الجادة التي كان عليها سلفنا الصالح: فحياة المسلم في طابعها العام تتسم بالجدية، وما الترويح إلا عامل مساعد للحياة الجادة والاستمرار فيها، فإذا تجاوز الترويح هذا الحد فشغل عن الجد فإنه يخرج إلى دائرة المكروه أو المحرم، بحسب نوع الجد الذي يشغل عنه. وشباب السلف الصالح قدوة مثلى في ذلك، فهذا السن هو سن الطاقات المتفجرة، سن الإبداع البناء، ولقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة في مختلف ميادين الدعوة والتضحية والعلم والجهاد، ولما يبلغوا سن العشرين، بل كان بعضهم لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره. كانوا فتياناً بعمر الورود عندما تحملوا العذاب والاضطهاد في سبيل عقيدتهم في جنبات مكة المكرمة، منهم: مصعب بن عمير، والزبير بن العوام، وطلحة الخير، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهم جميعاً-، فقد تحملوا الجوع والعطش، وهم محاصرون في شِعب أبي طالب، حتى جهدوا، فكانوا يأكلون ورق الشجر، ولم يتجاوزوا سن الخامسة عشرة من أعمارهم، أما آل ياسر، وبلال بن رباح، وخباب بن الأرت، -رضي الله عنهم- فقد لاقوا من العذاب ألواناً، وهم صابرون لا يغير ذلك من دينهم شيئاً، فالتربية المتوازنة تحت مظلة العقيدة قد حوّلت صغار الشباب أولئك إلى مجاهدين بررة، بل إلى قادة للجيوش الإسلامية، تنشر التوحيد في ربوع الأرض، كان صغار الشباب في فجر الدعوة يتسابقون إلى ساحات الجهاد كما يتسابق شباب اليوم إلى ساحات الملاعب، وأماكن اللهو والترفيه، وهل سُمع بشباب يبكون؛ لأنهم رُدّوا عن ساحات المعارك، ولمّا يبلغوا الحلم بعدُ؟! وهل تُغلب أمة هذا شأن صغارها، فما بالك بكبارها؟! أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع(6). فهذه هي تربية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه –رضي الله عنهم-، وهذا ما ينبغي أن نسعى إلى تحقيقه تربيةً واقتداءً، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت كفاءات قيادية نادرة، سيّروا الجيوش المجاهدة، ومن هؤلاء: علي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد –رضي الله عنهم-، ومن سار على نهجهم كمحمد بن القاسم الثقفي(7). •- التذكير بالغاية التي خلق لأجلها الإنسان: لم يخُلق المسلم للهو واللعب، فحياته غالية وثمينة، والعمر يمضي ولا يعود، فلا بد من الاشتغال بما خُلق له من العبادة والطاعة، وإعمار الأرض، فتذكير الناس بذلك, وطَرْق هذه الموضوعات، في كثير من الوسائل الدعوية، يجعل الكثير من الناس ينتبه ويرجع، ويدرك أنَّه قد أضاع وقته، وأغضب ربه، وغرق في سبات من الغفلة. •- التذكير بمفاسد هذا النوع من اللهو على القلوب والعقول: الإنسان العاقل غالباً إذا عرف مفاسد وأضرار الأمور تجنبها، وحذر منها، وابتعد عنها، وخاف منها؛ فلا بد من بيان مفاسد هذا اللهو الذي حرمه الله تعالى, وتذكير الناس بخطره وأثره على القلوب والعقول والنفوس في العاجل والآجل. فمن أعظم مفاسدها: أنَّها مُغضِبة للرحمن، مُفسِدة للعقول والقلوب، مُنبتة للنفاق في القلب، داعيةٌ للزنا والعشق، مُفسدةٌ للأخلاق، قاتلةٌ للأوقات، مُذهِبة للرجولة والمروءة، وقادحة في آداب العبودية، ناقضة لعرى الخضوع والافتقار، مضادة لمعنى التدبر، بعيدة من الحق، قريبة من الباطل. •- الاهتمام بالجانب الروحي والإيماني عند الشباب والشابات وعامة الناس: الإيمان هو الرادع للناس من الوقوع في براثن اللهو المحرم، فينبغي تقوية الإيمان في النفوس، وإحياؤه عن طريق التوعية الإيمانية، والتربية الروحية. وتربية الناس على معالم الرقابة الذاتية، وتقوى الله في السر والعلن، وكما قال أحد المفكرين: حبَّذا أن نقدِّم في هذا الزمن التذكير بأهمية بناء المناعة على أسلوب المنع، وإشعار الناس بأهميَّة عبوديَّة المراقبة، فتربية النفس على صراع الشهوات، ومعاركة وسواس الشيطان سيجد صاحبها من خلال ذلك ألمًا وقسوة، إلاَّ إنَّها ستكون مرارة يعقبها لذَّة وارتياح بال، واطمئنان ضمير(8). •- تقديم النصح للقائمين على الإعلام ومؤسساته: لا بد من كل قادر مناصحة أصحاب القنوات، والمؤسسات الإعلامية الغارقة في اللهو والعبث، ببعث الرسائل الخاصَّة لأصحابها، ومموِّليها، وتذكيرهم بالله، وأهميَّة الرجوع للحق، وبيان خطورة هذه المنكرات في إفساد المجتمعات، باستخدام أسلوب الرفق واللين، فهو أحرى بهم، وأولى، وأنفع. فهذه بعض المقترحات والوسائل لمواجهة هذا المنكر العظيم، والبلاء الكبير، الذي ابتُليت به المجتمعات المسلمة، لعلَّ الله ينفع بها قارئها، وناقلها، والعامل بها، ونسأله سبحانه أن يرد المجتمعات الإسلامية إلى الدين رداً جميلاً، وأن يخلصها من شر هذه المنكرات والسيئات، إنَّه ولي ذلك، والقادر عليه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المصدر: موقع المحتسب. (1) البيت غير منسوب لقائل في التمثيل والمحاضرة (ص:399), وروض الأخيار (ص:387), والسحر الحلال في الحكم والأمثال (ص:81). (2) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد (ص:51) بتصرف. (3) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة (7/ 22-5162). (4) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب نظر المرأة إلى الحبش.. ونحوهم من غير ريبة (7/ 38-5236). (5) اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 616-617). (6) البيت للفرزدق في ديوانه، من قصيدة بعنوان: (منَّا الذي) ت: علي فاعور، دار الكتب العلمية بيروت لبنان (ط1)، (1987م) (ص:360). (7) مجلة البيان (22/ 128) بتصرف. (8) أرشيف منتدى الألوكة (2) (40188). المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|