![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
استغلالُ المبتدِعة للمجاز
قراءة في البحث الماتع "المجاز من الإبداعِ إلى الابتداعِ" لفضيلة الشيخ الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعدُ: فقد وقَفْتُ على بحثٍ بعنوان: "المجاز مِن الإبداع إلى الابتداع"؛ لشيخنا اللغويِّ الأديبِ الدكتور عبد المحسن بن عبد العزيز العسكر؛ أيَّده الله، وهو منشورٌ في "مجلة الدراسات الإسلامية" الصادرة عن جامعة الملك سعود، سنة 1436هـ؛ فوجدتُّهُ اشتمَلَ على إبداع، وحسنِ ابتداع: أما الإبداعُ الذي فيه: فعرضُ ما تبنَّاه مثبتو المجاز ونافوه، مسائلَ ودلائلَ، مع الوقوفِ على لوازمِ كلا القولَيْنِ، والنظَرِ في سببِ الخلافِ و ثَمَرَتِه، وقد نثره الشيخ بفصيحِ عباراته، وبليغِ معانِيه وإشاراته. وأما حسنُ الابتداعِ: ففي حشدِ أقوى ما عند المتخاصِمَيْن؛ وافتراعِ وجوهٍ من النظَرِ لهما، قد تَشهَدُ لقولِهما، وقد غُفِلَ عن ذكرِها أو بيانِها وتحريرِها؛ بحيثُ يمكنُكَ أن تَعُدَّهُ أقوى ما في هذا البابِ؛ مما جادت به قرائحُ المجازيِّينَ المعاصِرِين؛ نظرًا وتحريرًا وجمعًا لأقوى الحُجَجِ؛ ولا أستثني حتى أبحاثَ الدكتور الأخرى في هذا المضمارِ. وَابْنُ اللَّبُونِ إِذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَنَاعِيسِ وقد وازَنَ الدكتور عبد المحسِن - أيَّده الله - فأوقَعَ المجازَ في اللغةِ والشرعِ، مع تبرئتِهِ مِن الاستغلالاتِ الباطِلة، والتوجيهاتِ المدخولة؛ ففوَّت على مُثبِتيهِ مِن أهلِ الأهواءِ على اختلافِ طوائفِهم: أغراضَهُمُ الفاسِدة، وحقَّق عند النافينَ مِن أهلِ السُّنَّةِ والأثرِ الأهدافَ الصحيحةَ، والمقاصدَ الحميدةَ التي تَغيَّوْها. وكانت وجهةُ الدكتور عبد المحسِن: ألَّا يصادِمَ حقًّا ثابِتًا عند هؤلاءِ أو هؤلاءِ؛ فلا يُعارِضَ ما أجمَعَ عليه أهلُ السُّنَّةِ مِن صحيحِ العقائِد، وكذلك ما تقرَّر عند علماءِ البيانِ والعربيَّةِ والتفسيرِ وغيرِهم مِن مستحسَنِ الأصولِ والقواعد؛ وجعَلَ الشيخُ على رأس ذلك شَطْرَ الحُسْنِ؛ وهو: أصلُ "المَجَاز". وقد ذكَرَ الشيخُ أنَّه أرادَ لبحثِهِ تحقيقَ هدَفَيْنِ: أحدُهما: بيانُ أصالةِ المجازِ، وأنه أسلوبٌ عربيٌّ معروفٌ في كلامِ العرَبِ قبلَ أن تُوجَدَ الفرقُ البدعيَّةُ والمذاهبُ الكلاميَّة. ثانيهما: إثباتُ أنَّ القولَ بالمجازِ أقوى في الردِّ على أهلِ البِدَعِ وإبطالِ دعاواهم مِن القولِ بنفيِه. وقد أطال في تحريرِ القولِ في هذَيْنِ الهدفَيْن؛ لكنِّي أقولُ: أرجو أن يَسمَحَ لي شيخُنا بكلمةٍ في هذَيْنِ الهدفَيْنِ؛ فإني معارِضٌ للأوَّل، مُقِرٌّ بالثاني بل مقرِّر له: أمَّا الهدَفُ الأوَّلُ: فمع ما سلَفَ ذكرُهُ مِن استحساني لبحثِ الشيخ؛ وقد قرأتُهُ مرَّات - فإني صامدٌ على قولِ شيخِ الإسلامِ ابن تيميَّة مِن إنكارِ المجازِ في كلامِ العرَبِ ونصوصِ الشرعِ، وأن ما صَحَّ من ذلك، فهو أسلوبٌ عربيٌّ جارٍ مجرى الحقيقة المجرَّدةِ أو الكنايةِ، وهو داخلٌ في التواطُؤِ العامِّ، أو في المشكِّكِ؛ وهو أقرَبُ؛ ونظريَّةُ القدرِ المشتَرَكِ أو التواطُؤِ: تُعَدُّ مِن أهمِّ الأصولِ التي جلَّى بها شيخُ الإسلامِ صحةَ فهمِ أئمَّةِ السلفِ والسنةِ لنصوصِ الأنبياءِ؛ وأنَّهم صاروا بذلك الأصلِ أولى الناسِ بالحقِّ الذي جاء به الأنبياءُ والمرسَلون؛ وهذه النظريَّةُ نظريةُ التواطُؤِ أو القَدْرِ المشتَرَك: هي عند شيخ الإسلامِ ابن تيميَّةَ بديلةٌ عن نظريَّةِ التأويلِ المجازيِّ، ونظريَّةِ المشتَرَكِ اللفظيِّ؛ وبها فسَّر شيخُ الإسلامِ معظَمَ مسائلِ الشرعِ التي تَرِدُ فيها الألفاظُ العامَّةُ، التي يُدَّعَى فيها المجازُ الفاسِدُ، أو المشتَرَكُ اللفظيُّ([1])؛ وكلُّه فاسِد([2])؛ ولهذا حديثٌ آخَرُ. وأما الهدَفُ الثاني: فإني أحمَدُ اللهَ الذي لا إلهَ إلا هو أنْ هدى شيخَنا إلى تحريرِ هذا الوجهِ مِن الحِجَاجِ والنَّظَر؛ وهو أنَّ القولَ بالمجازِ أقوى في الردِّ على أهلِ البِدَعِ وإبطالِ دعاواهم مِن القولِ بنفيِه؛ فقد جلَّى ذلك وأبانَ عنه، وسلَّط الضوءَ عليه؛ وإذا تحرَّر وتقرَّر، فقد صَحَّتْ مذاهبُ السلفِ؛ سواءٌ أنكَرْنا المجازَ أو أثبتناه؛ ولا ريبَ أنَّ إثباتَ صِحَّةِ مذاهبِ أهل الحقِّ مع التزامِ القولِ بالمجازِ ستغدو أقوى في المباحَثةِ والإلزام، وأمضى في المجادَلةِ والإفحام؛ وهذا يدُلُّكَ على أنَّ الحقَّ ثابتٌ على كلِّ تقدير. وقد كانت هذه الطريقةُ مِن أبرَزِ ما تحلَّى به شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة قدَّس الله رُوحه؛ فلَشَدَّما كان يُفحِمُ المبطِلَ بدليلِهِ، ويَرُدُّ عليه بحُجَّتِه؛ فيَقلِبُ عليه النقليَّات، وينقُضُ له العقليَّات، ويرمي الخصومَ - والحالةُ هذه - بالسفسَطةِ في العقل، والقرمطةِ في النقل؛ كما قال ابنُ القيِّم في وصفِه: وَمِنَ العَجَائِبِ أَنَّهُ بِسِلَاحِهِمْ أَرْدَاهُمُ تَحْتَ الحَضِيضِ الدَّانِي كَانَتْ نَوَاصِينَا بِأَيْدِيهِمْ فَمَا مِنَّا لَهُمْ إِلَّا أَسِيرٌ عَانِي فَغَدَتْ نَوَاصِيهِمْ بِأَيْدِينَا فَمَا يَلْقَوْنَنَا إِلَّا بِحَبْلِ أَمَانِي([3]) وعلى أنِّي لو أُعطِيتُ ناصيةَ القولِ، لجعَلْتُ إثباتَ المجازِ مقامًا مِن مقاماتِ المناظَرةِ مع أهلِ الباطلِ؛ على سبيلِ التنزُّلِ مع الخصمِ لمحاجَّتِهِ بتُرْسِه، ومخاطَبَتِهِ بلُغَتِه، وهذا ولا ريبَ أدعى للقَبُول، وأقطَعُ للنزاع؛ وهو الهدَفُ الثاني مِن أهدافِ البحثِ؛ فيما ذكَرَ الشيخُ عبد المحسِن؛ وهذا لا يلزمُ منه إثباتُ المجازِ في نفسِ الأمرِ ولا نفيُهُ. وحينئذٍ: فإذا قامت بيننا وبين مبتدِعٍ مناظَرةٌ في بابِ الأسماء والصفاتِ مثلًا، وادَّعى المجازَ والتأويلَ الفاسدَ لتصحيحِ دعواه -: فإنا نُقِيمَ البحثَ معه على مقاماتٍ خمسةٍ؛ على هذا النَّسَقِ: 1- مقامُ إنكارِ المجازِ في اللغةِ أصلًا؛ وهو اختيارُ شيخِ الإسلامِ وابنِ القيِّمِ ومَن وافَقاه أو وافَقَهما، وهو ما أشار إلى حَقِّيَّتِهِ العلَّامةُ الشِّنْقِيطيّ. 2- مقام الإقرارِ بالمجازِ في اللغة، وإنكارِهِ في النصوصِ الشرعيَّةِ جميعِها (خاصَّةً القرآن؛ كما قولُ داودَ الظاهِريِّ، وابنِهِ محمَّد، وابنِ القاصِّ مِن الشافعيَّة، وابنِ خُوَيْز مِنْداد مِن المالكيَّة، وابنِ حامد، وأبي الفضلِ التميميِّ، وأبي الحسَنِ الخَرَزيِّ مِن الحنابلة)([4]). 3- مقامُ الإقرارِ بالمجازِ في اللغةِ والنصوصِ الشرعيَّة، وإنكارِهِ في نصوصِ العقائدِ خاصَّة؛ وهو ما نصَرَهُ شيخُنا هنا، وأدارَ عليه هذا البحثَ الشائِق. 4- مقامُ الإقرارِ بالمجازِ في اللغة، والنصوصِ الشرعيَّة، ونصوصِ العقائد، وإنكارِهِ في نصوصِ الأسماءِ والصفات. 5- مقامُ الإقرارِ بالمجازِ في اللغة، والنصوصِ الشرعيَّة، ونصوصِ العقائد، وجميعِ نصوصِ الأسماءِ والصفاتِ؛ لكنْ على سبيلِ الكنايةِ، لا المجاز؛ ففي الكنايةِ: يرادُ المعنيانِ: الحقيقيُّ، والمجازيُّ الكنائيُّ؛ فالحقيقةُ فيها: ترادُ بالتَّبَعِ دليلًا، والمجازُ فيها: يرادُ بالأصالةِ مَسَاقًا، ويوجدُ هذا فاشيًا في تفسيراتِ السلفِ والأئمَّة، وفي شروحاتِهم؛ حيثُ يفسِّرون باللازم، دُونَ تعرُّضٍ منهم للملزومِ أو نفيِهِ، بل يسكُتُونَ عنه لوضوحِهِ؛ وهم لا يذكُرُونَ الواضحات، بل الخفايا الملتبِسات؛ فليس للمبطِلِ أن يقولَ: هذا تأويلٌ كتأويلنا، أو هذا تركٌ منهم للظاهِرِ كتَرْكِنا، بل ولا يُلزَمُ الأئمَّةُ بذلك؛ إذْ لا يُنسَبُ إلى ساكتٍ قولٌ؛ فضلًا عن أنَّ كثيرًا منهم صرَّح بإرادةِ هذه الملزوماتِ في مواضعَ أخرى؛ فإرادةُ اللازمِ لا تمنَعُ إرادةَ الملزوم؛ كيف وهما متلازِمان لا ينفكَّان([5]). وقد قرر شيخُنا عبد المحسِن هذا المقامَ في لفتةٍ بارِعة لم يُسبَقْ إلى تقريرِها فيما أَعلَم، في أثناءِ هذا البحث. ومثلُ ذلك يقالُ في مناظَرةِ مدَّعي المجازِ والتأويلِ الفاسدِ في جميعِ مسائلِ الدينِ عامَّة؛ في العقيدةِ والفقه، والسلوكِ والسياسة، والقصصِ، وسائرِ القضايا؛ فيساقُ هذا المساقَ مِن التدرُّج، ويُنحَى به هذا المنحى؛ وحينئذٍ: تبطُلُ دعاوى أهلِ الباطلِ والضلالِ، مهما ذهَبَ الذاهبُ في توجيهِها؛ فإنَّ الباطلَ فاسدٌ على كلِّ تقدير، والحقَّ ثابتٌ على كلِّ تقدير، والحمدُ للهِ الحقِّ ربِّ العالمين. هذا؛ وإنِّي أزعُمُ - مع الدكتور عبد المحسِنِ وسائرِ أهلِ السُّنَّةِ - أنَّ كلَّ المبطِلِينَ مِن جميعِ الفرقِ الضالَّةِ قد استغَلُّوا التأويلَ المجازيَّ في تأسيسِ مذاهبِهم العاطلة، وآرائِهم الفاسدة؛ استغلُّوه في جميع مسائلِ الدين، وفي جميعِ نصوصِ الشرعِ على اختلافِ اعتباراتها؛ وذلك دون مراعاة لضوابطِه المعتبَرَهْ، ولا شروطِه المقرَّرَهْ - على القول بوجودِهِ إقرارًا أو تنزُّلًا([6]) - فقد استعمله في باب الأسماء والصفات: الجهميَّةُ المعطِّلَة، والمشبِّهةُ الممثِّلَة، وفي باب الإيمان والأسماء والأحكام: المرجئة، والخوارج والمعتزِلَة، وفي باب الثواب والعقاب: الوَعْديَّة والوعيديَّة، وفي باب القضاء والقدر: القدريَّة والجبريَّة، وفي باب الصحابة وآل البيت: الروافض والنواصب؛ وكذلك استغلَّه الصوفيَّةُ خاصَّةً أصحابَ الحلولِ ووَحْدةِ الوجود، وكذا الفلاسفة؛ باطنيَّتُهم وقرامطَتُهم. وعلى الجُمْلة: فكلُّ صاحبِ انحرافٍ وبِدْعةٍ وهوًى جعَلَ المجازَ التأويليَّ سُلَّمَهُ إلى تأصيلِ مذهبِه؛ ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله، وهذا إذا أعوَزَهُ ردُّ النص، وأعجَزَهُ الطعنُ في ثبوتِه؛ وإليك شيئًا عن ذلك: - زعم الجهميَّة: الحقيقةَ في نصوص النفيِ والتنزيه، والمجازَ في نصوص الإثبات؛ لتعارُضِ دَلَالاتِ تلك النصوصِ عندَهم؛ فرجَّحوا بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا بينهما على القولِ بالحقيقةِ فيهما - ولو مع المعنى الكِنَائيِّ - كما فعَلَ أهلُ السنة. - وزعَمَ المشبِّهة: الحقيقةَ في نصوص الإثبات، والمجازَ في نصوص النفيِ والتنزيه؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا بينهما على القولِ بالحقيقةِ فيهما - ولو مع المعنى الكِنَائيِّ - كما فعَلَ أهلُ السنة. - وادَّعى المرجِئةُ: الحقيقةَ في نصوص أعمال القَلْب وأقواله، والمجازَ في نصوص أعمال الجوارحِ وأقوالها؛ لتعارُضِ دَلَالاتِ تلك النصوصِ عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وادَّعى الخوارج والمعتزِلة: الحقيقةَ في النصوصِ المفسِّقة لمرتكِب الكبيرة، والمجازَ في النصوصِ القاضية بإيمانه؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وقال الوعدية: بالحقيقةِ في نصوص الوَعْد والترغيب، والمجازَ في نصوص الوعيد والترهيب؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وقال الوعيدية: بالحقيقةِ في نصوص الوعيد والترهيب، والمجازَ في نصوص الوَعْد والترغيب؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فلم يَجمَعُوا بينهما، بل رجَّحوا بلا مرجِّح. - وذهب القدريَّة والمعتزِلة: إلى القولِ بالحقيقةِ في نصوص كَسْب العباد واختيارِهم لأفعالهم، والمجازِ في نصوصِ خلق الله لأفعال العباد؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وذهب الجبرية والأشاعرة: إلى القولِ بالحقيقةِ في نصوصِ خَلْق الله لأفعال العباد، والمجازِ في نصوص كَسْب العباد واختيارهم لأفعالهم؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وزعَمَ الروافض: الحقيقةَ في نصوص مَدْح آل البيت وتَزْكِيَتِهم، والمجازَ في النصوص القاضية بمَدْح عامَّة الصحابة وتعديلهم؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وزعَمَ النواصب: الحقيقةَ في نصوصِ مَدْح عامَّة الصحابة وتعديلهم، والمجازَ في النصوص الموجِبة لمَدْح آل البيت وتزكيتهم؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وتأبَّط غلاة الصوفيَّة أهل الحلول ووَحْدة الوجود: القولَ بالحقيقةِ في نصوص معيَّة الله وقُرْبِه مِن خَلْقه، والمجازِ في النصوصِ القاضيةِ بعُلُوِّهِ وبَيْنُونَتِه، وأزليَّته وأوَّليته؛ لتعارُضِ دَلَالات تلك النصوص عندَهم؛ فرجَّحوا بينهما بلا مرجِّح، ولم يَجمَعُوا. - وأخيرًا لا آخِرًا: زعَمَ الفلاسفة الباطنية: مجازيَّةَ جميع النصوص العلميَّة (أعني: نصوصَ المبدأ والمعاد، وهي: نصوصُ الإيمانِ بالله واليومِ الآخر)، وأنها لا حقيقة لها في الخارج؛ فما هي عندهم إلا مَحْضُ تَخْيِيلٍ مِن الله تعالى على عباده، وإنْ قال بعضُهم بحقيقةِ النصوص العمليَّة؛ كنصوص الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ونحو ذلك. وأما القرامِطة منهم: فقد ذهبوا إلى مجازيَّة جميع النصوص عِلْمِيِّها وعَمَلِيِّها؛ فتخبَّطوا في الأديانْ، وأحالوها عن مُرَاد الدَّيَّانْ؛ ومِن هنا قيل: «سَفْسَطةٌ في العقليَّاتْ، وقَرْمَطةٌ في النقليَّاتْ». فهؤلاء الباطنيَّة تتايَعُوا على تأويل النصوص الشرعيَّة المحكَمة: تأويلًا مجازيًّا باطنيًّا؛ وذلك لمعارَضَتها عندهم للقواطع العقليَّة؛ فرجَّحوا آراء أئمَّتهم مِن الفلاسفة المُلحِدِينْ، على ما أوحى به الله إلى أنبيائِهِ ورسلِهِ الأكرَمِينْ. وأمَّا أهل السنة والجماعة: فقد خالفوا هؤلاءِ كلَّهم في جميع هذه الأبواب وغيرِها - مِن قضايا العقائد والأحكام، والسلوك والسياسة - اتباعًا للرُّسُل الكرام؛ صلوات الله عليهم وسلامه؛ فقالوا بالحقيقة في جميع النصوص المحكَمة المعصومة الواردة في ذلك؛ اعتمادًا منهم على أمرَيْن: الأول: خُلُوُّ هذه النصوص في تلك الأبواب جميعِها مِن الضوابط المجوِّزة أو المُوجِبةِ للمجاز النافي للحقيقة. والثاني - وهو فرعٌ عن الأول -: إجماعُ الرُّسُلِ والأنبياء، ومَن بعدَهم أهلُ الحَقِّ أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ: على حمل تلك النصوص في هذه الأبواب جُمَع؛ على ظاهِرِها من الحقيقة، وإن دلَّت في بعض سياقاتها - مع دَلَالَتِها على الحقيقة - على معنًى مجازيٍّ كنائيٍّ؛ وهو المجاز غيرُ النافي للحقيقة؛ وهو المسمَّى لدى البلاغيِّين بالكِنَاية. ولعلَّ التحقيقَ أنْ يقال: إنَّ حقيقةَ قول أهل السنة - ومنهم الشيخان: ابن تيميَّة، وابن القيِّم - أنهم لا يُنكِرون محاسِنَ المجازات، ولطائفَ معانيه، ودقائقَ علاقاتِهِ ومناسَباته؛ بل يَشِيدُونها، ويَرفَعُون مَنارَها؛ لكنْ من مَهْيَعِ الكناية، لا مِن بابةِ المجاز. ومحصولُ ذلك: أن أهل الحق يُنكِرون المجاز النافي للحقيقة؛ لكنهم يُقِرُّون بما صحَّ مِن تلك المعاني المجازيَّة كلِّها؛ على سبيل الكناية المجامِعة للمعنى الحقيقي، وهو ما لفَتَ إليه الدكتور عبد المحسِن، ويُمكِن تسميتُه اصطلاحًا: بالمجاز غير النافي للحقيقة؛ نحوُ قول العرَبِ للرجل الكريم: «فلانٌ كثيرُ الرَّمَاد»؛ فالمراد مِن السياق: كَرَمُه؛ وهو المعنى المرادُ أصالةً للمتكلِّم، والمرادُ تبعًا: كثرةُ رماده؛ وهو دليلُ كَرَمِه؛ فإنه - والحالةُ هذه - لا يكون كريمًا دون ذلك بَتَّة؛ والمعنيان: الحقيقي، والمجازي الكنائي، ظاهِران من الكلام، ومرادان للمتكلِّم، وأحدُهما دليلٌ على الآخر، وشاهِدٌ عليه. ومِن ذلك: ما ورد عن السلف؛ في قوله تعالى عن سفينة نُوحٍ عليه السلام: {تجري بأعيننا} [القمر: 14]، قالوا: أي: بحِفْظِنا وكلاءتنا ورِعَايتنا، ومع ذلك احتجُّوا بهذه الآية على إثبات صفة العَيْنِ حقيقةً لله تعالى؛ وهذا حقيقةُ الكناية؛ وعلى ذلك فقِسْ، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّمت الإشارةُ إلى ما قرَّره الإمامُ ابن القيِّم في ذلك وحرَّره في "مختصر الصواعق" (الوجه السادسَ عشَرَ مِن الكلام على مثالِ اليَدِ؛ من الأمثلة التي ادُّعِيَ فيها المجاز)؛ فارجعْ إليه إنْ شئتَ. وأخيرًا: فإني أحسِبُ أنَّ هذا البحثَ سيسُدُّ ثُغْرةً في المنافَحةِ عن مذاهبِ أهلِ السُّنَّةِ والحديثِ؛ مِن جهةٍ تُسكِتُ المبطِل، وتُفحِمُ المبتدِع، وتُلزِمُ مَن أراد اللهُ أَوْبَتَه، وشاءَ هدايَتَه([7]). والحمدُ لله رب العالمين وصلَّى اللهُ على خيرِ البريَّة، وإمام البشريَّة، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن اتبَع وكتبه حسني بن أحمد حسانين الجهني ألهمه الله رُشْده الرياض 22 جمادى الآخرة 1437هـ ( ([1]انظر إنكارَ ابن تيميَّة للمشتَرَكِ اللفظيِّ في "مجموع الفتاوى" (20/438 فما بعدها؛ ضمن ردِّه المطوَّل على الآمدي في إثباتِ المجاز). ( ([2]فإنَّ محصول كلام شيخ الإسلام في هذا الباب: أنَّ المجازَ هو الركنُ الركينُ في تعطيلِ المؤوِّلةِ أهلِ التحريف، وأنَّ المشتَرَكَ اللفظيَّ هو عُمْدةُ تعطيلِ المفوِّضةِ أهلِ التجهيل؛ هؤلاء استغلُّوا المجاز، وأولئك امتَطَوُا الاشتراكَ اللفظيَّ؛ ومِن هذا وغيرِه أنكَرَ شيخُ الإسلامِ المجازَ والمشتَرَكَ اللفظيَّ رأسًا، وكان بديلُهُ في ذلك: المشتَرَكَ المعنويَّ، أو التواطُؤَ، أو المشكِّكَ؛ وقد سمَّاها بعضُهم: «نظريَّةَ القَدْرِ المشتَرَك»، وهي التي أقام عليها شيخ الإسلام بحوثَهُ وجدالَه وبراهينَه، في جميعِ وَقَعاته ونزالِهِ مع جميع الطوائف؛ بل ومع الفلاسفةِ والنصارى؛ وكتبُهُ شاهدة على ذلك. انظر: حقيقةَ انسحابِ هذه النظرية - أو هذا الأصلِ - على أكثَرِ نصوص الشريعةِ، بل جميعِها في هذا البابِ، في: أ- "نظريَّة القَدْر المشتَرَك وتقرير التواطؤ في الأسماء والصفات الإلهيَّة عند شيخ الإسلام ابن تيمية" لوليد بسيوني؛ رسالة دكتوراة (1428هـ). ب- "القَدْر المشتَرَك في معاني الصفات بين أهل السُّنَّة ومخالفيهم" لعبد الرحمن القصيِّر؛ رسالة ماجستير (1428هـ). ج- "نظرية القَدْر المشتَرَك عند شيخ الإسلام ابن تيميَّة، وأثَرُها في الإيمان بالغيب" لسامي السويلم (1416هـ). ( ([3]انظر قوله في قلب الأدلَّة في: "درء التعارض" (1/374)، وفيما نقله عنه تلميذُهُ ابن القيِّم في "حادي الأرواح" (2/618-619 ط. عالم الفوائد). وانظر البحثَ المفيد: "قلب الأدلَّة، على الطوائف المضلَّة" لتميم القاضي، وبحث: "تناقُض أهل الأهواء والبِدَع في العقيدة" لعفاف مختار. ( ([4] انظر: "مختصر الصواعق" (الوجه السادسَ عشَرَ مِن الكلام على مثالِ اليَدِ؛ من الأمثلة التي ادُّعِيَ فيها المجاز) (ص 958-966 ط. العلوي)؛ وقد حرَّر ذلك أيضًا شيخُنا البَرَّاك في بعضِ فتاواه، وقد أورَدَها الدكتور عبد المحسِن في بحثِهِ هذا؛ فأصاب. و«الخَرَزي»: كذا هو بالخاء في "طبقات الحنابلة" (3/301 ط. العثيمين)، ولعلَّ مِن جعَلَهُ: «الجَزَري» بالجيم، قد أخطأ. ( ([5]انظر: "مختصر الصواعق" (الوجه السادسَ عشَرَ مِن الكلام على مثالِ اليَدِ؛ من الأمثلة التي ادُّعِيَ فيها المجاز) (ص 958-966 ط. العلوي)؛ وقد حرَّر ذلك أيضًا شيخُنا البَرَّاك في بعضِ فتاواه، وقد أورَدَها الدكتور عبد المحسِن في بحثِهِ هذا؛ فأصاب. ( ([6]إقرارًا؛ كما هو مذهبُ شيخِنا عبد المحسِن، وتنزُّلًا؛ كما هو مذهبُ المتشبِّثِ بالإنكارِ، لكنَّه يتنزَّلُ في المناظَرةِ؛ ويلتزِمُ صحةَ مذاهبِ أهلِ السنةِ حتى على القولِ بالمجاز، وقد أعان الشيخُ على الاستطالةِ بهذا؛ فأُحِقَّ الحقُّ، وأُبطِلَ الباطل؛ ولله الحمد. ( ([7]بخلاف ما يظنُّه الظانُّ، ويحكيه الحاكي: أنَّ بحثَ الشيخِ مع أبحاثٍ له أُخَرَ: قد تُمكِنُ للمبتدِعةَ مِن رقابِ أهلِ السنة؛ يتناوَشُونَهُمْ ما شاؤوا، بإقرارِهِ المجازَ وجَدَلِهِ عنه؛ بل الواقعُ غيرُ ذلك؛ فإنَّ هذا البحثَ في أمثالٍ له: قد زادَ مِن إحكامِ قبضةِ أهلِ السُّنَّةِ على المبطِلِينَ مِن شتى الطوائفِ، وإحكامِ خناقِ الاستدلالِ عليهم، وقطعِ الطريقِ دونهم؛ فصار لا يَسَعُهم إلا المكابَرةُ وبهتُ الحقائق، أو الرَّجْعةُ والأَوْبةُ؛ ولو على مستوى الاستدلالِ فحسبُ! فقد رأيتُ - ورأى غيري - كثيرًا مِن المترسِّمينَ بالعلمِ ممَّن انتحَلَ مذاهبَ أهلِ السنةِ والجماعة، لا يَرَوْنَ سبيلًا لردِّ عاديةِ المبتدِعةِ على جميعِ الأصعِدةِ العلميَّة، إلا إنكارَ المجازِ جملةً، ويَرَوْنَ أن إثباتَ المجاز يقوِّي شوكةَ أهلِ الباطل، ويُضعِفُ مِن حجةِ أهلِ الحق، والحالُ على خلافِ ذلك، وعلى ضدِّ ما هنالِك؛ كما هو مضمونُ بحث الشيخ عبد المحسن؛ ولله الحمدُ في الأولى والآخرة! المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|