![]() |
![]() |
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
من رواية "الموريسكي" لحسن أوريد (مقتبسة من حادثة واقعية لشهاب الدين الحجري أفوقاي) قُبضَ على حمّال و بنّاء من طرف فرقة النخبة الترسيو و اقتيدا لرجال الكنيسة للمحاكمة. قرائن ثقيلة تجثم على عاتقيها, لأنهما و بحكم طبيعة عمليهما, كانا يتنقلان من مكان إلى آخر. و الاثنان كانا موريسكيين – و لو أنهما تحولا إلى المسيحية- فهذا كان كافيا لإدانتهما, لا للتكفير عن أرواحهما الضالة و الفاسدة بالهرطقة المحمدية, فالكنيسة لا تؤمن بتوبة المحمديين, بل لإعطاء درس, رغم أنه لم يكن هناك أي دليل ضدهما. فمحاكمات هيئة التفتيش سرية. كان علينا, نحن سكان بلدة الحجر, أن نشهد إعدام القاتلَين المزعومين. رفض مشاهدة الإعدام يجعل المرء عرضة للارتياب و يعرضه لعقاب مطارنة هيئة التفتيش. فمنذ انتفاضة الموريسكيين في 1568 بدأت محاكم التفتيش تعمل على أن تفرض نفسها ضد القوى التي أخذت تفكر في الإذعان لواقع الأمر, و التي لم تكن تعتبر تنصير المورسكيين أولوية, على اعتبار أنهم ضروريون للاقتصاد, بمهاراتهم, و جَلَدهم, و تفانيهم في العمل. فالنبلاء يجدون فيهم مبتغاهم, لأن الموريسكيين يدفعون لهم الإتاوات مقابل حمايتهم. كانوا أيضا فلاحين صبورين على العمل. و لم تترك الفتوحات الإسبانية لما وراء البحر من سبيل للترقي الاجتماعي سوى السيف أو رداء ثوب الراهب..كان المورسكيون مذادين عن هذين المجالين, و لم يتبق لهم إلا الأشغال الوضيعة كحرفيين أو فلاحين, و هما مجالا تكوين الثروة. تأرجح التعامل مع الموريسكيين بين تطهير إسبانيا من "جرثومة" المورسكيين او الاستفادة ن مهاراتهم. و قد دافع هذا المقتضى طويلا لصالح بقائهم في البلد و إرجاء طردهم. أما الكنيسة فقد كان لها تصور آخر لا يأخذ بعين الاعتبار الضرورة الاقتصادية و حاجة إسبانيا للمورسكيين, لأن صفاء العقيدة و التوحيد الديني لشبه الجزيرة الإيبيرية, بالنسبة لها, هو فوق كل اعتبار آخر. و كان للكنيسة في هذا حليف ذو بال: البلاط الملكي, فالبلاط كان يقدم نفسه على أنه حارس المعتقد المسيحي, و في الواقع كان في حاجة للكنيسة و إلى شبكة نفوذها في الأندلس و الممالك المجاورة لتكريس نفوذه. كان إعدام المجرمين المزعومين من المسيحيين الجدد أو الموريسكيين, نقطة تبلور السباق بين سلطة رجال الكنيسة و اللائكيين في إسبانيا. فالرهان كان يتجاوز تنفيذ حكم. كان والدي يعرف بأن كل هذا ليس هو المهم. فليس حاكمة شخصين مسكينين هو موضوع الرهان بل هو وجود الموريسكيين برمته. كان المُذنبان المزعومان المسكينان مُقيدين أمام المحرقة. كان عليهما أن يدفعا عنهما تهمة الجريمة النكراء. أقسم البناء بأغلظ الأيمان بأنه لم يغادر بيته لأنه كان يستعد لفصل الشتاء, ثم بكى و هو يعتقد بأن دموعه يمكنها أن تثير الشفقة في قلوب القساوسة و الشرطة, و دفع, كحجة إضافية وضع أبنائه الصغار, الذين لا مُعيلَ لهم غيره. أما الحمّال فقد أدهش الحشد ببرودة دمه: -لم أقتل. أنا برئ. إن كان هذا هو الدين المسيحي, فأنا أٌفضلُ أن اموت على دين محمد. سيكون رب محمد أكثر رحمة من الرب الذي تحكمون علي باسمه ظلما. أُصيبَ الحشد بالذهول للأقوال التحذيفية للحمال. ردَّ عليه الأسقف الذي يُشرف على الحفل: "إن شتائمك تجاه معتقدنا المقدس لا يمكن غفرانها و ستُعرِضكَ إلى أشد العقاب في هذه الدنيا و في الآخرة ..يمكنني أن أتغاضى عن شتائمك, و لكني لن أتسامح في تهجمك على العقيدة المسيحية و الضرر الذي تلحقه بهذه الأرواح الطاهرة الحاضرة معنا و التي تضللها بأقوالك التحذيفية" . تابع والدي المشهد برأس منكسة...كانت الأحكام نهائية و بدون إمكانية الاستئناف. لم يكن مشهد الإحراق يهدف لتنفيذ حكم قضائي بل إثارة حمية المشاعر العامة لساكنة أريد لها أن تكون معادية للمورسكيين. أخذ الاسقف الكلمة كما لو أن محاكمة شخصين بئيسين كانت فرصة لتعضيد الخطاب السائد و دعم توجهات الكنيسة: "لا شيء يهدد إيماننا المقدس مثل الهرطقة. إنها بمثابة الدودة للفاكهة, إنها تقضمها رويدا رويدا و تنتهي بإفسادها. أولئك الذين تسامحوا مع الهرطقات أذوا الثمن غاليا, و الذين بدوا مصممين على مواجهتها أثيبوا على ذلك. التسامح آفة. و من المحزن أن لائكيين يتواطؤون مع هؤلاء الموريسكيين الهراطقة بدعوى حاجة اقتصاد البلد لهم. لكن مستقبل البلد ليس مسألة مادية, فصفاء العقيدة مقدمٌ على كل الاعتبارات. إن التسامح شكل من أشكال الضعف الذي يستفيد منه الهراطقة و الذي يُعَرِّضُ عقيدتنا و بلدنا للخطر. إن مستقبل بلدنا ينبغي أن يقرر فيه رجال الدين و الذين, و بمعية ملوكنا الأشاوس, سيُسرِعون حلول مملكة الله على الأرض. إن اللائكيين لا يؤمنون بالنصوص المقدسة و يعلون من شأن المصالح المادية, بينما النصوص المقدسة واضحة فيما يخص معاملة عبدة الأوثان, يهوه أعطى الأمر من هلال صموئيل للملك شاوول بإبادة هراطقة أمليك: "إضرب الآن, أمليك, أنذرها للعنة هي و ما تملك. كن بدون رحمة تجاهها. أقتل الرجال و النساء و الأطفال و الرضع و الثيران و الشياه و الجمال و الحمير". عفا شاوول عن ملك الاملكيت و الماشية, فعاقبه الله بترع المٌلك منه, لأنه بدا ضعيفا إزاء عبدة الأوثان. هل علينا أن نمثتل لتعاليم غير تلك المتضمنة في النصوص المقدسة؟ إنه لمن الرجس عدم الامثتال لها. غير أن هذا هو ما يدعونا إليه اللائكيون, و الذين, يا للحسرة, يتواجدون بقوة, في الجيش, و بين ملاكي الأراضي الكبار و حتى في البلاط نفسه. ليس هناك من دواء للهرطقة غير العقاب. كيف نعفو عمن أمرنا الله بمعاقبتهم أشد العقاب؟". كان مقتل المسيحي القديم المسكين و محاكمة الحمَّال و البنَّاء فرصة أخرى للكنيسة لتعضيد سلطتها.. مقتطف من رواية "الموريسكي" للمفكر المغربي حسن أوريد, ترجمة عبد الكريم الجويطي. المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|