![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
رب يسر وأعن
مثل تراث الإمام الترمذي –رحمه الله- مخزونا حديثيا مهما, شأنه في ذلك شأن أئمة الحديث في وقته, إلا أنه تميز بضبط المصطلحات الحديثية من خلال : كثرة استعمالها خصوصا في كتابه الجامع, حيث كان يعقب على كل حديث ببيان حكمه, مما يوضح سياق المصطلح ويعين على فهم معناه, ومن ذلك أيضا توضيحه لمعنى بعض هذه المصطلحات كما فعل بمصطلح الحسن, كما تميز بأنواع من المصطلحات لم تشتهر قبله؛ كالمصطلح المركب وكثرة استعمال الحديث الحسن حتى عرف به, ولما كان المصطلح من حيث هو مشكلا في أصل وضعه, حيث يختزل الاختلاف في أبواب العلم في مضامينه, كان للمصطلح الحديثي نصيبا من هذا الاستشكال, ومن نظر في كتب علوم الحديث ومصطلحه رأى صدق ذلك, حيث اشتملت أبوابها على تعداد أقوال أهل العلم في كل مصطلح من المصطلحات, ومالهم في ذلك من مذاهب تتفق أحيانا وتختلف في أخرى, إلا أن الخلاف بينهم كان قريبا رغم تعدد أقوالهم كاختلافهم في مصطلح الإمام الترمذي :" حسن صحيح ", مثلا, ومحل القرب في الاختلاف يتمثل في مراعاة مقاصد علم الحديث, وتأتي الإشارة لمثل هذا تنبيها لأنواع من الاختلاف لم تكن معهودة سابقا مع ما جرى من أيام وليالي, وليس هذا استباقا لنتيجة البحث بقدر ما هو إشارة لطروء أدوات بحثية جديدة تحتاج إلى بيان وتنبيه, وبالعودة إلى مصطلحات الإمام الترمذي -رحمه الله- فمن أشهر المصطلحات التي حصل حولها الخلاف هو مصطلح :" الحسن" مفردا ومركبا, وإن كان في المركب أكثر لتعدد الاحتمالات الواردة عليه, إلا أن المفرد ورد عليه إشكالات تتعلق بالمعنى والتأريخ جعلت منه محل دراسة وبحث, من ذلك : مَن أول من أطلقه , هل هو الترمذي أم أنه سُبق بهذا ؟ وهل هو قسيم للصحيح ؟ أم أنه يساوي الضعيف المنجبر ؟ وكل هذا مشهور معروف عند أهل العلم, وإنما سيكون كلامي في هذه العجالة عن مسألة أخرى يعد الكلام فيها حادثا, وهي : هل مصطلح الحسن عند الترمذي مصطلح وصفي أم نقدي ؟ وهذا الاختلاف بدأ ينتشر مؤخرا مما احتاج إلى نقاش وبيان . أول ما يبتدأ به في هذا المقام : بيان معنى كون المصطلح وصفيا لا نقديا, فأول معنى يتبادر إلى الذهن أنه مصطلح لا يتضمن حكما على الحديث, وهذا المقدار هو الظاهر في كلام من يطلق مثل هذا الوصف, والخلاف في تقويم هذا المصطلح بنيت عليه أحكام ونتائج وليتضح هذا الأمر أُقدم بمقدمات على النحو الآتي : المقدمة الأولى : خصوصية علم الحديث : يعد علم الحديث من العلوم النسقية ذات البعد القاعدي, وهو في الجملة ذو طابع نقدي, وهو وإن تميز بجملة ميزات كالواقعية في التعامل مع السنة, إلا أن أهم خصوصية له هي تمييز السنة وبيان مراتب ودرجات الأحاديث, وهذا هو معنى النقد, وقد ظهرت هذه الخصيصة في أصوله وقواعده, كما ظهرت في أدواته, من ذلك المصطلحات, وهي وإن تعددت استعمالاتها, إلا أن البعد النقدي فيها هو الأظهر, وهذا الذي يتناسب مع طبيعة علم الحديث, وهذا يقال في كل مصطلحات علم الحديث بلا استثناء, وهذا الأمر لا يختص بعلم الحديث بل كل العلوم هي بهذه المثابة, فقواعدها وأصولها وأدواتها بما في ذلك المصطلحات هي محققة لخصوصية العلم الذي هي جزء منه, يوضحه : المقدمة الثانية : مكونات المصطلح الحديثي : ذكرت في مقالي :" فقه المصطلح الحديثي " وقبل ذلك في رسالتي :" نظرية الاصطلاح عند المحدثين " أن للمصطلح الحديثي مكونات تمثل مضمونه, وهي على النحو الآتي : المكون اللغوي : يظهر اثر اللغة في المصطلح من جهتين, الأولى : أصل المعنى, فهناك علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي, والثانية : من جهة جريه على عادة العرب في التعبير, وقد تقرر أن الألفاظ قوالب المعاني. القصد إلى الحكم : بمعنى بيان الدرجة الحكمية للحديث, وهو من المقاصد المهمة التي وضع لأجلها المصطلح الحديثي, فهي قنطرة العمل بالحديث, حيث يعرف بها الحديث هل هو صحيح أو حسن أو ضعيف. نوع الضعف : فالضعف المتعلق بالحديث على أنواع, منها ما يتعلق بالإسناد, ومنها ما يتعلق بالمتن, والتمييز بين هذه الأنواع مما يعين على دقة التعامل مع الحديث. درجة الضعف : وهو فرع لما تقدم من المكونات المصطلح, وهنا تظهر دقة أهل الحديث في التعامل مع الأحاديث من خلال منظومتهم المعرفية, وقد تقرر أن الأحاديث تتفاوت درجاتها, ولكل درجة حكمها الخاص بها, والذي يوصل لهذا الحكم هو المصطلح, وهذه الدقة تظهر في تمييز الأحاديث, كما تظهر في ترتيب الأدلة والترجيح بينها. ما تقدم في المقدمتين السابقتين يوضح ظهور البعد النقدي في علم الحديث ومصطلحاته, وهذا كما تقدم هو الذي يتناسب مع طبيعة علم الحديث, ولتوضيح هذا الأمر أذكر مثالا واحدا لبيان البعد النقدي في المصطلحات الحديثية, من ذلك : ما يعرف بصيغ السماع : سمعت, حدثني, وحدثنا, أخبرني وأخبرنا.. وغيرها من صيغ الأداء ومصطلحاته, فهذه المصطلحات أول ما توقف الناظر على صفة الإسناد وحاله, وهل هو متصل أو منقطع ؟ وهل سمع الراوي ممن روى عنه أم لا ؟ وكيف كان هذا السماع وعلى أي صفة ؟ وبعض هذه المصطلحات يبعث الباحث على التحري في حالة الراوي وهل هو مدلس ؟ ومن أي طبقات المدلسين ؟ وكل هذه المعاني هي معاني نقدية توصل الناظر إلى الحكم على الحديث إذا انضمت إلى غيرها, وفي معانيها تكلم أهل العلم في كتب علوم الحديث ومصطلحه, والمقصود بيان أن القول بأن مصطلحا من المصطلحات الحديثية ذو طابع وصفي لا نقدي هو قول لا أساس ولا يعرف. تعريف الحسن عند الإمام الترمذي وبيان المعنى النقدي فيه : قال الإمام الترمذي –رحمه الله- :" وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن, فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا, كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب, ولا يكون الحديث شاذا, ويروى من غير وجه نحو ذلك "( العلل الصغير 559\5). جعل الإمام الترمذي الحديث الحسن مكونا من ثلاث جمل, وإن شئت قل شروطا للحديث الحسن, وهي على النحو الآتي : أولا : كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب : وهذا الشرط كما هو ظاهر يتعلق بالإسناد, حيث يتكلم عن أحوال الرجال ودرجاتهم, ومراده بذلك الإشارة إلى أصناف الرواة وما يدخل في وصف الحسن عنده وما لا يدخل, وفي هذا المعنى يدخل أنواع كثيرة من الرواة ممن هم فوق المتهم بالكذب, كما يخرج أصناف من الرواة ابتداء من المتهم ثم من دونه كالكذاب والوضاع, أو من يساويه كمنكر الحديث ونحوه, وهذا المعنى الذي تضمنه هذا الشرط لا شك أنه معنى نقديا, وإن كان لا يختص بهذا النوع من الحديث بل هو شرط في كل حديث, وإنما الاختلاف في درجات الرجال وأحوالهم, وهذا المعنى النقدي هو الأساس الأول الذي ينبني عليه الحكم على الحديث. الثاني : ولا يكون شاذا : ونفي الشذوذ يراد به ما قرره ابن رجب –رحمه الله- وكثير من علماء الحديث : أن لا يروي الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم, ولو تجاوزنا الخلاف في تفسير هذا الشرط, إلا أن المعنى النقدي فيه ظاهر, حيث تخرج به أصناف من الأحاديث المخالفة, وهذا هو معنى التمييز. الثالث : ويروى من غير وجه نحوه : وهو متعلق بمعنى الحديث, حيث يشترط في الحسن عند الترمذي أن يروى نحو معناه من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير ذلك الإسناد, وقد أشار ابن رجب إلى احتمال دخول غير المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى, وهذا الشرط وإن كان يضعف فيه المعنى النقدي مقارنة بما سبق من شروط إلا أنه لا يخلو منه, فهو يعزز احتمال إصابة الراوي فيما رواه, وهذا له أثر في الحكم على الراوي ابتداء ثم حديثه ثانيا. إذن, هذه هي شروط الحديث الحسن عند الإمام الترمذي, وهي جوهر كتابه وعليه عمدة أحاديث الكتاب, وقد أوضحت باختصار المعاني النقدية فيها, وما ذكرته هنا هو الذي قرره أهل العلم في كتبهم بلا خلاف بينهم, ولكن يبقى لنا النظر في سياق الخطأ في تفسير مصطلح الحسن وإطلاق أنه مصطلح وصفي لا نقدي, والذي يظهر أن ثمة أسبابا أوجبت هذا الخطأ, منها : عدم الانضباط بقواعد علم الحديث ومصطلحه, واعتماد الجانب التطبيقي في تقرير القواعد, وقد أوضحت جانبا من هذا في مقالي :" هل في علم الحديث قواعد ؟ ", إلا أني في هذا المقام سأقف مع سبب واحد وهو التفريق المتكلف بين ما يسمى بالصنعة النقدية والصنعة الاحتجاجية !! فالكلام هنا عن البعد النقدي وحضوره في هذا النوع من الأحاديث لا عن تفاوت درجات الأحاديث, والاختلاف بين ما يصح بمفرده دون عاضد وبين ما لا يصح إلا بعاضد, وما يترتب على كل واحد منها من أحكام, كما أني لا أنفي بالجملة الاختلاف بين المحدثين وبين نظر الفقهاء في هذا الباب, وبالعودة إلى التفريق المتكلف, فيظهر من خلال الآتي : أولا : عدم اعتبار تفاوت درجات الأحاديث التي تدخل في معنى ما ذكره الإمام الترمذي في تعريفه الحديث الحسن, فهي درجات متفاوتة وأنواع كثيرة, وهذا التفاوت والتمايز بين هذه الأنواع لا يكون إلا بمنظومة حديثية نقدية, والغريب أن من يصف مصطلح الحسن بأنه وصفي يرى أن الإمام الترمذي قد تبع الإمام الشافعي في تعامله مع الحديث المرسل, وقد فاتهم أن الإمام الشافعي سماه صحيحا بشروط ذكرها, فهل هذا مجرد وصف ؟! مع أن مصطلح الصحيح هو أقوى مصطلح حكمي يطلق على الأحاديث تمهيدا للعمل بها. ثانيا : أن مصطلح الحسن مصطلح حكمي من جهة التصنيف الموضوعي للمصطلحات الحديثية, والمصطلحات الحكمية ( صحيح, حسن, ضعيف), هي أرفع أنواع المصطلحات النقدية, وإنما يضعف البعد النقدي فيها في حالات قليلة, مثل أن تجتمع في مقام واحد, وهو ما يعرف بالمصطلح المركب؛ كجمع الترمذي بين الحسن والصحيح في سياق واحد, حيث يضعف المعنى النقدي فيه لحساب مصطلح الصحيح, وما عدا ذلك فتبقى المعاني النقدية هي الظاهرة في هذا النوع من المصطلحات؛ لأن أصل وصفها يتعلق بالحكم على الحديث وتميز درجته. ثالثا : نصب الخلاف بين ما يسمى بالصنعة النقدية والصنعة الاحتجاجية يوهم ابتداء أن الصنعة الاحتجاجية لا تعتمد الصنعة النقدية وأن أصل عملها خارج عن هذه الصنعة, ولو تجاوزنا أننا نتكلم عن صنيع إمام من أئمة الحديث وهو الإمام الترمذي –رحمه الله- للكلام عن الاختلاف بين المحدثين والفقهاء, وطريقة الفقهاء في بناء الحكم على الحديث, فهو وإن كان يختلف عن نظر المحدثين كما هو مقرر ( ينظر : رسالة القواعد والمسائل الحديثية المختلف فيها بين المحدثين وبعض الأصوليين ) إلا أن البعد النقدي حاضر فيه بطبيعة الحال, وهو ضرورة في بناء الحكم الفقهي, حيث يحتاج هذا إلى توسع في قبول الأحاديث للأخذ بالضعيف المنجبر, وهذا يتطلب إعمال مسألة التصحيح بالشواهد, وهذا يخرج أنواعا من الأحاديث كالشاذ والمنكر وما كان في معناها؛ ولذلك كان تعبير العلماء في هذا الباب أجود من مثل هذه العبارات الموهمة الحادثة, من ذلك قول الحافظ ابن رجب –رحمه الله- :" وأعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ, وكلام الفقهاء في هذا الباب, فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلا, وهو ليس بصحيح على طريقتهم ؛لانقطاعه وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث, فإذا عضد ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلا قوي الظن بصحة ما دل عليه, فاحتج به مع ما احتف به من القرائن. وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالشافعي وأحمد وغيرهما مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذ "( شرح العلل 544\1). إذن, الخلاف بين المحدثين والفقهاء لا يخرج صنيع الفقهاء في بناء الأحكام على الأحاديث عن المنهج النقدي ولو وصف بالتوسع, ولكن ثمة مسألة أخيرة أختم بها, وهي أن كل مصطلح من المصطلحات الحديثية لا يخلو من معنى الوصف والنقد, فهما مكونان رئيسان للمصطلح, والقول بأن ثمة مصطلحا وصفيا هكذا بإطلاق خطأ ناتج عن عدم العلم بطبيعة المصطلح الحديثي. والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ كتبه د.عصر بن محمد النصر. الباحث في علوم السنة النبوية والعلوم الفكربة. https://www.facebook.com/asur.naser المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|