بقلم - د. صفاء برهان
احتل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، مساحة شاسعة في وجدان المسلمين عامة، وفي وجدان الموريسكيين خاصة، فعلى الرغم من التنصير المقيت الذي حاول الاسبان فرضه عليهم، إلا أن الموريسكيين قد أفرغوا ذلك الوجدان المسلم لحب رسول الإنسانية، وتعلقوا به فكرا وسلوكا، وهو ما بان في نتاجهم الذين خلفه لنا علماء الموريسكيين، فضلا عن مواقف الفئات الاجتماعية الأخرى.
ومن تلك الأسماء المذكورة الفقيه الموريسكي الكبير عيسى ابن جابر الشقوبي، الذي أكثر من التعريف بشخص الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، والدفاع عنه إزاء الفكر التنصيري، وكان له أن يصنّف الكثير في السيرة النبوية الطاهرة، ومنه كتاب المشهور(مختصر السنة)، (وهو مختصر مقتضب في الأخلاق والشريعة، عثر على نسخ كثيرة منه، مما يدل على أنه كان متداولا بين الموريسكيين. ويتناول هذا الكتاب الإيمان، وما ينبغي على المسلم الاعتقاد به ليصح دينه، والوضوء والطهارة، والتيمم، والصلاة ومواقيتها، ويصف طريقة الصلاة، وما ينبغي أن يقوله المصلي في كل حركة من حركاتها).
ومن ذلك ما نطالعه في ما أثر عن الفقيه (محمد رمضان) الذي كتب كثيرا من القصائد منافحا عن الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، إزاء الهجوم الأسباني عليه. ومن ذلك ما أورده من كلام حماسي في مقدمة قصيدته (خطاب البصيرة والأصل والنسب اللامع لرئيسنا ونبينا محمد السعيد)؛ الذي نقله عن الحسن البصري تلميذ أمير المؤمنين علي عليه السلام؛ إذ كان يهدف إلى إثارة تمجيد الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، والدفاع عنه ضد اتهامات القساوسة، يقول: (عندما نلاحظ وجود هجوم بارز ضد كل الأنبياء...فإني سوف أقرر بما بقي لي من قوة لأخذ موقف المدافع، تماما كالجندي الذي بفضل جسارته يرتمي في المعركة؛ لينتقم لإهانة كبيرة لحقت قائده ورئيسه).
كذلك برزت حالات كثيرة مثيرة للألباب، ومنها حالة تبشيرية خاصة لأحد الفقهاء الموريسكيين، وهو (جيرونيمو دو روجاس) الذي كان في سنة 1601، موجودا في سجن محاكم دواوين تفتيش بطليطلة؛ فقد قام هذا الداعية بمحاورة مع مساجين آخرين يعتنقون الديانة المسيحية: (حاول أن يعلّم بعض الأشخاص المسجونين من طرف محاكم دواوين التفتيش عادات وحفلات دين محمد، وكان يبين لهم هذه الأشياء ويعلمهم إياها في السجن، ويقول لهم: إنه يرغب في إنقاذ أرواحهم، وإن الله سوف يبصرهم وينقذهم من العمى، والجهل الذي يحيط بهم)
وكل ذلك كان يمثل ردا على ما أبرمه المفتش العام لدواوين التحقيق في عهده دون (ألفونسو مانريك) أسقف أشبيلية، الذي خص الموريسكيين بقائمة اتهامات، كانت تنشر في بعض أيام صيام الأحد سنويا، بل لقد حذر المسيحيين من كتمان مخالفة موريسكية يرصدونها بعقوبة صارمة، يقول:(ولكل ما يتعلّق بالموريسكيين والملحدين المحمديين، فأليكم المظاهر والأشياء التي يجب الإخبار عنها:...إذا سمعنا أن الدين المحمدي هو الأحسن...وأنه لا يوجد غيره للوصول إلى الجنة...وإنه إذا سمعنا أو رأينا أن المسيحيين، الذين تمّ تعميدهم، يقومون ببعض طقوس أعياد الدين المحمدي...إذا قالوا: إنه وجب الإيمان بالله وبمحمد نبيه...إذا تذكروا محمد عند الحاجة، وأنه نبي الله ورسوله، وأن أول معبد لله هو بيت مكة، ويقولون إن محمدا دفن بها...إذا قالوا أو فعلوا أي شيء مرتبط بالدين المحمدي).
ويبدو واضحا أن سياسية قساوسة محاكم التفتيش الأسبانية، كانت تضغط باتجاه الوجدان الشعبي؛ من أجل المشاركة في الجدل الفكري، وإدخال أتباعها كمرتكز لتماسك أوصال مجتمعها، وللإمساك بزمام الحكم بوجود المشاكل السياسية والاجتماعية، ولمنحهم شرعية تناول الشخصية المحمدية المقدّسة، ولكن بما لا يسمح لها بالدخول في حوار فعّال؛ خوفا من وضع مجتمعها المربكة، وبهذا فهم قد أفلحوا في سياسية المشاركة، وقد حقق في الطرف المقابل حضور الهوية الموريسكية، التي وقفت ضد النيل من الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، فــ(في كثير من الأحيان كان الموريسك لا يتحملون من يسب أو يشتم الرسول، من ذلك أن أحد الموريسك عندما وصل ليقتني خمرا من حانة قد استقبل عند مدخل الحانة بهذه الألفاظ: لتحرق النار الخالدة محمدا، غير أنه لم يتماسك عن الرد: إن محمدا رجل خير وطيب) .
بسبب هذه الحال نظر القساوسة إلى أهمية الحذر في تناول الشخصية المحمدية، بل لقد شمل ذلك النساء في أواخر العصر الموريسكي؛ إذ أضحت همّا يوميا يعانون منه، وعليهم في مثل هذه الحال، أن يتجنبوا إثارتهن وعدم فتح باب الخلاف الأثيني بنحو كبير، بل حتى ذكر مزايا التنصير المفروضة قسرا، ونقد ما هو بعيد عن سبيلها، ما يدرك معها العلاقة الموريسكية الوجدانية العارمة، نحو شخص الرسول محمد، صلى الله عليه وآله، التي أدركها القساوسة وحذّروا منضررها على محيطهم؛ فلم يشغلوا بالجدل وعزفوا عن عرض دينهم؛ فقد حذر الكاردينال خوان ريبيرا صاحب فكرة الطرد النهائي قساوسته، قائلا:(لا تكلموهن ضد محمد؛ لأنكم تجرحون عواطفهن وتبعدوهن عنكم، ولا تشرحوا لهن عقائد ديننا، ولا أسراره؛ لأنهن جاهلات لا يفهمن، ولا يلزم أن تدخلوا معهن في جدال).
كذلك نلحظ أن للفنون الجميلة حضورها في تجسيد مآثر الشخصية النبوية، في قلب العاصمة الأسبانية (مدريد)، ما يدل على العزيمة الإسلامية التي لا تعرف للخنوع وجها، فقد (قدّمت في مدريد مسرحية، كان أحد محاورها خوارق الرسول محمد، وانطلاقا من الفصل الثاني تدخلت المراقبة، ومع هذا ذكر الحنفي أن المسألة تتعلق بمسرحية تاريخية، معتمدا على كتاب كانت قد وافقت عليه محاكم دواوين التفتيش؛ فإنه أثناء التمثيل دخل ممثل محاكم التفتيش وأوقفوا المسرحية، بعد أن استولوا على كل الأوراق وأمروا بعدم تمثيلها مستقبلا، ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بتحريات العثور على مؤلف المسرحية الذي حررها. وعندما عثورا عليه آخذوه على كتاباته، غير أن هذا الأخير اعتذر قائلا: إنها لم تكن مسرحية من تأليفه هو، ولكن يوجد مؤرخ قد استعملها في كتابه، ومع هذا ألم تعط الموافقة عليها من دواوين محاكم التفتيش؟!)
ولم يكتف الموريسكيون بذلك بل قد تناولوا الكثير من المناح الإنسانية، التي تؤكد ذلك الحب النبوي، ومنها ما ورد في نبوءة مشهورة انتشرت في الأوساط الموريسكية، جاءت على لسان الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، يصف أحوال الموريسكيين، الذين يذكرهم بهذا اللفظ، ويختمها ببيان انتصارهم ببعض الإشارات الإلهية، وهو ما تبينه الرواية الآتية على لسان رسول الله ، صلى الله عليه وآله، إذ قال: (يرحم الله الموريسكيين ويشملهم بلطيف عنايته ولطفه، ويكون ذلك عندما يملأ الحقد قلوب أعدائهم، فيلجئون إلى إحراقهم بالنار، رجالا كانوا أم نساء، صبية في مقتبل العمر أو شيوخا، وإخراجهم من أوطانهم، وتضطرب الملائكة في السماء وتذهب إلى ربها شاكية: إلهنا ذرية خليلك ورسولك محمد تحرق بالنار وأنت المنتقم الجبار. فيرسل الله لهم من ينجدهم ويخلصهم من هذا العذاب الأليم، فبكى علي ومن كانوا معه شفقة عليهم ثم توجه إلى رسول الله بالسؤال: ومتى يرسل الله نجدته لتلك النفوس المعذبة؟ فأجابه الرسول: آه يا علي سيقع ذلك في جزيرة الأندلس في عام يبدأ بيوم سبت، وسيرسل الله كبشير لنجدته سحابة من الطيور من بينها طائران متميزان).
وعند التدقيق في مضمون هذه الرواية الموريسكية، نلحظ ذلك الاهتمام الكبير التي منحه الموريسكيون لذواتهم؛ لأنهم أطلقوا اسمهم على لسان الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، وأخذوها أخذ المسلّمات التي فطنت لهذا الاسم الغريب في الأدبيات النبوية، وهو الشأن الذي يؤكد في ذهنيتهم الحضور الوجداني النبوي لهم، واكتراثه الكبير بالواقع العسير الذي ألفوه، والدعاء لهم أن يهوّن عليهم المصائب التي ستحل بهم، ومن ثم تبدأ الرواية بسرد الأحداث التي وقعت للموريسكيين، على لسان الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله. وبعدها نلحظ تحولا كبيرا في الرواية الموريسكية، يبرز الأمل من فجاج المأساة، حيث إشراك الملائكة التي تستغيث ربهّا؛ لإنقاذ الموريسكيين من حالهم، و الاستجابة الإلهية لذلك المطلب الملائكي، ودخول الصحابة الكرام في النوح على أبناء الأندلس، وفي مقدمتهم أمير المؤمنين علي عليه السلام، الذي سئل عن الزمن والكيفية التي يستنقذ الله بها الموريسكيين، ومن ثم الإجابة النبوية عن هذا السؤال. وورود اسم أمير المؤمنين علي عليه السلام مكررا في موضعين من الرواية، وهي محدودة الكلمات، مشحونة بالألم والأسى، لم يأت اعتباطا؛ إذ إنه رمز للبناء الإسلامي في أوج عظمته وإن مجيئه في الرواية، يحوي قصدية حتمية الانتصار، والنجدة بعد العذاب والانخذال؛ لذا فإن بكاء النبي، صلى الله عليه وآله، محاط بسابقة التوجه نحو القوي الجبار، ولاحقة علي بسيفه البتار، الذي أخضع الجبابرة وكسر عنفوانهم، و لا يخلوا ذلك من نصر رباني محاط بملائكة كثر، رمزت لهم الرواية بأنهم (سحابة)، في دلالة ضمنية على الكثرة الكاثرة التي تمثلها السحابة بالمطر، وأما الطائران فلعلهما جبرائيل الأمين وعزرائيل ملك الموت عليهما السلام، قابض أرواح أعداء الموريسكيين، الذين سيتمتعون من بعد ذلك باللطف والعناية.
هكذا تأمل الموريسكيون شخص الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، نبيا وحبيبا وطبيبا لجروحهم الغائرة، فالصلاة والسلام عليك يا حبيب الله
المصدر...