![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
عن قتادة بن النعمان -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-:
( إذا أحب الله عبدا، حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء ) وقال تعالى: {فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ، أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:54-56] أي أيحسبون يا محمد أن الذي نعطيهم في الدنيا من المال والأولاد هو ثواب لهم، إنما هو استدراج وإملاء، ليس إسراعا في الخيرات. وقال أيضا: {وَقَالَ الْمَلأ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاء الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُون} [المؤمنون:33] .. {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي وسعنا عليهم نعم الدنيا حتى بطروا. والترف يفسد الفطرة ويغلظ المشاعر ويسد المنافذ ويفقد القلوب تلك الحساسية المرهفة التي تتلقى وتتأثر وتستجيب (8) قال ابن الجوزي: أشد الناس جهلا منهوم باللذات، واللذات على ضربين: مباحة ومحظورة، فالمباحة لا يكاد يحصل منها شيء إلا بضياع ما هو مهم من الدين، فإذا حصلت منها حبة قارنها قنطار من الهم، ثم لا تكاد تصفو في نفسها بل مكدراتها ألوف، فإذا صور عدمها بعد انقضائها وبقاء هذه الألوف المكدرة صار التصوير مغلصما [ أي مشدودا ] للهوى مجرئا [ أي محزنا ] للنفس، فإذا أنفت أنفت من الأسف على الدوام ما لا تحويه صفة، فهي تغر الغمر [ أي الجاهل ] وتهدم العمر وتديم الأسى، ومع هذا فالمنهوم كلما عب من لذة طلب أختها، وقد عرف جناية الأولى وخيانتها، وهذا مرض العقل وداء الطبع فلا يزال هذا كذلك إلى أن يختطف بالموت، فيلقى على بساط ندم لا يستدرك، فالعجب ممن همته هكذا مع قصر العمر، ثم لا يهتم بآخرته التي لذتها سليمة من شامت، منزهة عن معائب، دائمة الأمد، باقية ببقاء الأبد، وإنما يحصل تقريب هذه بإبعاد تلك، وعمران هذه بتخريب تلك؟ فواعجبا لعاقل حصيف حسن التدبير فاته النظر في هذه الأحوال، وغفل عن التمييز بين هذين الأمرين، وإن كانت اللذة معصية انضم إلى ما ذكرناه عار الدنيا، والفضيحة بين الخلق، وعقوبة الحدود، وعقاب الآخرة، وغضب الحق سبحانه، بالله إن المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل، فذم ذلك لبيان الحزم، فكيف بالمحرمات التي هي غاية الرذائل ؟ (9) قال المناوي: ( إذا أحب الله عبداً حماه ) أي حفظه من متاع ( الدنيا ) أي حال بينه وبين نعيمها وشهواتها ووقاه أن يتلوث بزهرتها لئلا يمرض قلبه بها وبمحبتها وممارستها ويألفها ويكره الآخرة ( كما يحمي ) أي يمنع ( أحدكم سقيمه الماء ) أي شربه إذا كان يضره، وللماء حالة مشهورة في الحماية عند الأطباء، فهو جلّ اسمه يذود من أحبه عن الدنيا حتى لا يتدنس بها وبقذارتها ولا يشرق بغصصها، كيف وهي للكبار مؤذية وللعارفين شاغلة وللمريدين حائلة ولعامة المؤمنين قاطعة، والله تعالى لأوليائه ناصر، ولهم منها حافظ وإن أرادوها (10) وفي رواية لأحمد ( إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه ) قال المناوي: (إن اللّه تعالى ليحمي عبده المؤمن) من (الدنيا) أي يحفظه من مال الدنيا ومناصها ويبعده عما يضر بدينه منها (وهو يحبه) أي والحال أنه يحبه (كما تحمون مريضكم الطعام) أي من تناول الطعام (والشراب تخافون عليه) أي لكونكم تخافون عليه من تناول ما يؤذيه منها، أي والحال أنكم تخافون عليه من ذلك. وذلك لأنه سبحانه وتعالى خلق عباده على أوصاف شتى، فمنهم القوي والضعيف والوضيع والشريف، فمن علم من قلبه قوة على حمل أعباء الفقر - الذي هو أشد البلاء - وصبر على تجرع مرارته أفقره في الدنيا ليرفعه على الأغنياء في العقبى، ومن علم ضعفه وعدم احتماله وأن الفقر ينسيه ربه صرفه عنه لأنه لا يحب أن عبده ينساه أو ينظر إلى من سواه، فسبحان الحكيم العليم. قيل في الحكم: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع هو عين العطاء، متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره فهو في كل ذلك متعرف إليك ومقبل بوجود لطفه عليك إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن اللّه فيه. وقال الجيلاني: للنفس حالان ولا ثالث لهما: حال عافية، وحال بلاء. فإن كانت في بلاء فشأنها غالباً الجزع والشكوى والاعتراض والتهمة للّه بغير صبر ولا رضا ولا موافقة، بل محض سوء أدب، وشرك بالخلق والأسباب، وإن كانت في عافية ونعمة فالأشر والبطر واتباع الشهوات كلما نالت شهوة تبعت أخرى وتطلب أعلا منها وكلما أعطيت ما طلبت توقع صاحبها في تعب لا غاية له وشأنها إذا كانت بلاء لا تتمنى إلا كشفه وتنسى كل نعيم ولذة فإذا شفيت رجعت إلى رعونتها وأشرها وبطرها وإعراضها عن الطاعة وتنسى ما كانت فيه من البلاء فربما ردّت إلى ما كانت فيه من البلاء عقوبة وذلك رحمة من اللّه بها ليكفها عن المخالفة فالبلاء أولى بها ولو أنها لم ترجع لرذائلها لكنها جهلت فلم تعلم ما فيه صلاحها (11) وقال ابن الجوزي: تفكرت في قول شيبان الراعي (12) لسفيان: "يا سفيان عد منع الله إياك عطاء منه لك، فإنه لم يمنعك بخلا، إنما منعك لطفا". فرأيته كلام من قد عرف الحقائق، فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له، لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه، إما بحفظهن أو بالكسب عليهن، فإن قوى عشقه لهن ضاع عمره وانقلب هم الآخرة إلى اهتمام بهن، فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر، وإن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه، وإن أردن الوطء وهو عاجز فربما أهلكته أو فجرن، وإن مات معشوقه هلك هو أسفا، فالذي يطلب الفائق يطلب سكينا لذبحه وما يعلم، وكذلك إنفاذ قدر القوت فإنه نعمة وفي الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) (13) ومتى كثر تشتت الهمم، فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال (14) الهوامش (8) الظلال ص 2467 (9) صيد الخاطر – ابن الجوزي فصل 258 ص 366 (10) فيض القدير – المناوي 2/415 بتصرف يسير (11) المصدر السابق (12) هو المنيب الواعي، شيبان أبو محمد الراعي، كان في العبادة فائقا وبالتوكل على ربه واثقا، قال ابن الجوزي في (صفة الصفوة ) كان شيبان إذا أجنب وليس عنده ماء دعا ربه فجاءت سحابة فأظلته فاغتسل منها [ انظر ترجمته في حلية الأولياء 8/317 وصفة الصفوة 4/306] (13) رواه البخاري في الرقاق 11/646 فتح، ومسلم في كتاب الزكاة من حديث أبي هريرة (14) صيد الخاطر – ابن الجوزي فصل 233 ص 334 جمع وترتيب د/ خالد سعد النجار alnaggar66@hotmail.com المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|