![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، أنت كما أثنيت على نفسك، سبحانك لا نحصي ثناء عليك.
ابتداءً أيها الأحبة أشكركم على هذه الدعوة المباركة ، أشكركم إخواني في الجمعية الأردنية للثقافة المجتمعية على هذه الدعوة المباركة, وكما أعلن أخي الشيخ الدكتور عصام -حفظه الله- أن موضوع هذه الندوة أو المحاضرة سيكون بإذن الله تعالى عن مسألة المتقدمين والمتأخرين، ولاحظوا أن العنوان جاء على سعته من غير تقييد ولا حدود ليكون الكلام فيه قدر من الشمول الذي تستوعبه مثل هذه الندوة في حدود الدقائق المفروضة بإذن الله. ابتداء, سأُقدّمُ ببعض التنبيهات : هذه الندوة ابتداء جاءت للإجابة عن سؤالٍ وَجَّهَهُ إلي بعض الإخوة (والسؤال هو) ما هي مسألة المتقدمين والمتأخرين؟ ثانيا: في هذه الندوة سأقدم رأيي فأنا الآن أتكلم على حسب ما أرى في هذه المسألة، وهذه المسألة كما تعلمون مسألة واسعة وفيها خلاف، والجدل فيها لا يكاد ينقطع، لأنّ المسألة فيها قدر ليس بالقليل من الاجتهاد، إذن فأنا أتكلم على حسب ما أراه، وكما ذكر أخي المقدِّم أنّ لي عددا من المقالات المتخصصة في هذه المسألة تصل إلى سبع أو ثمان مقالات منشورة على المواقع الالكترونية، وهذه المسألة هي جزء من بحثي في رسالة الدكتوراة الموسومة بـ( نظرية الاصطلاح عند المحدثين)، وقد تطرقت إلى هذه المسألة على أنها إشكالية من الإشكاليات العلمية التي تحتاج إلى بحث وإن كانت أخذتْ حيزا قليلا في الرسالة، لكن القصد أنها كانت من مواضيع الرسالة. التنبيه الأخير الذي أختم به هذه التنبيهات، أن مسألة المتقدمين والمتأخرين مسألة واسعة، ومن يتكلم فيها من أهل العلم والفضل من أهل الحديث ليسوا شيئا واحدا، بمعنى أنهم ليسوا على رأي واحد فيه، لا من الموافقين للمسألة المتحمسين لها- الذين يرون التفريق- ولا من المخالفين لهم، فلا الموافقون على رأيّ واحد فيها ولا المخالفون كذلك، فالمسألة واسعة، وهذا الاتساع له أسباب يعود إلى بنية المسألة العلمية، والإشكالية العلمية التي تبنى عليها المسألة واسعة قليلا، تفتقد في بعض الأحيان إلى كثيرٍ من الضبط كما سيأتي الإشارة إليها بعد قليل بإذن الله سبحانه وتعالى. أول ما أفتتحُ به الكلام عن هذه المسألة هو سؤال ما هي مسألة المتقدمين والمتأخرين؟ هل وقفتم سابقا كمتخصصين والإخوة الحاضرين كذلك ممن لهم اهتمام بالبحث العلمي, هل وقفتم على تعريف لهذه المسألة؟ فلو سألتكم الآن سؤالا ما هي مسألة المتقدمين والمتأخرين؟ هل وقفتم على تعريف لها؟ بطبيعة الحال لم تقفوا لها على تعريف، وأنا أتكلم بهذا جزما لأنّي مهتم بالقضيّة وعندي تقريبا جُلّ ما كُتب فيها، وأنا سأذكر لكم إن شاء الله بعض الكتب التي كتبت حول هذه المسألة. إذا نظرت في تاريخ هذه المسألة لا تجد لها تعريفا علميا، لكنّي سأذكر لكم الآن تعريفا وصفيا تقريبيا للمسألة يعطينا الجمل الأولى التي ندخل من خلالها إلى هذه المسألة، قلت في تعريفها: "هي إشكالية علمية حديثية، تقوم على تقويم التغيير الطارئ على علم الحديث، وتتخذ من المدرسة الحديثية في القرون الثلاثة الأولى متكأً لها". هذه الجمل الثلاث هي التي نستطيع من خلالها أن نتكلم وندخل إلى مسألة المتقدمين والمتأخرين، وسنقف بعد ذلك مع مرتكزات هذا التعريف. المرتكز الأول الذي يقوم عليه هذا التعريف هو الانطلاق من المدرسة الحديثية في القرون الثلاثة الأولى، الآن إذا قرأتم أو اطلعتم على مواقع التواصل وما يجري من خلاف ستجدون أنّ من الأدلة التي يطرقها من يتكلم في هذه المسألة أن يقول لك: أنا أرجِعُ في هذه المسألة إلى مدرسة السّلف، في بعض الأحيان يقال هكذا، وأحيانا يقال: أرجِعُ إلى مدرسة أهل الحديث الأولى, إذن فالمرتكز الأول لهذا التعريف هو الرجوع إلى مدرسة المتقدمين، وهذا المرتكز تطرأ عليه جملة من الإشكالات، من هذه الإشكالات ما هي حدود مدرسة المتقدمين؟ هل لمدرسة المتقدمين حدود؟ إذا كانت لها حدود فهل هي حدود زمنية أو منهجية؟ هذا يحتاج إلى إجابة ولذلك كما ذكرت لكم في التنبيهات قبل قليل ليس كل من قال بهذا التفريق يتفق على هذه الحدود، فمن أهل العلم من يرى أن حدود مدرسة المتقدمين يقف عند القرن الثالث مثلاً - أي المدرسة التي كانت في القرن الثالث-، ومنهم كما هو رأي الشيخ المليباري- وفقه الله- في كتاباته يرى أن مدرسة المتقدمين تصل إلى القرن الخامس، إذن من حيث الزمن هناك اختلاف هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا كان المرجع ليس هو الحدود الزمنية وإنما الحدود المنهجية فما هو المنهج الذي أحكم من خلاله على أن هذا العالم أو هذا التراث هو من تراث المتقدمين؟ - أي يسير على طريقتهم - أو من تراث المتأخرين؟ ولذلك مثلا ترى عند أهل العلم الذين يتبنون هذا التفريق تعظيما لبعض المتأخرين في القرن الثامن أو حتى في القرن الذي نحن فيه أو قبله بقليل، فترى تعظيما لتراث الحافظ ابن رجب - رحمه الله- ويعد ابن رجب عند من يتكلم في هذه المسالة منظّرا ومرجعا في هذا الباب، وهو إمام له شأنه في العلم عموما - رحمه الله رحمة واسعة -، مع أن ابن رجب في القرن الثامن، وكذلك الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلميّ - رحمه الله- صاحب كتاب "التنكيل" والأنوار الكاشفة" و "كتاب العبادة" إلى غير ذلك من الكتب المشهورة المعروفة له رحمه الله، يُعد كذلك منظّرا في هذا الباب ويرجع إليه، طبعا وهو من هو في هذا الشأن، لكن أقصد أنه إذا قلنا أنها حدود زمنية، يطرأ علينا إشكال في قضيّة من تأخر، وإذا قلنا منهجية فما هي الحدود الفاصلة للمنهج؟ وما هي المسألة التي تعدّ من علوم المتقدمين؟ وما هو الخلل الطارئ عليها كما سيأتينا بعد قليل إن شاء الله؟ فهذه قضايا مهمة تحتاج إلى تمييز، لذلك أنا ذكرت في بعض المقالات وذكرنا كذلك قبل بدء هذه الندوة وقلنا أن هناك إشكالية في قضيّة العموميات في الطرح وهو أمر لا يصلح، (فإنّ) مسائل العلم لا عموميات فيها، مسائل العلم تنضبط بالقواعد والأصول هكذا العلم عموما ، وخصوصا أننا نتكلم عن علم ليس كسائر العلوم، فعلم الحديث ليس كسائر العلوم، ولا يمكن أن تتعامل مع علم الحديث كعلم الفقه مثلا أو حتى الأصول، لماذا؟ لأنّ علم الحديث هو أول العلوم الإسلامية التي نضجت في وقت مبكر لأنّه يتعلق بالتكليف، يتعلق بأصل العبادة، يتعلق بسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، فالإنسان لا يستطيع أن يتعبد لله سبحانه وتعالى من غير أن يعرف مراد الله، ومراد الله في الكتاب والسنّة وآليّة ذلك هي علم الحديث، إذن هذه إشكاليات تطرأ على المرتكز الأول للتعريف، كذلك من هذه الإشكاليات إشكالية منهج التعامل مع المتقدمين، وهذه ستأتينا بعد قليل، فالآن إذا قلنا أن مدرسة أهل الحديث التي يرجع إليها في هذا الباب هي مدرسة القرون الثلاثة الأولى، فما هي آلية التعامل مع هذا العلم؟ (ما هي آلية التعامل)مع هذا التراث الذي كان في ذلك الوقت؟ هل يوجد آلية متميزة أم لا يوجد؟ هذا كله يحتاج إلى بحث، كذلك ما هي المصادر التي نرجع إليها لنأخذ علوم المتقدمين؟ المرتكز الثاني في التعريف الذي ذكرناه لمسألة المتقدمين والمتأخرين، هي ملاحظة التغيير الطارئ على المدرسة الحديثيّة عند المتأخرين، وهذا المرتكز كذلك وجد فيه إشكالية في التعامل معه، أول هذه الإشكاليات هي آليّة التقويم، بمعنى ما هي المعايير التي من خلالها نحكم على تراث المتأخرين بأنه متغير أو غير متغير؟ وما هو مقدار التغير الحاصل في هذا التراث؟ كل هذا الذي أقوله يقطع تلك الدعوى التي تفرق تفريقا حدّيا بين متقدمين ومتأخرين، وسأبين أنّ هذا التفريق الحدّي غير صحيح وغير موجود أصلا وغير دقيق أبدا، فلا يمكن أن تقول أن مدرسة المتقدمين تنتهي هنا ومدرسة المتأخرين تبدأ هنا، هذا الكلام غير موجود وغير ممكن أن يكون، إذن أول إشكالية ترد على المرتكز الثاني هي آليّة التقويم بمعنى ما هي المعايير التي نحكم من خلالها؟ وما هي المسائل التي تعدّ خارجة عن علوم المتقدمين؟ فهذه قضيّة مهمّة كذلك، لابد أن نعرف ما هي المسائل التي خرجت عن علوم المتقدمين وهل هذه المسألة تخالف علوم المتقدمين كليةً أو في جزء منها؟ هذه كذلك قضيّة مهمّة لأنّه لا بدّ للعلم من إحكام، العلم لا يقبل الدعاوى، العلم يحتاج إلى ضبط وانضباط، مما يُشْكِل كذلك على المرتكز الثاني هو التفريق بين المنهجين، وهنا حصل خلل كبير وهو التقسيم، وكلكم تعلمون - فأنتم من أهل العلم والفضل وقد كتبت في هذا بحوثا ودراسات- تعلمون أن طبيعة التقسيم أيّ تقسيم في أيّ باب من أبواب العلم يحتاج إلى أن تُميز كل قسم عن الآخر، فلا بد أن تكون هناك ملامح تميّز كل قسم عن الآخر، أُقَرِّبُ لكم هذه المسألة بمثال، عندنا في علم الحديث كما تعلمون هناك تقسيم للحديث ثلاثي: صحيح وحسن وضعيف، فالحسن عند المتأخرين مثلا كالحافظ ابن الصلاح ثم الحافظ ابن حجر- رحمهما الله- فيه إشكالية التقسيم، لأنّ الحافظ ابن الصلاح عندما جعل هناك قسما بحدود معينة سماه الحديث الحسن، وكذلك جاء بعده الحافظ ابن حجر. إخراج الحديث الحسن من حيِّز الصّحيح يتطلب منّا أن نميّز الحسن بميزات تفصله عن الصّحيح كذلك نميّز الحسن بميزات تفصله عن الضعيف، هذا التفريق الذي هو صعب للغاية حقيقة في علم الحديث، أدخلنا في بعض الإشكالات، من هذه الإشكالات ما انطوى في كتاب النّكت للحافظ ابن حجر على ابن الصلاح - رحمهما الله - في مبحث الحديث الصّحيح، فعندما جاء الحافظ ابن حجر ليعرف الحديث الصّحيح قال هو الحديث الذي يرويه العدل الضابط عن غيره بإسناد متصل من غير شذوذ أو علّة، هذا باختصار، الحافظ ابن حجر عندما أراد أن يُعرّف الحديث الصّحيح وذكر هذه الجمل، أضاف إلى هذه الجمل جملة جديدة، وهي "ومن خف ضبطه" فأدخل ذلك في الصّحيح، مع أنّ هذه الجملة معروفة ممّا تميّز به الحديث الحسن، و الحافظ ابن حجر أدخلها في الصّحيح لكن لماذا؟ هو نفسه ذكر التعليل لأنّه يرى أنه إذا أخذنا بهذه الحدود المذكورة في الحديث الصّحيح سنخرج جملة ليست بالقليلة من أحاديث الصّحيحين التي لا ينطبق عليها التعريف بل هي دونه بقليل، يعني بمعنى أنّ رواة هذه الأحاديث لا يبلغون أن يكونوا بدرجة تامّ الضبط وإنّما خفيف الضبط، أي من خف ضبطه في درجة الحسن، فأدخل هذه الجملة في تعريف الصّحيح. هذا الذي ذكرته لكم حتى أبين لكم أنّ التقسيم في العلم عادة لا بدّ أن يستدعي بعد ذلك وجود ملامح مميّزة لكلا القسمين، وهذا يعني قد توجد شروط وحدود لم تكن في الأصل وإنما استدعيناها حتى نميّز بين الطرفين، كذلك الناظر في مسألة المتقدمين والمتأخرين سيجد أنّ من قال بهذه المسألة لابدّ أن يأتي بما يميّز مدرسة المتقدمين عن مدرسة المتأخرين، وأنا بين يدي مذكرة في ظنّي أنّها غير معروفة في أوساطنا العلميّة هنا، حصلتُ عليها عندما كنت طالبا في الجامعة الإسلامية، كُتب فيها أول مقالات في مسألة المتقدمين والمتأخرين تقريبا -لا يتسع الوقت لقراءتها الآن-، ستجد أنّ أول من كتب من أهل العلم في هذه المسألة أراد أن يميّز، بمعنى كأنّه يجيب على سؤال لماذا نقول بالتفريق بين المتقدمين والمتأخرين؟ فبدأ يأتيك بأسباب للتفريق، مثلا المتأخرون صحّحوا أحاديث تكلم فيها المتقدمون، المتأخرون كذلك توسعوا في التصّحيح بالشواهد، إذن بدأ يأتيك بالملامح التي تميّز المدرسة المتقدّمة عن المدرسة المتأخّرة، وهذا طبعا يحتاج إلى تقويم، هل هذه الملامح تكفي لهذه الدعوى أم أنّ المسألة ممكن أن تُحتوى بالبحث العلميّ؟ وهذا الذي فعلته في رسالتي، إذن هذه الإشكالية الثانية على المرتكز الثاني وهي قضيّة التفريق وأنّ هذا التفريق لابد أن يستدعي حدودا جديدة مميّزة للمدرستين، وهذا أدخلنا في بعض الإشكالات، أنا أعطيكم إشكالا واردا على هذا التفريق، مثلا تجد في كلام أهل العلم الذين ينتمون إلى هذه الدعوى تضخيما لمسألة العمل بالقرائن، حتى تتصوّر وأنت تسمع للمسألة كأنّ أهل الحديث فقط يُعمِلون القرائن في الحكم على الحديث، مع أنّ باب إعمال القرائن باب معروف ومسلك معروف عند أهل الحديث، وهو في العلم عموما لكن في علم الحديث هو معروف لكنّه يأتي تبعا للقواعد، لكن في مدرسة التفريق أي عند أهل العلم الذين يرون التفريق تجد تضخيما لقضيّة القرائن حتى يصوّر لك أنّ علم الحديث علم قرائن وليس علم قواعد ولا أصول، بل هذا الكلام وُجِد من أهل العلم من قالَهُ نصا أو صرّح به تصريحا، وهذا كلام خطير ليس بالهيّن، وعلى كل حال سنأتيها لاحقا لا نريد أن ندخل في التفاصيل. الإشكالية الثالثة الطارئة على هذا المرتكز (الثاني) هي عموم الدعوى، بمعنى أنك إذا نظرت ستجد إهمالا للمكون الحديثي في مدرسة المتأخرين، فمثلا لو أخذنا تعريف الحديث الشّاذّ، من الإشكالات الواردة على تعريف الحديث الشاذ عند المتأخرين تجد أن المتأخرين يقصرون تعريف الشاذّ على ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن يروي الثقة حديثا يُخالف ما رواه النّاس، هذه الصيغة مشهورة عن الإمام الشافعي, وهذه الصيغة هي التي اعتمدها أهل الحديث كالحافظ ابن الصلاح وتبعه على ذلك الحافظ ابن حجر على اختلاف يسير بينهما في هذه المسألة، لكن إذا رجعتم إلى كتب المتقدمين كالحاكم والخليلي مثلا ستجدون أنّ الشاذّ عندهم لا يُشترط فيه المخالفة كما قال الإمام الشافعي، وإنما يُكتفى فيه بنوع من التفرّد ولا أقول مطلق التفرّد، الشاهد من هذا الكلام أنّ تعريف الشاذّ ليس له سياق واحد وإنّما يأتي في أكثر من معنى عند المتقدمين، فتعريف الحاكم يختلف قليلا عن تعريف الخليلي وتعريفهما يختلف كثيرا عن تعريف الشافعي -رحم الله الجميع-. الآن الحافظ ابن الصّلاح وتبعه ابن حجر أخذا تعريف الإمام الشافعي وتركا تعريف الحاكم والخليلي وقد علّل ذلك الإمام ابن الصلاح في المقدّمة لماذا تركه، لأنّه يرى أنّه لو أخذ بتعريف الخليلي والحاكم سنُخْرجُ جملة من الأحاديث المفاريد في الصّحيحين التي رُويت بإسناد واحد - وهذا مبنيّ على خطأ في فهم الحافظ ابن الصلاح رحمه الله- وإلا الأصلُ أنّ هذه الأحاديث لا تخرجُ، لأنّ مفهوم الشّذوذ (ليس محصورا) في التفرّد، فالتفرّد عندنا له خمس صور: فعندنا الحديث الفرد والشاذّ والمنكر والغريب وزيادة الثقة، فكل هذه الخمسة الجامع المشترك بينها هو التفرّد، فكلها من أسرة مصطلحية واحدة أصله التفرّد، فالحافظ ابن الصلاح رحمه الله يرى أنّه إذا أخذنا بتعريف الخليلي والحاكم سنُخرجُ الحديث الفرد (لكن هذا غير صحيح)، فالحديث الفرد نوع والشاذّ نوع له ما يميّزه، والحكم على الحديث الفرد بالشّذوذ ليس لمجرد التفرّد فقط، وإنما هناك قدر زائد على التفرّد، ولذلك من أضيقِ مسالك العلل هو الشّذوذ، وهذا من أوجه التفريق بين المنكر والشاذ، ففي الغالب المنكر يكون فيه الخطأ ظاهرا والغالب على الشاذ أنّ الخطأ يكون فيه غير ظاهر، لذلك لو رجعتم إلى تعريف الحاكم ستجد أنه يتكلم عن شيء ينقدح في نفس الناقد، وهذا فيه إشارة إلى أنّ هناك شيئا في الشّذوذ زائد على التفرّد ولا يُدرك بمسابر العلل المعروفة. عودا على قضيّة المكون الحديثي، الحافظ ابن الصلاح لنَقُل أنه أخطأ رحمه الله عندما قَصَرَ الشّذوذ على تعريف الشافعي وترك مفهوم الحاكم والخليلي، لكن السؤال : هل خرج ابن الصلاح عن علوم المتقدمين بهذا الخطأ أم أنه أتى بشيء و ترك شيئا؟ بل أتى بشيء وترك شيئا، واتبع الإمام الشافعي رحمه الله، والإمام الشافعي هو الإمام الشافعي وليس هناك حاجة لذكر فضائله ومنزلته رحمه الله، وهذا من طريقتي في التعامل مع المسألة عندما كتبت الرسالة أنّي وضعت لها معايير القبول والردّ، لأنّ هذا العلم كما ذكرتُ لا يقبل الدعوى المجردة فلا بدّ من قواعد وأصول تضبط هذا الباب، فالحافظ ابن الصلاح لو أردتُ أن أُقَيّمَ عمله لقلت: إنّ الحافظ ابن الصلاح رحمه الله أخذ ببعض كلام أهل الحديث وترك بعضه، لكن لا آتي وأقول بأنّ مقدمة ابن الصلاح فيها وفيها إلى غير ذلك من الكلام الذي نقرؤه ونسمعه من بعض إخواننا عند النقاش حول هذه القضيّة. لكن من إشكاليات هذه الدعوى أنّنا نهمل هذا المُكون الحديثيّ الصّحيح الذي أخذ عن مدرسة المتقدمين من باب أنْ نقولَ أنّ هناك تمييزا وحدّا فاصلا ببين المدرستين وهذا إشكال بحاجة إلى إعادة نظر. المرتكز الثالث في التعريف الذي ذكرناه أنّ ما يدعوا إليه أنصار هذه الدعوى هو ما كان عليه المتقدمون من أهل الحديث وهذا المرتكز ترد عليه أيضا جملة من الإشكاليات من أهمّها عدم الاتفاق على جملة من المسائل، ذكرتُ قبل قليل أنّ من قال بهذه المسألة من أهل العلم والفضل لا يتفقون على جملة من المسائل فيها وعدم الاتفاق له عدد من الأسباب، كما ذكرنا قبل قليل مثل ملامح مدرسة المتقدمين ما هي هذه الملامح كيف أرجع إليها ، ولذلك أنا ذكرت يوما من الأيام لأحد الإخوة في نقاش حول هذه المسألة، قلت له: أريحونا من هذا النقاش واكتب لنا كتابا عن مدرسة المتقدمين نعمل به نحن وأنتم ويزول الإشكال. لكن هذا ليس بالمقدور وأنا أقول لكم الآن ليس بمقدور حقيقة، لأنّ هناك إشكالية في الدعوى، كذلك من الإشكاليات الواردة على هذا المرتكز بيان أوجه مخالفة المتأخرين وتنزيلها منزلة أصول الفقه والاعتقاد، فمن المسائل الشرعية التي يرتكز عليها أهل العلم والفضل ممّن يقسمون المدرسة إلى مدرستين يرون أنّ ما يدعون إليه هو طريقة السلف، بمعنى كما أنّنا في العقيدة والأصول وغير ذلك ندعو إلى العودة إلى طريقة السلف كذلك في الحديث ندعو إلى العودة إلى طريقة السلف، هذه الدعوة دعوة شرعية محل اتفاق عند المسلمين عموما فكل طائفة وكل فرقة تعود إلى من مضى, هذه قضيّة متفق عليها عند الجميع، لكن فات من قال بمثل هذا القول خصوصية علم الحديث، فعلم الحديث لا يمكن أن تتعامل معه كعلم الاعتقاد في هذه المسألة، فنحن نعرف أنّ الاعتقاد الصّحيح هو ما كان عليه سلف هذه الأمة، أما أن نقول في علم الحديث ينبغي أن نرجع إلى المدرسة الأولى مدرسة أهل الحديث، هذا دونه مفاوز، تبدأ أولا من تقييم علوم المتأخرين، بمعنى أعطني دراسة تقيّم فيها علوم المتأخرين حتى يتضّح لي أنّ هناك تغييرا طرأ على علوم المتأخرين وبيّن لي هذا التغيير وما أسباب هذا التغيير؟، نعم العلوم الإسلامية أيها الأخوة عموما قد دخل عليها شيء من التغيير وقد كُتب في هذا كثيرا، مثلا المباحث الكلامية في علم أصول الفقه، مباحث الفلسفة والمنطق في علم الكلام، هذا كله مكتوب، فقد كتب فيه كثير من الرسائل العلمية وأُلِّف فيه كثير من الكتب، لكن علم الحديث على وجه الخصوص يختلف عن هذه العلوم، فبنية علم الحديث لا تقبل التغيير الذي طرأ على علم الكلام ولا على علم أصول الفقه، لكن لماذا؟ أولا علم الحديث نضج كما ذكرت مبكرا لأنّه يتعامل مع السنّة النبويّة يتعامل مع (قال) و (فعل) رسول الله عليه الصلاة والسلام، أما العلوم الأخرى مثل علم أصول الفقه فقد امتزج بعلم المنطق خصوصا في القرن الخامس وما بعده, فبعض أهل العلم يحدّها من زمن الباقلاني رحمه الله في أواخر القرن الخامس وظهر أكثر في زمن الغزالي رحمه الله هذا من جهة المنطق، لكن من جهة الفلسفة مثلا، تأثّرُ علم الكلام بالفلسفة كما تعلمون كان من بعد زمن المأمون، بعدما عرّبت (ترجمة) الكتب ودخلت الفلسفة والمنطق إلى العلوم الإسلامية – لكن علم الحديث يختلف، فبنيته تختلف عن هذه العلوم، فعلم الحديث ما فيه قضيّة الافتراض العقلي وإن كان قد وُجِد عند بعض المتأخرين كما حصل عن الحافظ ابن حجر في تعريفه للحديث الشاذّ كما نقل عنه السيوطي، أو كما وجد عند الإمام النوويّ رحمه الله في كما في الكلام عن التائب في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، هل تقبل توبته ويقبل حديثه، الإمام النوويّ يرى أنّه إذا قُبلت توبته قبل حديثه، هذا معنى ما ذهب إليه رحمه الله مع أنّ الإمام أحمد وابن المبارك والحُميدي رحمهم الله يرون أنّ توبته بينه وبين الله لكن حديثه لا يقبل احتياطا لحديث النبي عليه الصلاة والسلام ، قبول الإمام النووي لذلك من تنزيله علم الحديث منزلة الفقه، وهذا لا يصلح في علم الحديث، فالأبواب الحاكمة لعلم الحديث تختلف عن الأبواب الحاكمة لعلم الفقه، هذا علم سلوك يتعلق بسلوكك مع نفسك ومع غيرك ومع الله سبحانه وتعالى أقصد الفقه، أما علم الحديث يتعلق بقال رسول الله وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاحتياط للسنة يقتضي ألّا يقبل التائب من الكذب فتوبته بينه وبين الله ونسأل الله أن يغفر له، لكن الحديث يُصان عن دعوته و عن روايته، إذن باختصار هذه الإشكاليّة الأخيرة التي ذكرتها أنّه ليس كل من قال نعود إلى مدرسة المتقدمين دعا إلى مدرسة السّلف، هناك فاصل بين هذه الدعوى وهذه، وهذا قد بينته في مقال نشر قريبا. تاريخيّة مسألة المتقدمين والمتأخرين : نأتي إلى تاريخيّة هذه المسألة، فهذه المسألة مسألة مهمّة جدا، علما أنّه لم يكتب فيها، فلو سألتكم ما هي جذور مسألة المتقدمين والمتأخرين؟ إلى أين ترجع؟ أنا أعلم أنّه لا جواب فيها لأنّه كما قلت لم يكتب فيها. مسألة المتقدمين والمتأخرين عند النظر تُعبّر عن ثقافتين أو تعبّر عن مدرستين التقتا، مدرسة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله عندما ذهب إلى الخليج – إلى السّعودية على وجه الخصوص- والمدرسة النجديّة، المدرسة النجديّة مدرسة عريقة قديمة من أيام الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله (ت 1206هـ)فهي مدرسة مستقرّة وعلومها معروفة وفيها علماؤها وأئمتها وفيها مشايخها كما تعلمون، فمدرسة الشيخ ناصر جاءت إلى هذه المدرسة فأصبح عندنا نوع من الالتقاء، وكما هو متقرر في علم الاجتماع أنّ طبيعة المدرسة المستقرّة سواء كانت علمية أو ثقافية أو كانت غير ذلك تواجه أيّ طارئ عليها، وكما تعلمون أنّ الشيخ ناصرا رحمه الله نشأ في الشام حيث كان التصوف مستشريا والخرافة والبدعة منتشرة، ومن قرأ كتابات العلماء سواء علماء الشام أو علماء مصر خصوصا محمد رشيد رضا عليه رحمه الله أدرك الفجوة الحضاريّة التي كانت في ذلك الوقت، فالشّيخ ناصر ابن بيئته رحمه الله، تأثر كثيرا بالعلماء الذين سبقوه وتأثر برشيد رضا ومجلة المنار، وكان له اشتغال كبير في قضيّة النهضة والدافع أو البُعد الحضاريّ، طبعا أنا أُعبّرُ عنه بتعبير في سياقه الاجتماعي لكن في تعبير الشيخ ناصر وأهل العلم وأهل الحديث هي قضيّة التزكية والتربية وإحياء السنّة النبويّة، لأنّ إحياء السنّة النبويّة هي أول مرتكز في النهضة والدافع الحضاري، فأيُّ مُجددٍ عبر التاريخ ستجده ابتداءً ينطلق من السنّة النبويّة فالشيخ ناصر -رحمه الله- في هذا الباب كان له اجتهاد كبير جدا في قضيّة إحياء السنّة النبويّة -وهذا ظاهر في مؤلفاته-، فالمقصود أنّ أدبيات الشيخ ناصر تختلف عن أدبيات المدرسة النجديّة، ولذلك عندما بدأ يتكلم رحمه الله –وكما تعلمون دائما المجدّد يا أخوة لا بدّ أن يكون عنده شيء مخالف لمن عاصره؛ ولذلك كان للشيخ آراء لا يوافَقُ عليها أو يخالف فيها- , فكانت هناك جملة من الرّدود من هذه الرّدود التي أريد أن أشير إليها هي ردود الشيخ الحافظ عبد الله الدويش -وهو من حفاظ القصيم- رحمه الله، كانت له ردود على الشيخ ناصر ككتاب "تنبيه القارئ إلى تقوية ما ضعفه الألباني" وكذلك "تنبيه القاري إلى تصحيح ما ضعفه الألباني"، هذه الرّدود في ظنّي هي الباكورة الأولى لهذه المدرسة، لكن دعوني أنبّه على قضيّة مهمة في هذه الردود، لو تتبعتم منهج الشيخ عبد الله الدويش رحمه الله والشيخ ناصر رحمه الله ستجد أنّ المنهج واحد، حتى ما يُعابُ على الشيخ ناصر في قضيّة التوسع في التصحيح بالشواهد، كما أنّ الشيخ نفسه عابَه على الشيخ عبد الله الدويش رحمهما الله، إذن لم تكن هناك فوارق منهجية واضحة بين الشيخين، إنّما كان هناك نوع من الاتساق، بعد ذلك انتقلت هذه المدرسة وأصبح الشيخ ناصر معروفا بهذا العلم وبدت له مخالفات تخالف ذلك المستقر في تلك المدرسة، الآن بدأت المسألة – مسألة المتقدمين والمتأخرين- تأخذ طابعا جديدا، ويمكن أن نشير إلى أثر ذلك السّجال العلميّ بتوجيه النّظر إلى إنتاج الشيخ الحديثيّ, ثم ما لبثت هذه المسألة تنتشر, ولكن بمحدّدات جديدة وقد ظهر هذا الافتراق الكبير والحدود المميّزة لهذه الدعوى في تُراثين، في تراث الشيخ الشريف حاتم العوني -وفقه الله- وفي تراث الشيخ الدكتور حمزة المليباري -وفقه الله-، تراث الشيخ حاتم في كتابه "المنهج المقترح في فهم المصطلح"، كانت بواكير الملامح الأولى لمدرسة المتقدمين، طبعا فيه إشكالات تحتاج إلى وقفات، وفيه فوائد علميّة نفيسة، كذلك كتابات الشيخ المليباري، سواء كانت " النّظرات " أو غيره من كتبه كذلك بدأت البواكير الأولى لرسم ملامح مدرسة المتقدمين والمتأخرين، و أتكلم هنا بطبيعة الحال كتأريخ لهذه المسألة بعيدا عن قضيّة الحكم والنّظر، لكن في كلا التراثين علم وفي كلا التراثين إشكالات تحتاج إلى وقفة، وقد وُجد ردود على هذه الكتب، فمثلا الدكتور أحمد الزهراني له كتاب اسمه "حبذا كيس الحافظ"، وهذا الكتاب ردٌّ على الشيخ حاتم وسمّاه باسم عبارة ذكرها الشيخ حاتم العوني في كتابه "المنهج المقترح" عندما قال في مسألة من مسائل الحديث وهذه من كيس الحافظ، وهناك كتاب آخر للدكتور أحمد الزهراني اسمه "نقد مجازفات المليباري" –بعيدا عن حدة العلماء وشدتهم فهكذا طبيعة أهل الحديث كما تعلمون- فيه ردّ على الشيخ المليباري، وتوالت الردود بعد ذلك فقد دخل في هذا جماعة من أهل العلم. هنا أخذت المسألة بُعدا جديدا، يعني عندما نصل إلى درجة التنظير والكتابة والتقعيد نحن الآن دخلنا في بُعد جديد، أصبح لهذه المسألة ملامح وكما تلحظون الآن على مواقع التواصل والمجموعات وفي الكتابات والردود أصبح الناس ينقسمون إلى قسمين، هذا يقول لك أنا على طريقة المتقدمين وهذا يقول أنا على طريقة المتأخرين وهذا يقول لك أنا على منهج المتقدمين والمتأخرين، ولذلك أنبّه على مسألة مهمّة جدا في هذا الباب، وهذه من الإشكاليات العلميّة في عصرنا الحاضر خصوصا بعد أن ضعفت المدرسة التقليديّة، المدرسة الفقهية سواء المتمثّلة في المذاهب أو المدرسة العقديّة المتمثّلة بالفرق، عندما ضعفت هذه المدرسة التقليدية ظهرت عندنا ملامح جديدة في العلم بمعنى ظهرت تصورات فكرية تحيط بمسائل العلم أكثر من الانضباط بالقواعد والأصول، وهذه خصّيصة لعصرنا لأنّ هذا العصر وُجدت فيه مدارس اجتماعية كبيرة على مستوى الأمّة لم تكن معهودة، كقضيّة الجماعات والتيارات الفكرية والأحزاب، هذه المدارس الاجتماعية الكبيرة لها أثر على العلم طبيعي، وُجد عندنا الآن مناهج فقهية لم تكن معهودة من قبل –بغض النظر إنا عن صواب أو خطأ لكن أتكلم عن شيء جديد ظاهر- فإذن هذه المسألة من المسائل كذلك التي دخلها هذا التحديد، الآن أصبح الخلاف عندنا فكريا أكثر من كونه علميا، وإلا كيف أقول أنّي أسير على طريقة هذه المدرسة أو تلك المدرسة وفي الوقت ذاته تغيب عنّي كثير من تفاصيل الخلاف فيها، فأحيانا يأتيك اتصال من بعض الشباب في سنّ البكالوريوس ويناقشك في هذه القضيّة، أنت خفيَ عليك 95% من هذه المسألة فكيف تنحاز إلى طرف من الأطراف، ليست القضيّة شيخي قال كذا أو مدرّسي في الجامعة قال كذا، لا، القضيّة علميّة، القضيّة أننا سنقف أمام الله سبحانه وتعالى وسنسأل عما هو دونها وليس عنها فقط، فالقضيّة أكبر من هذا، قضيّة العلم قضيّة أجلّ من أن ينحاز الناس إليها بمثل هذه التصوّرات، إذن, فقد دخل علينا بعد فكري في التقسيم الآن وبدأت الناس تنحاز إلى هنا والى هنا. أنهي الكلام بذكر أهمّ الإشكالات الواردة على هذه المسألة: هي التفريق غير المنضبط بين المتقدمين والمتأخرين، فحقيقة لا يوجد هناك انضباط في التفريق ولا يوجد هناك حدود فاصلة. ضَعف المقدمات وكِبرُ النتائج، فلو سألتني ما هي الدعوى التي ضعفت مقدماتها لقلت لك هذه الدعوى، وهذا أقوله واقع، مع كبر النتائج، فأنت عندما تقول لي علم الحديث علم قرائن وليس علم قواعد ! ألا تعلم أنّ علم السحر والكهانة له قواعد، هل هناك علم في الدنيا حتى لو كان باطلا ليس له قواعد؟ مستحيل، فبنية علم الحديث بنية نسقيّة يعني علما أصيلا يتكون من قواعد وأصول، لا يمكن أن يقال علم الحديث علم قرائن وتنزع عنه القواعد، حتى القرائن هي من جنس القواعد، وحتى إعمال القرائن له ضوابط فالقضيّة ليست هكذا، فكيف يكون علم النجوم له قواعد وعلم الرؤى والأحلام له قواعد وعلم الحديث ليس له قواعد؟! هذا لا يقبل، فلا وجود لعلم لا قواعد فيه. إعادة قراءة التراث، وأنا أذكر لكم قاعدة دائما يعرفها من عرف تأريخ العلم، ومن كان له اهتمام بالقضيّة الاجتماعيّة عبر التاريخ والتاريخيّة، يعلم أنّ التّراث إنّما يُقرأ بأدوات الحاضر، فهذه مسلمّة، التراث دائما يُقرأ بأدوات الحاضر، وذلك فتْحُ باب قراءة التّراث في علم الحديث ، وأنا أُعطيكم نتيجة من هذه النتائج، من حضر معنا الملتقى الأخير الذي عقدته جمعيتنا جمعية الحديث الشريف في عمّان في الجامعة الأردنية -أسأل الله أن يوفق القائمين عليها- تكلم أحد المشاركين وقال أنّ مصطلح الحسن عند الترمذي –رحمه الله- يعني به الضعف, وهذه الكلمة مرّت مرور الكرام للأسف، ولا أدري كيف سُكت عنها؟ وقال عندي رقم أظنّه قال : ثلاثمائة حديث، بمعنى أنّه استقرأ كتاب الترمذي -وهو مخزون في هذا الباب أقصد كتاب الجامع للترمذي- هذه الكلمة لا يمكن أن تُقبل ولا بأيّ حال من الأحوال حتى لو صدرت ممّن صدرت لا يمكن أن تُقبل، لأنّها تخالف أدبيّات علم الحديث وأساسيّاته، المصطلح من حيث هو مصطلح له قواعده، لا يمكن للإمام أن يقول عن حديث أنّه حسن ويراد منه التضعيف، ولو فعلها الإمام الترمذي لقلنا أخطأ في وضع المصطلح في غير موضعه، لأنّ مصطلح الحسن أحد ثلاث مصطلحات حُكمية، والمصطلحات الحكميّة عندنا ثلاثة: الصّحيح والحسن والضعيف -وأنا أتكلم عن المصطلحات بقواعدها الخاصّة- والمصطلح الحكميّ هو أقوى أنواع المصطلحات، يعني لا يقبل التأويل ولا التغيير، فإذا قلنا هذا حديث صحيح هل يحتمل غير الصّحيح عند صاحبه ؟ هل إذا قلنا هذا حديث ضعيف يحتمل غير الضعيف عند صاحبه؟ لا، لا يحتمل. فالإمام الترمذي ما أراد بالضعيف إلا الضعيف وما أراد بالحسن إلا الحسن وما أراد بالصّحيح إلا الصّحيح، فلو رجعنا إلى تعريف الإمام الترمذي ماذا قال في حدّ الحديث الحسن؟ قال هو الذي لا يكون في إسناده متّهم بالكذب ولا يكون شاذّا ويروى نحوه من غير وجه، فهذه المكونات الثلاثة التي ذكرها الإمام التّرمذي في تعريف الحديث الحسن مكونات نقديّة أخرج بها الضعيف شديدَ الضعف الذي هو المتهم بالكذب ومن دونه، وأبقى ما هو فوقهم وعالج هذا الضّعف الموجود من خلال " ويروى نحوه من غير وجه"، إذن مكونات نقديّة ترفع من سويّة الحديث ولا تخفض من سويّته، وكذلك أضف إلى علمك في هذا الباب أنّ تعريف الحديث الحسن الذي ذكره الإمام الترمذيّ هذا أصل جامعه يعني كل الأحاديث الحسنة وكل ما وُصف بالحسن في جامع الإمام الترمذي هذا التعريف هو أصله وهذا الذي قرره الحافظ ابن رجب في شرح العلل. وقد ذكرت ذلك في مقال نشر "الحديث الحسن عند الترمذي" يُرجع إليه. والله أعلى وأعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|