مختصر البداية والنهاية لابن كثير (سنة 211 - 215)
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=366347
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ
فِيهَا عَدَا مَلِكُ الرُّومِ - وَهُوَ تَوْفِيلُ بْنُ مِيخَائِيلَ - فَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِ طَرَسُوسَ ؛ نَحْوًا مِنْ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ إِنْسَانٍ , وَيُقَالُ : إِنَّهُ أَيْضًا كَتَبَ إِلَى الْمَأْمُونِ فَبَدَأَ بِنَفْسِهِ
فَلَمَّا قَرَأَ الْمَأْمُونُ كِتَابَهُ نَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ , فَرَكِبَ فِي الْجُيُوشِ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ , وَصُحْبَتُهُ أَخُوهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ الرَّشِيدِ نَائِبُ الشَّامِ وَمِصْرَ , فَافْتَتَحَ بُلْدَانًا كَثِيرَةً صُلْحًا وَعَنْوَةً , وَافْتَتَحَ أَخُوهُ ثَلَاثِينَ حِصْنًا
وَبَعَثَ الْمَأْمُونُ يَحْيَى بْنَ أَكْثَمَ فِي سَرِيَّةٍ إِلَى طُوَانَةَ , فَافْتَتَحَ بِلَادًا كَثِيرَةً , وَأَسَرَ خَلْقًا مِنَ الذَّرَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ , وَقَتَلَ خَلْقًا مِنْ الرُّومِ , وَحَرَقَ حُصُونًا عِدَّةً , ثُمَّ عَادَ سَالِمًا مُؤَيَّدًا إِلَى الْعَسْكَرِ .
وَأَقَامَ الْمَأْمُونُ بِبِلَادِ الرُّومِ مِنْ نِصْفِ جُمَادَى الْآخِرَةِ إِلَى نِصْفِ شَعْبَانَ , ثُمَّ عَادَ إِلَى دِمَشْقَ
وَقَدْ وَثَبَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ : عُبْدُوسٌ الْفِهْرِيُّ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ بِبِلَادِ مِصْرَ , فَتَغَلَّبَ عَلَى نُوَّابِ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ الرَّشِيدِ , وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ , وَاتَّبَعَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ
فَرَكِبَ الْمَأْمُونُ مِنْ دِمَشْقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ إِلَى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ , فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا سَنَذْكُرُهُ .
وَفِيهَا كَتَبَ الْمَأْمُونُ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ نَائِبِ بَغْدَادَ وَمَا وَالَاهَا مِنَ الْبِلَادِ , يَأْمُرُهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ
فَكَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بِهِ فِي جَامِعِ الْمَدِينَةِ وَالرُّصَافَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ , أَنَّهُمْ لَمَّا قَضَوُا الصَّلَاةَ , قَامَ النَّاسُ قِيَامًا فَكَبَّرُوا ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ , ثُمَّ اسْتَمَرُّوا عَلَى ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ
وَهَذِهِ بِدْعَةٌ أَحْدَثَهَا الْمَأْمُونُ بِلَا مُسْتَنَدٍ وَلَا دَلِيلٍ وَلَا مُعْتَمَدٍ , فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ قَبْلَهُ أَحَدٌ
وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ .
وَقَدِ اسْتَحَبَّ هَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ , كَابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ .
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ عَلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِهِ .
قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ الذِّكْرَ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ مَشْرُوعٌ , فَلَمَّا عُلِمَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلْجَهْرِ مَعْنًى .
وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِالْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّهَا سُنَّةٌ , وَلِهَذَا نَظَائِرُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا هَذِهِ الْبِدْعَةُ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمَأْمُونُ ؛ فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهَا أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ .
وَفِيهَا حَجَّ بِالنَّاسِ الَّذِي حَجَّ بِهِمْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
المصدر...