في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية)؛ بعد أن يبدي المستشرق الألماني الشهير كارل بروكلمان تعاطفه الشديد مع شيخ الإسلام ابن تيمية بسبب ما ناله من اضطهاد، في ظروف من القلق في الوضع السياسي في العصر المملوكي؛ يقول (ص371): (والواقع أن ابن تيمية استطاع أن يتابع نشاطه العلمي بادىء الأمر، وعلى الأقل، وهو سجين في قلعة دمشق، حتى إذا حبس عنه الورق والحبر أخذه الغم لهذه الإهانة، فقضى نحبه* في 29 أيلول سنة 1329م).
يبدو أنه لو صح أن سبب وفاة ابن تيمية ما ناله من الغم بسبب منع الأوراق والأقلام عنه؛ ربما أضيفت هذه القصة إلى قائمة القصص المحفّزة على الطلب، والدالة على شدة محبة العلماء للعلم والكتب!
ونحن نعلم شدة محبَّة شيخ الإسلام للعلم والكتبِ والمطالعة؛ ينقل عنه تلميذه ابن القيم في كتابه (روضة المحبّين) (ص109) أنه قال له : (ابتدأني مرضٌ فقال لي الطبيب: إنَّ مُطالعتك وكلامَك في العلم يزيد المرض. فقلتُ له: لا أصبر على ذلك! وأنا أحاكمك إلى علمك، أليست النفس إذا فرحت وسُرَّت قويت الطبيعة، فدفَعت المرَض؟ فقال: بلى. فقلتُ له: فإنَّ نفسي تُسَرُّ بالعلم، فتقوى به الطبيعة، فأجد راحة. فقال: هذا خارج عن علاجنا! أو كما قال).
لكننا نعلم أيضًا محبَّة شيخ الإسلام لله تعالى!! وأنَّه كان من أهل الاشتغال بالذكر والعبادة؛ ينقل عنه تلميذه ابن القيم أيضًا في كتابه (الوابل الصيّب) (ص96): ( وحضرتُ شيخ الاسلام ابن تيمية مرةً صلَّى الفجر، ثم جلس يذكرُ الله تعالى إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: هذه غدوتي، ولو لم أتغد الغداء سقطت قوَّتِي!).
فقوَّة شيخِ الإسلام بأُنسِه بالله تعالى، والابتهاجِ بذكره، ولم تكن قُواه لتسقط ويموت! بسبب منع الكتب عنه!
ينقل المؤرّخ الشمس ابن الجزري في (تاريخه) (2 /307) عن شقيق شيخ الإسلام الذي كان مرافقًا له في حبسته الأخيرة - التي مات فيها - الشيخ الفاضل زين الدين عبد الرحمن رحمهم الله تعالى : ( وذكر لي أنَّ من حيث مُنع من الكتابة والتصنيف (في يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة) قرأ إحدى وثمانين ختمة، وكان قد بقي من الختمة الأخيرة من سورة الرحمن إلى الحمد، فقرأ أصحابُه الذين دخلوا إليه ليبصروه قبل تغسيله وإلى حيث فرغ من غسله وتكفينه تمام الختمة المباركة إن شاء الله تعالى).
كان منعُ الكتب والأوراق والأقلام عن شيخ الإسلام فرصة ذهبيّة للاتصال بمحبُوبِه الأجلِّ الأعلى تبارك وتعالى، والإقبال على العبادة والذكر والتهجد، ولذا كان يعدُّ منع الكتب نعمة جليلة، يقول تلميذه ابن عبد الهادي رحمه الله تعالى في (مختصر طبقات علماء الحديث) (4/294): (وآل الأمر إلى أن مُنع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا عنده دواة ولا قلمًا ولا ورقة، وكتب عقيب ذلك بفحم يقول: إنَّ إخراج الكتب من عنده من أعظم النعم.
وبقي أشهرًا على ذلك، وأقبل على التلاوة والعبادة والتهجد حتى أتاه اليقين).
أليس هذا الشيخ المَحبوس الذي جاوز الستِّين هو نفسه ذلك الشاب الذي كان يخرج إلى الصحراء يخلُو عن الناس، لقوّة ما يَردُ عليه، ويتمثل بقول المجنون:
وأخرُجُ من بين البُيوت لَعلَّنِي ... أُحدِّث عنك النفس بالسر خاليًا ؟!**
رحمه الله تعالى ورضي عنه.
_______
* الظاهر من كلامه أنه يجعل الغم الذي نال ابن تيمية بسبب منع الكتب، سببًا في وفاته.
** كما ينقل ابن القيم في (مدارج السالكين) (3/ 59 -60) عن بعض أقاربه.
المصدر...