![]() |
![]() |
آخر مواضيع المنتدى |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||||||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
#1 | |
|
مدير ومالك المنتديان
![]() |
من أسباب ظهور العلمانية في المجتمعات الغربية د. التجاني محمد الأمين زايد أحمد (مظاهر القصور الفلسفي والعلمي والفني والروحي لسلطة رجال الدين) قراءة تاريخية تحليلية نقدية مختصرة[1] مقتبسات: "إن المسيحين يعرفون أن موت المسكين تحت ألسنة الكلاب التي تلحس قروحه أفضل بكثير من موت الغني في البرفير والأرجوان". القديس أوغستينس، مدينة الله، مج1 ص 27، ط2 دار الشروق. "كل شيء له مغزى ثنائي؛ فاللفظ "أحمر" يعني اللون الأحمر، كما يرمز لدم المسيح، والخشب يستدعي ذكرى الصلب بالمعنى الحقيقي، وترمز حركة "أبو جلمبو" بأطرافه الجانبية إلى الخديعة، والسماء كلها رموز وإشارات..." الفيلسوف المعاصر جميس بيرك متحدثًا عن روح الفلسفة المسيحية في كتابه: عندما يتغير العالم Burke, The Day The Universe Changed," p. 28, London Writers Ltd 1995 ABSTRACT There are many objective reasons that have brought into existence what Philosophy historians called Modern Philosophy that created the present Western Civilization and paved the way for issues in Contemporary Philosophy. Modern Philosophy has split into two main schools: Rationalism and Empiricism both of which led to what is known today as Secularism and this point will not be discussed here. In this short paper I reviewed and analyzed - what I thought - some of the most important reasons for the emergence of Modern Philosophy. This is done through the most important features of the intellectual life to what is known in the history of Europe as The Age of Faith (The Dark Ages). The Age of Faith was based on the Clerics theory of religious thought, which eliminated by the Renaissance. The Renaissance represented an introduction to Modern Philosophy as it contained introductory thoughts that eliminated the Clerics. In this study, I followed the historical analytical approach in the selection of research data. Soon this approach guided me to an amazing result that the Clerics - as a theory for understanding, interpretation and application of religion - was serious in overwhelming the whole life with a religious nature developed by powerful men who believed in what they sought and worked hard towards applying it in all walks of life. I have chosen to study some aspects of Philosophy, Science, Art, and Monasticism which represented the spiritual and practical life of that era. Surprisingly I found the result of application is quite possible in a way - regardless of its cost in life. On the other hand, it was amazing to see a serious attempt and its results on the ground. The interesting result that I found was that religion - as a theoretical thought elicited from a sacred text - can be applied in life, regardless of the reliability of elicitation process or the source elicited from. ثمة أسباب موضوعية أظهرت إلى حيز الوجود ما سماه مؤرخو الفلسفة بـ: الفلسفة الحديثة (فلسفة القرنين 17 و18)، التي صنعت الحضارة الغربية الماثلة، بل وما زالت "الفلسفة المعاصرة" لم تتجاوز "أطروحات" الفلسفة الحديثة التي انفلقت إلى مدرستين رئيسيتين (العقلية Rationalism، والتجريبية Empiricism)، كلاهما يقود إلى نتيجة واحدة، وهي ما يُعرف في عالمنا الإسلامي بـ: (العلمانية secularism)، وتلك قصة لن نناقشها هنا. في هذه الورقة المختصرة استعرضت وحللت - ما رأيته - أحد أهم أسباب نشأة الفلسفة الحديثة، من خلال أهم معالم الحياة الفكرية لِما عُرِف في تاريخ أوربا بـ: العصور الوسطى، أو المظلمة، أو ما سماه "ويل ديورانت 1885 - 1981" (بعصر الإيمان The Age of Faith)[2]، عصر الإيمان هو الحِقبة السابقة لحِقبة الفلسفة الحديثة، بل السابقة لما عُرِف بعصر النهضة (Renaissance)[3] الأوربية، والنهضة هي المدخل إلى الفلسفة الحديثة، من حيث إنها كانت المقدمات الفكرية المزيلة لما قبلها، أعني الفكر الذي قام على نظرية "الإكيلورس"، والمصطلح "إكيلورس = clerics" يعني رجال الكنيسة. اتبعت في تتبع وانتقاء نقاط هذه الورقة منهجًا تاريخيًّا تحليليًّا مختصرًا، أوصلني إلى نتيجة مذهلة، مُفادها: أن الإكلورس - باعتباره نظرية لفهم وتفسير وتطبيق الدين - كان جادًّا في طبع الحياة كلها بطابع دِين استنبطه رجال أشداء، آمنوا بما استنبطوا، ثم سعَوا - بجد وهمة - في تطبيقه في جميع شِعاب الحياة، وقد اخترت في دراسة الفلسفة والعلم والفن والرهبنة جوانب رأيتها تعبر عن الحياة الروحية والعملية لتلك الحقبة، والمدهش أني وجدتُ نتيجة التطبيق ممكنة من ناحية - بغض النظر عن كلفتها في الحياة - ومذهلة من ناحية أخرى؛ وذلك بالنظر للمحاولة الجادة ونتائجها على الأرض، والفائدة التي خرجت بها أن الدِّين - باعتباره فكرة نظرية مستنبطة من نص مقدس - يمكن تطبيقه في الحياة، بغض النظر عن سلامة الاستنباط، أو سلامة النص المستنبط منه. أولًا: القصور الفلسفي: كان الشعار المرفوع طيلة العصور الوسطى هو "الفلسفة في خدمة رؤى الإكلورس الدينية"[4]، وقد كانت هذه الرؤى ذات اتجاه واحد في نظرتها للكون والحياة والمجتمع؛ إذ أهملت الثنائية التي نعتبرها من صميم طبيعة الأشياء، فالتفاعل بين تلك الثنائية يحفظ التوازن، وهو سر فاعلية الأشياء وحركتها، فالنفس الإنسانية أو الرُّوح لا يمكن معرفتها حق المعرفة إذا تجاوزنا تمامًا متطلبات وعائها الذي يحويها، المتمثل في مادة الجسد وصورته، تمامًا كما أن الكون الميتافيزيقي الماورائي الغيبي لا يمكن معرفته حقًّا إذا تجاوزنا معرفة الكون الفيزيائي الآني المنظور، وهذا التجاوز المخل هو الذي فعلته بالضبط الفلسفة المسيحية طيلة قرونها الوسطى، خصوصًا تلك التي طبعت بالطابع الأوغسطيني[5] المتأثر بالمدارس اليونانية، وخاصة في سقراطيتها القائمة على شعار "اعرِفْ نفسك"، وبصورة أكبر في أفلاطونيتها المتدثرة بنظرية المثل - هذا إذا استثنينا جزئيًّا توما الأكويني الذي جعل سلطة أرسطو هي الحاكمَ للرؤى اللاهوتية في نهاية القرون الوسطى - وهذا الاتجاه الواحدي الذي لمحناه محمولًا في جوهر السيل المعرفي لفكر القرون الوسطى وما نتج عنه من نتائج هو الذي خوَّل لنا وصفه بالقصور الفلسفي، وإليك المزيد. 1 - سقراط وأفلاطون عند آباء الكنيسة: يقول "جيلسون" المتخصص في فلسفة القرون الوسطى: والواقع أننا نستطيع أن نرى عنصرًا مشتركًا بين سقراطية سقراط والسقراطية التي حددها وحفِظ معالمها آباء الكنيسة والفلاسفة في العصور الوسطى، وهذا العنصر المشترك هو نزعتهما العدائية للطبيعة Anti - Physicism، ولقد اتفقوا جميعًا على أن معرفة الإنسان لنفسه أهم بكثير من معرفة الأشياء الخارجية[6]. أوغستين يعرِّف النفس بأنها (الجوهر العاقل القادر على أن يتحكم في البدن)[7]، وفي التحليل النهائي - كما يرى "جيلسون" في هذا التعريف - (يكون الإنسان هو النفس فقط، أو بمعنى آخر أن النفس ذاتها هي الإنسان)[8]، يقول أوغستين: (إن النفس نفس فقط؛ لأنها تمتلك جسدًا تستخدمه، والجسد جسد فقط؛ لأنه في خدمة النفس)[9]، يقول جيلسون: (لكن تعريف النفس في كلا الحالتين - في الواقع - يرادف تعريف الإنسان)[10]. وعلى الرغم من أنني متعاطف مع تعريف أوغستين للنفس، فإن المراد من هيمنة النفس على البدن تغييبه، ومن ثم إنكاره، ونتيجة هذا المسلك المتطرف تنبئنا عن ضرورة التحفظ حول مدى قدرة النفس الدائمة في تحكمها في البدن، فالأوفق هو أن تُراعى أحوال الطرفين في العلاقة بينهما، وأن تكون العلاقة مبنية على التفاهم أو التفاعل، بفهم خصائص كليهما الآخر، دون أن تكون العلاقة مبنية على محو الآخر. وبهذا تم إنكار الجسد في التصور المعرفي للإنسان، أما إنكار الكون الفيزيائي في سبيل معرفة الكون الميتافيزيقي فقد تمثل كالآتي: "إذا كان الله هو الوجود Being، فإن ذلك لا يعني أنه هو الوجود الكلي الشامل فحسب، ولكنه يعني كذلك أنه هو الوجود الحقيقي بصفة خاصة، وأن كل شيء آخر - ما عدا الله وفق التصور الإكلورسي - ليس إلا وجودًا جزئيًّا لا يستحق اسم الوجود على الإطلاق، وهكذا فإن كل ما يبدو لنا بوضوح شديد أنه واقعي على الأصالة - كل ما حولنا: عالم الامتداد والتغيير - قد ألقى بأسره في عالم الظاهر، وهبط إلى مرتبة اللاحقيقي، أو الزائف"[11]. يقول جيلسون: "القول بأن الواقع المحسوس الذي يحيط بنا ليس هو الواقع الحقيقي لم يكن كشفًا أتت به المسيحية لأول مرة، فنحن جميعًا نذكر فلسفة أفلاطون، والطريقة التي نظرت بها إلى الأشياء الموجودة في هذا العالم، واعتبرتها مجرد ظلال لعالم آخَر، هو عالم المُثل، في حين نظرت إلى عالم المُثل على أنه العالم الأبدي الدائم الضروري، وهكذا فإن العالم بما فيه من مُثل هو العالم الحقيقي، أما عالم الأشياء المحسوسة، الذي نعيش فيه، فهو عالم التغير والتحول والصيرورة[12]. فكرة التغير أو التحول والصيرورة مأخوذة من هيراغليط، الذي عندنا هو الأب للنزعة المادية والنسبية في الفلسفة الغربية الحديثة؛ لذلك نجد من الطبيعي أن ترفض الكنيسة عالم هيراغليطس، بل أنكرته معرفيًّا، ويذهب جيلسون شارحًا فهم الكنيسة الفلسفي للكون المستند إلى سلطة أوغستين، المستند بدوره إلى سلطة أفلاطون، والمتعارض مع الكون الهيراغليطيسي قائلًا: (إن أفلاطون الذي ألهم أوغستين لم يكن يعتقد أن طبيعة الأشياء المادية لها من الاتساق ما يكفي أن تكون موضوعًا لأية معرفة يقينية؛ فعالم المُثل هو وحده موضوع العلم اليقيني، أما عالم الحس عنده فلا يصلح لأن يكون مجرد أساس للظن opinion على أحسن الفروض)[13]. يقول الكاتب والفيلسوف الإنجليزي المعاصر جيمس بيرك James Burke واصفًا نظرية "الإكلورس" في الكون: (كل شيء في العالم، بالنسبة للإكلورس، له دلالة مخفية، والله - حسَب تعاليم "أوغستين" - هو من أخفى المعنى الحقيقي للطبيعة، وبهذا ما نراه أمامنا لا يمثِّل الشيء نفسه الذي يظهر أمام حواسنا، وبهذا أضحى كتاب الطبيعة "أي: الكون المنظور" هو شفرة يتعين على المؤمن وحده أن يفك رموزها. إن العالم الذي وصفته كتب الإكلورس كان ظلالًا ورموزًا ليس إلا، وخلف كل شيء محسوس تكمن فكرة روحية، هي الحقيقة الوحيدة لهذا الشيء، ولا أهمية لتعيُّنِه المشاهد لنا في الدنيا، كل شيء له معنى ثنائي (ظاهر وباطن)؛ فعلى سبيل المثال: كلمة "أحمر" تعني اللون الأحمر، كما أنها في الوقت نفسه ترمز لدم المسيح... والخشب يستدعي ذكرى الصَّلب بالمعنى الحقيقي، وترمز حركة "أبو جلمبو" بأطرافه الجانبية إلى الخيانة (الخديعة)، والسماء كلها رموز والإشارات ...)[14]. وهكذا نستطيع أن نلمس القصور الفلسفي المسيحي - في عصور أوربا "المظلمة" - يتبدى في قضيتين أساسيين فشلت في أن تحتويهما نظرية المعرفة المسيحية، أعني "الطبيعة"، أو ما عبرنا عنه بالكون الفيزيائي المنظور، والقضية الثانية هي "الجسد = البدن"، أو ما عبرنا عنه بوعاء النفس، فكلا القضيتين أسقِطتا أو أهملتا تمامًا عند غالبية مفكري الإكلورس، بينما نجد على النقيض أن هاتين القضيتين المهملتين هما محط أنظار الفكر الفلسفي الغربي الدنيوي الحديث؛ إذ حصر نفسه تمامًا في دائرتيهما، وهذا الفكر العلماني الحديث - أي الفكر السكيولرزمي الدنيوي - يعترف بأنه يقوم دائمًا على نقيض التصور الإكلورسي اللاهوتي المعرفي، إذًا هو أيضًا، وكما أوردنا في غير هذا المكان[15]، شكل من أشكال الفكر الواحدي، وإن اختلفت نتائجه، وهذا هو الفارق الأعظم بين فكر الوسطية المستمد من الوحي الصحيح، وفكر اللاهوت المسيحي، ونقيضه العلماني. 2 - سلطة أرسطو على الكنيسة في أواخر القرون الوسطى: إذا تركنا أفلاطون جانبًا، الذي بسطه الفيلسوف القديس "أوغسطين" مرجعية نهائية للكنيسة منذ القرن الرابع وحتى ما يشارف نهايات القرون الوسطى (ما يقارب ألف عام)، وتحولنا إلى أرسطو الذي قدمه الفيلسوف القديس "توما الأكويني" بديلًا عن أفلاطون، وذلك عن طريق التراث العربي الإسلامي - (خير من قدم أرسطو للغرب) - فسنستغرب كيف أن الكنيسة قد تحولت إلى أرسطو بدلًا عن أفلاطون، مع أن بينهما من التباين ما لا يخفى، ولئن خرجت الفلسفة الوسيطة عن الفكر الأرسطي في بعض جوانبه بفضل "الأكويني" الذي خالف أرسطو، حين رأى الأخير "أن الطبيعة عملية تطورية عظيمة، نسبة المراتب العليا منها إلى السفلى كنسبة الصورة إلى المادة، أو العقل إلى القوة، وأن ما هو بالقوة في المراحل الدنيا، يصبح بالفعل في مراتب أعلى، وقد حاول أن يفسر الروح في حدود هذه الطبيعة[16]، غير أننا نجد الأكويني الذي أخذ بفلسفته على العموم اعتقد أن الروح شيء مخالف للجسم اختلافًا تامًا، وبذلك استبدل الأحادية التي نادى بها أرسطو - والمتعارضة مع تعاليم الكنيسة التي فصلت بين الروح والجسم - بثنائية الروح والجسم[17]، وعلى العموم فإن خرج الأكويني في بعض النواحي عن فلسفة أرسطو التي ظن أنها تتعارض مع المسيحية، غير أنه رغم ذلك نجد الأكويني - والكنيسة من بعده - قد اعتبر فلسفة أرسطو في مجملها صادقة بصورة مطلقة، ومن ثم نظرت الكنيسة - بعد أن استسلمت للأكويني - إلى كل انحراف عنها على أنه بدعة ينبغي محاربتها ومحاسبة من ينادي بها، وهكذا "اقتضى أن يدور كل بحث في نطاق الفلسفة الأرسطية، ويؤول إلى تعزيزها، وأن يجهَّلَ كل ما لا يتفق مع مبادئها، وكان ذلك كله سببًا من أسباب التخلف العلمي في القرون الوسطى؛ لأن الفلسفة الأرسطية قضت على التفسير الآلي للطبيعة - الذي يعتبره العلمُ الحديث وسيلة لاكتشاف الحقائق الكونية - واستبدلت به تفسيرًا غائيًّا صوريًّا، وأصبح كل شيء يفسر بإضافة "يه" إلى آخره، فإذا تغيرت بذرة إلى شجرة، فذلك يعزى إلى أن صورة الشجرة أو "الشجرية" أصبحت كائنة فيها بالفعل، فكل شيء ما هو إلا بفضل صورته وحسب، ونتج عن ذلك أن انصرف الناس عن تقصي أسرار الكون، وعن الأخذ بأسباب التقدم والرقي، واكتفَوا بما حصلوا عليه من معارف ضئيلة، كانوا يفسرونها على نحو ما تريده الكنيسة؛ ولذلك فلا عجب أن يُظهر الناس رغبة شديدة في اكتساب المعارف التي أخذت تتدفق من الشرق في مطلع عصر النهضة"[18]. وعلى الرغم من أن الفكر الدنيوي الغربي الحديث (السكيولرزم الحديثة) يعتبر أرسطو عقبةً كؤودًا أمام انطلاق العلم التجريبي الحديث بفضل منطقه الصوري، غير أنه من المؤكد لنا - وبمفارقة عجيبة - أن أرسطو نفسه هو الذي سارَع بنهاية العصور الوسطى؛ أعني هو الذي قضى على سلطة الكنيسة! وذلك بفضل منطقه العقلاني الذي لم يستطع تلميذه الكبير القديس توما الأكويني إلا أن يفصِل في نهاية المطاف بين نطاق الدِّين ومجال الفلسفة، الشيء الذي جعل مؤرخي الغرب يعتقدون أن الفلسفة الحديثة، وتحديدًا الجذور الحديثة للعلمانية (السيكيولرزم)، تجد مرجعيتها عند الأكويني نفسه، من خلال فصله بين نطاق ما هو ديني وما هو فلسفي، وعليه فقد مهَّد بهذا الفصل الطريق إلى آخرين ليسيروا إلى أبعد نقطة؛ لذا ليس غريبًا أن يحتفي فلاسفة العلمانية بذكرى توما الأكويني[19]. ثانيًا: انحطاط الحركة العلمية: إذا كان العلم Science ذا علاقة وطيدة بالكون الفيزيائي، بل هذا الكون هو موضوعه، ورأينا مكانة هذا الكون المادي في العرف والفكر الكنسي، فإنه ربما كان من المفارقة أن نكتب عن حركة العلم في عصور هيمنت عليها التصورات الكنسية؛ لأنه باختصار ليست هنالك حركة علمية بالمعنى الحديث لكلمة علم Science، فإذا كانت الجامعات هي المؤسسات الأكاديمية المنوط بها عملية البحث العلمي، فإن هذه الجامعات سيطرت عليها العقول"الإكلوريسية"، وحددت سياستها التعليمية الفرماناتُ البابوية، فتبنَّت الجامعات في تلك الآونة ما عُرف بـ: "سياسة التعليم السلمي"[20]، وإذا تساءلنا عن ماهية "التعليم السلمي" فالإجابة: هو ذلك التعليم الذي خطت معالمه وحدوده الأساسية نظرةُ "الإكلورس" اللاهوتية تجاه القضايا التي لها علاقة بحركة العلم، وإذا تساءلنا: هل للإكلورس أو الكنيسة تصورات ونظريات في قضايا العلم الطبيعي التطبيقي التجريبي الذي يخضع للمعمل وأدواته؛ حتى تستطيع أن ترسم - وَفْقَه - حدود ذلك التعلُّم السلمي الذي ينبغي عدم تخطيها؟ فإن الإجابة على ذلك قطعًا تأتي بالسلب؛ لأن الكنيسة لم يكن لها دافع يدفعها حتى تتوغل في قضايا العلم بهذه الصورة التفصيلية، ولكن لا شك في ذلك أن الكنيسة تبنَّت نظريات ذات صلة وثيقة بالعلم وحركته، وخاصة في الفلَك والجغرافيا والنشوء، أو ما عُرف بـ: "نظرية الخلق"، وفي الواقع أن كل هذه النظريات تجد جذورها في الفكر القديم السابق للمسيحية؛ فالمسيحية فقط حاولت أن تنتقي ما يناسبها، بل ما يناسب ظاهر آياتها "التوراإنجيلية" من تلك النظريات، ومن ثم جعلت هذه النظريات حدودًا لِما عُرف بـ: "التعليم السلمي"، ويمكننا تحديد هذه النظريات كالتالي: 1- النظرية الجيوستيرية Geocentric Theory: وهي النظرية القائلة بأن الأرض مركز النظام الكوني، وأن الشمس وبقية السيارات إنما يدرن من حولها وهي ثابتة لا تتحرك، وقد ظلت هذه النظرية من المسلمات البديهية في المجتمع الغربي المسيحي حتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي، والويل لمن يخالفها[21]. ولقد تبرعت الكنيسة بطرح براهين ظنت عقلانيتها، لأجل تعضيد صحة هذه النظرية، وهذه البراهين إنما تكشف عن مدى طفولية عقل الكنيسة وسطحيته، فعن صورة الأرض قالوا: إنها منبسطة غير كروية، وأما شكلها فهو مستطيل، و(طولها أطول من عرضها!)[22]. 2- نظرية الخلق: لقد تحدثوا عن الذي تولى القيام بعملية الخلق، فاختلفوا فيه، وقالوا: إنه الأب، وآخرون قالوا: إنه الابن، وغيرهم ذكر أنه الروح القدس، كما أن منهم من جمع هذه الثلاثة أقانيم واعتبرها الخالق مجتمعة، وتحدثوا كذلك عن تاريخ الخلق، فذكروا أنه قبل 4004 قبل ميلاد "يسوع"، وتحدثوا عن تفاصيل كثيرة خالفها العلم الحديث، ولا نجد داعيًا لذكرها[23]، لكن ما يهمنا هو أن المقصود بسياسة التعليم السلمي: عدم مخالفة هذه النظريات في مجال علم الفلَك والجغرافيا أو غيرها من الأمور التي حددتها الكنيسة. يقول د. توفيق الطويل في كتابه: قصة النزاع بين الدين والفلسفة: (لكن الكنيسة كانت إذ ذاك تحتكر العلم، وتهيمن على شؤونه، فصارت الجامعات في ركابها، وأخذت تتلقى الأوامر والتعليمات من رجالها، وتلقن طلابها ما يبيحه هؤلاء، وحبست عنهم ما يحرمونه، ومن هنا نشأت "سياسة التعليم السلمي" الذي جرت عليه الجامعات، وأصبح أساتذتها لا يُعنَون بالحقيقة من حيث هي وليدة نظر عقلي سليم واختيار تجريبي مؤكد، بقدر ما يُعنَون بالاستجابة لطاعة الكنيسة، واعتناق ما تقره من آراء، فإذا تجلى لأستاذ الجامعة بطلان رأي شائع معتمد، وأضحى على يقين من ذلك، كان عليه أن يجاريَ العُرف الذي يقضي التزامه بسياسة التعليم السلمي في الجامعات، وأن يحبس الرأي في حنايا نفسه، ولا يبشر به أحدًا من تلامذته أو سواهم، كما فعل الكثيرون من أمثال رينولد Reinhold في منتصف القرن السادس عشر، أو كان على هذا الأستاذ الذي يكشف خطأ رأي مألوف أن يغادر منصبه من الجامعة؛ ليتمكن من التبشير به خارجها، كما فعل أمثال ريتوكس Rheticus، وإلا أُكره على ترك منصبه راغمًا، كما حدث لجاليليو في القرن التالي، وقد كان هؤلاء الثلاثة على يقين من صحة الرأي الذي بشَّر به كوبر نيكوس بصدد دوران الأرض)[24]، وكانت الجامعات في ذلك الوقت تفاخر بأنها التزمَتِ التعليم السلمي الذي لا يحيد عن حقائق الكتب المقدسة، ولم تأذن بإدخال الفكر الجديد في برامجها. وهنالك ملاحظة هامة، وهي أن جميع الطوائف الدينية - بما فيها البروتستانت التي وُصفت بعدائها الشديد للكنيسة الكاثوليكية ورجالها - قد اتفقوا جميعًا على محاربة الرُّوح العلمية الجديدة التي تستند على التجريب والمشاهدة والمنطق الحر، وكان لا بد للروح العلمي الجديد من أن يلتمس طريقه خارج الجامعات، وقد نهضت بهذا العبء الجمعية الملكية ونحوها[25]. وهكذا سرعان ما تجد حركة المجتمع قد تجاوزت جميع مؤسسات الكنيسة، بما فيها الجامعات التي سيطرت عليها، وسرعان ما بدأ الانفجار يحاصر هذه المؤسسات؛ حيث نشأت معاهد تولت التبشير بالعلم، وتحررت من نفوذ الكنيسة ورجالها، فنشأت أكاديمية فلورنسا والبندقية في القرن الخامس عشر، وقامت في باريس كلية فرنسا على يد "فرانسوا الأول"؛ للتبشير بالعلوم الإنسانية، وظهرت بوادر منهج البحث العلمي، وهكذا استطاعت الحركة الدنيوية أن تتمدد يومًا إثر يوم، على حساب حركة الإكلورس في أشكالها المختلفة، فيما عُرف تاريخيًّا بعصر النهضة، الذي صُور على أنه "تلك الفترة التي اكتشف الإنسان فيها أن المفاهيم الأرسطية عن الطبيعة والحياة أصبحت أضيقَ مِن أن تستوعب وجهات النظر والخبرات الجديدة التي ظهرت نتيجة الظروف التاريخية والجغرافية"[26]. يتبع المصدر... اثبت وجودك
..
|
|
![]() من مواضيعي في الملتقى
|
||
|
|
|
![]() |
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
![]() |
|
|
|
|
|
||||
|
|
|
|
|
|
|