![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
من أدب الحديث شكر الناس
فمن الشكر وفضيلته وأهميته بين الناس وحسن ثواب فاعله وردت العديد من الأحاديث النبوية التي تحض المسلم على الإتيان بهذا الخلق لا يفتر لسانه عنه وقد اقترن شكر الله بشكر الناس فعن أبي هريرة قال، قال رسول الله r: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"([1]). وكلمة الشكر ينبغي إتيانها حتى فيما يعتقد أن العمل فيه من الواجب فلا يستحق عليه شكرا أو كان عملاً بسيطًا أو ضئيلا فعن ابن عباس t قال: قال رسول الله r: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله U ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير"([2]). فالإنسان الذي يبخل بالشكر على من صنع معه معروفا حتى ولو بسيطا هو إنسان لا يشكر على المعروف الكبير أيضًا لمن أسداه إليه وما ذلك إلا لحماقته؛ لأن الشكر كما قال الباهلي: "الشكر زيادة في النعم وأمان من النقم". - وعن صور الشكر وكيف نشكر الناس؟ 1- مجازاة الآخر بمثل ما فعله معك؛ فإن لم تستطع فالدعاء له والثناء عليه هذا ما حضّ عليه الرسول r حين قال: "من اصطنع إليكم معروفًا فجازوه فإن عجزتم من مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد شكرتم فإن الله شاكر يحب الشاكرين"([3]). وعن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله r: "من أُوليَّ معروفًا فليكافئ به وإن لم يستطع فليذكره فإذا ذكره فقد شكر"([4]). وعن أن الثناء لصانع المعروف هو من فعل كرام الناس أنشد الحسين: وإذا ادخرت صنيعة تبقى بها 2- ليكن شكرك كشكر آل داود u:وإذا افتقرت فكــن لعرضك صائنًــا شكرًا فعند ذوي المكارم فادخر وعـلـى الخصاصة بـالقناعـة فاستتر([5]) "عن أبي ذر t قال: سمعت رسول الله r وهو يخطب فقرأ هذه الآية: ?اعملوا آل داود شكرًا وقليل من عبادي الشكور? [سبأ: 13] ثم قال رسول الله r: من أوتي ثلاثًا فقد أوتي مثل ما أوتي داود u: خشية الله في السر والعلانية والعدل في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى"([6]). 3- اشكر الآخر على نيته الطيبة نحوك وذلك حتى ولو لم يؤد إليك فعلاً تشكره عليه فمشاعره الطيبة التي أبداها نحوك تستحق منك أن تشكره عليها وقد روى ابن أبي الدنيا، عن عبيد الله بن محمد التيمي، قال: كان يقال من لم يشكر صاحبه على حسن النية لم يشكره على حسن الصنيعة وأنشد الحسين بن عبد الرحمن: ولو كنت أعرف فوق الشكر منزلة أعلى من الشكر عند الله في اليُمــن إذن منحتكها مـنـي مهـذبـة حذوي على حذو ما أوليت من حسن([7]) 4- انشر فضائله عليك فهذا من شكره فإذا كان شكر الناس هو شكر لله وإن من شكر الله تعداد نعمه علينا والتحدث بها، فكذلك أيضًا يكون شكرنا للآخرين من أهل الفضل ومما رواه الإمام أحمد من ذلك قصة الحريري حين قدم من سفر فأتاه إخوانه يسلمون عليه فجعل يخبرهم بما أبلاه الله في سفره مما يحب وصرف عنه ما يكره، وتكلم في ذلك وأحسن وأبلغ، وقال إنه كان يقال: إن من الشكر تعداد النعم"([8]). وهذا يعلمنا آداب الحديث عند قدومنا من السفر وأنه يجب أن يكون الحديث إيجابيًا يُذكر فيه كل ما لقيَّه الإنسان من الخير وليس العكس. - شكر الناس عند علماء الإسلام ونجد تأثر ابن حزم بأقوال الرسول r في الحض على فضيلة الشكر وكيفية إتيانها فيقول: "شكر المنعم فرض واجب وإنما ذلك: 1- بالمقارضة له (مجازاته) بمثل ما أحسن فأكثر. 2- ثم بالتهمم بأموره. 3- والتأتي بحسن الدفاع عنه. 4- ثم بالوفاء له حيًّا وميتًّا ولمن يتصل به من ساقة (تابعون) وأهل كذلك. 5- ثم بالتمادي على وده ونصيحته ونشر محاسنه بالصدق وطي مساويه مادمت حيًّا وتوريث ذلك عقبك وأهل ودك (أي أن تجعل أهلك يقتدون بك في هذا السلوك معه). وهذا المعنى أكد عليه ابن حزم بقوله " إذا أردنا شكر من له فضل علينا بالعمل الحثيث على الحيلولة بينه وبين الباطل حتى وإن لم يرق له ذلك فهذا أبلغ وأفضل شكر عملي نسديه له، وفي هذا يقول: "ومن حال بين المحسَن إليه وبين الباطل وأقامه على مُرِّ الحق فقد شكره حقًّا وأدى واجب حقه عليه مستوفي"([9]). ولعل تابعي جليل مثل سلمة بن دينار – وكان يُدعى أبا حازم- يعطينا معنى أرحب للشكر ووسائله التي يُؤدي بها بصورة عملية حين استعمال الحواس في كل ما هو خير " فحين قال له عبد الرحمن بن جرير: كثيرًا ما حضضتنا على الشكر يا أبا حازم فما حقيقة الشكر؟ فقال: لكل عضو من أعضائنا حق علينا من الشكر فقال عبد الرحمن: ما شكر العينين؟ فقال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنته وإن رأيت بهما شرًّا سترته، فقال عبد الرحمن: فما شكر الأذنين؟ فقال: إن سمعت بهما خيرًا وعيته وإن سمعت بهما شرًّا دفنته. فقال: عبد الرحمن فما شكر اليدين؟ فقال: أن لا تأخذ بهما ما ليس لك... ولا يَفُتك يا عبد الرحمن أن من يقصر شكره على لسانه ولا يشرك معه جميع أعضائه وجنانه (قلبه)... فمثله كمثل رجل له كساء غير أنه أخذ بطرفه ولم يلبسه؛ فإن ذلك لا يقيه من الحر ولا يصونه من البرد"([10]). كما أن ابن أبي الدنيا قد خصص بابًا كاملاً في كتابه "قضاء الحوائج" أسماه "في شكر الصنيعة" ذكر فيه: 1- أنه يجب على من أُديت له خدمة أو قُضيت له حاجة أن يشكر من أداها أو قضاها له لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله وعدم شكر الله جحود لنعمه وعطاياه. 2- كما ينبهنا إلى أن الشكر على القليل والكثير. 3- وأن حدوث الشكر قد يكون بمجرد ذكر النعمة أو قضاء الحاجة([11]). وفي حكم ابن عطاء الله "ما الشأن وجود الطلب إنما الشأن أن تُرزق حسن الأدب" وباعتقادي أنها تعني أنه ليس المقصود أن يحصل لك ما توده وتريده من شخص ما فتشكره على ذلك بل أن تظل محتفظًا بحسن خلقك معه حتى وإن لم يلب لك طلبك"، وكما قيل "ولا تذمنَّ أحدًا على ما لم يؤتك الله" لأنه في الحقيقة أن ما يحدث لنا من أمور مرغوبة هي بأمر الله ييسرها على يد عباده وما لم يرد الله فليس من الحكمة أن يُذم الناس على عدم فعله لنا . ويعلق الشيخ زروق على هذه الحكمة بقوله: "الأدب يختلف باختلاف الأقوال والأحوال لكنه يرجع لثلاثة: إقامة الفرائض – اتباع السنن – ومجاملة الخلق. كما قال صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن" وهذه هي الأصول التي من تركها حُرم الوصول([12]). * لماذا يجب شكر الناس؟ يجيب الشيخ زروق قائلاً: "إن كان شكر الخلائق واجبًا فمن حيث إنه مأمور به صار من شكر الله وسر وجوبه التحرر من رق إحسانهم والقيام بمجازاة امتنانهم فمجاز الشكر لمن له مجاز الإحسان وحقيقة الشكر لمن له حقيقة الفضل والامتنان"([13]). نلتمس الحل لهذه الإشكالية عند الشيخ محمد الغزالي عن طريق توضيح موقف الإسلام ومن واقع تجربته الشخصية في التعامل مع هؤلاء، فبالنسبة للجانب الأول: يقول الشيخ محمد الغزالي: "إن الإسلام مع توكيده لواجب الشكر وتحقيره لشأن الجاحدين يطلب من أولي الخير أن يجعلوا عملهم خالصًا لوجه الله وأن يبعدوا عن مقاصدهم كل دخل فإن غش النية يفسد العمل ويحبط الأجر والإسلام بما يفرضه على العمل من إخلاص يريد أن يحرر القلوب من قيود الأغراض وأن يعلقها بالكمال المطلق فهي تفعل الخير عن بواعث نقية أي عن حب مكين له ورغبة قوية في تحقيقه دون نظر إلى مدائح الناس أو تطلع إلى منزلة ما بينهم فلا تعوِّل على حمد أحد أو تقديره وكن كما وصف الله الأبرار من عباده: ?ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا? [الإنسان: 8- 9]. فليس المقصود أنهم يقولون ذلك بألسنتهم فذاك مستبعد لأنه قد يؤذي أصحاب الحاجات وإنما ذلك ترجمة لما في قلوبهم من نيات صافية ومشاعر نظيفة. وفي الحديث: "إن الله تبارك وتعالى يقول: أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي أيها الناس أخلصوا أعمالكم؛ فإن الله تبارك وتعالى لا يقبل من الأعمال إلا ما خَلُص له" ولا تقولوا هذه لله وللرحم؛ فإنها للرحم وليس لله منها شيء ولا تقولوا هذه لله ولوجوهكم؛ فإنها لوجوهكم وليس لله منها شيء"([14]). ثم يعلق الشيخ الغزالي على هذا الحديث، فيقول: "وهذا صحيح فأنت إذا قلت أفعل هذا لله ومن أجل خاطر فلان فالأغلب أنه من أجل هذا الخاطر العزيز وأن الله ليس له إلى جوار هذا الخاطر نصيب ولو كان له نصيب ما فإنه يرده؛ لأنه جلَّ شأنه لا يقبل العمل إلا خالصًا له وحده!! ومن ثم يجب علينا أن نتوجه بحركات قلوبنا وأيدينا لله رب العالمين لا ننتظر ثناءً ولا إعجابًا ولا بروزًا ولا ظهورًا ولا شكورًا... 2- خلاصة تجربة الشيخ الغزالي في التعامل مع الناس تتلاقى مع المفهوم الإسلامي الصحيح في التعامل مع هؤلاء الجاحدين والشيخ هنا يسوق لنا موقفه حتى ممن آذوه دون وجه حق فيقول: "إنني بعد ما بلوت الناس أجدني مضطرًا لأن أقول: محض عملك لله وانشد ثوابه وحده ولا تنتظر أن يشكرك أحد من الناس بل توقع أن يضيق الناس بك! وأن يحقدوا عليك وأن يبتغوا لك الريبة وينسوا الفضل، وأن يكونوا كما قال الشاعر: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحًا ليكرهني من شاء: أما أن تُختطف كتاباتي ويوضع عليها غير اسمي ثم يتواصى الحاقدون بالإرجاف علي وإظهاري للملأ كأني أنا الناقل عن غيري؟ فهذه هي الجريمة التي تطلق عقيرتي بالصياح ولا أقبل فيها هدنة ولكن لماذا بدت بي ثورة الغضب على هذا النحو؟ قلت لنفسي ألا تتعلمين الإخلاص لله من مسلك الإمام الشافعي الذي ملأ طباق الدنيا علمًا ثم قال: وددت لو نُشر هذا العلم دون أن يعرف صاحبه؟ فلأفترض أن سُحب النسيان غطت عليَّ فلم يعرف أحد من الخلق أني سبقت إلى كذا... أو برزت في كذا إن ذلك لا يضير امرءًا يقصد وجه الله فيما يكتب بل ربما كان ذلك أعون على تصحيح نيته وتنقية وجهته! وأخيرًا قررت أن أطوي هذه الصفحة سائلاً ربي أن يغفر لي ولمن جار علي أو استهان بي"([15]).جـهـلاً عـلـينـا وجبنا مـن عدوهمو عني وما سمعوا من صالح دفنوا لـبـئـست الخـلـتان الجهل والجـبن - لو علمت ثواب ما أعده الله للمحسنين من عباده لزهدت في مكافأة الناس لك فمن دلائل هذه المثوبة العظيمة على سبيل المثال لا الحصر عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله r "من أغاث لي ملهوفًا غفر الله له ثلاثًا وسبعين مغفرة واحدة منها صلاح أمره ودينه وثنتان وسبعون درجة في الآخرة"([16]). وقال عبد العزيز بن مروان: "عجب لمؤمن موقن بالله إن الله يرزقه ويؤمن أن الله يخلف عليه كيف يحبس ماله عن عظيم أجر أو حسن سماع، ففعل الخير لا يخلو من ثواب عظيم عند الله أو حسن الثناء فلماذا لا يفعله الإنسان إذًا؟"([17]). بل إنه كان يحض على أن من شكرك فعليك أن تقذف عليه من نعم الله عليك. ومما ذكره الإمام أحمد في هذا الصدد قيل: "مكتوب في الحكمة اشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك"([18]). ([1]) رواه الترمذي كتاب: البر و الصلة، باب: ما جاء في الشكر لمن أحسن إليك 4/339، والحديث حسن صحيح، جمع الجوامع للسيوطي ص2770. ([2]) جمع الجوامع ص2771، كتاب: الشكر لابن أبي الدنيا ص14. ([3]) رواه الطبراني. ([4]) رواه ابن أبي الدنيا كتاب: قضاء الحوائج من مجموعة الرسائل لابن أبي الدنيا. ([5]) رواه ابن أبي الدنيا كتاب: قضاء الحوائج من مجموعة الرسائل، ص102. ([6]) الكنز، 8/228. ([7]) مجموعة الرسائل، لابن أبي الدنيا، كتاب: قضاء الحوائج ص102. ([8]) الزهد، ص440. ([9]) الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ص250 وما بعدها. ([10]) صور من حياة التابعين، عبد الرحمن رأفت الباشا ص193- 194. ([11]) مجموعة الرسائل، لابن أبي الدنيا، كتاب: قضاء الحوائج، الباب الثالث، علم النفس في التراث الإسلامي عرض لهذا الكتاب، د/عبد اللطيف محمد خليفة،ج1 ص225. ([12]) حكم ابن عطاء الله، شرح الشيخ زروق: تحقيق/ د. عبد الحليم محمود، . محمد ابن الشريف ص290، 302 ([13]) حكم ابن عطاء الله، ص302 ([14]) رواه البيهقي. ([15]) جدد حياتك، محمد الغزالي ص105- 109 بتصرف. ([16]) رواه ابن أبي الدنيا، كتاب: قضاء الحوائج ص104 في كتاب: مجموعة الرسائل لابن أبي الدنيا وهناك المزيد من الأحاديث في هذا الصدد. ([17]) مجموعة الرسائل لابن أبي الدنيا ، ص106. ([18]) الزهد، ص440. المصدر: منتدى عدلات للوصول الينا ومتابعة كل جديداكتبي بمحرك البحث (منتدى عـدلات) او (3dlat) المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|